تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر قطع يد ابن مقلة ولسانه

فى هذه السنة فى منتصف شوال قطعت يد الوزير أبى على بن مقلة وكان سبب ذلك أنّ الوزير أبا الفتح بن جعفر بن الفرات لما عجز عن الوزارة وسار إلى الشام استوزر الراضى بالله أبا على/ بن مقلة وليس له من الأمر شىء، وإنما الأمر والنّهى لمحمد بن رائق.

وكان ابن رائق قد قبض على أموال ابن مقلة وأملاكه وأملاك ابنه،

فخاطبه فى ردّها فلم يفعل، فاستمال أصحابه وسألهم مخاطبته فى ردّها فوعدوه ولم يفعلوا. فلما رأى ذلك سعى بابن رائق فكاتب بجكم يطمعه فى موضع ابن رائق، وكتب إلى وشمكير مثل ذلك، وكتب إلى الراضى بالله يشير عليه بالقبض على ابن رائق وأصحابه ويضمن أنه يستخرج منهم ثلاثة آلاف ألف دينار، وأشار باستدعاء بجكم وإقامته مقام ابن رائق فأطمعه الراضى وهو كاره لما قاله، فعجل ابن مقلة وكتب إلى بجكم يعرفه إجابة الراضى ويستحثه على الحركة والمجىء إلى بغداد. وطلب ابن مقلة من الراضى بالله أن ينتقل ويقيم عنده بدار الخلافة إلى أن يتم على ابن رائق ما اتّفقا عليه، فأذن له فى ذلك فحضر متنكرا فى آخر ليلة من شهر رمضان. فلما حضر إلى دار الخلافة لم يصل إلى الراضى وأمر باعتقاله فاعتقل فى حجرة.

فلما كان من الغد أرسل الراضى إلى ابن رائق يعرفه الحال، وعرض عليه خطّ ابن مقلة، وما زالت الراسل تتردد بينهما فى المعنى إلى منتصف شوال، فأخرج ابن مقلة من محبسه وقطعت يده، وعولج فبرأ.

ثم كاتب الراضى يخطب الوزارة ويذكر/ أنّ قطع يده لم يمنعه من عمله، وكان يشدّ القلم على يده المقطوعة ويكتب، فلما قرب بجكم من بغداد سمع الخدم يتحدثون بذلك فقال: إن وصل بجكم فهو يستخلصنى وأكافئ ابن رائق! وصار يدعو على من ظلمه وقطع يده، فوصل خبره إلى الراضى بالله وابن رائق فأمر

بقطع لسانه، ثم نقل فى محبس ضيّق ولم يكن عنده من يخدمه، فآلت به الحال إلى أن كان يستقى الماء من البئر بيده اليسرى ويمسك الحبل بفيه وناله شقاء شديد إلى أن مات فى حادى عشر شوال سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة ودفن بدار الخلافة ثم إن أهله سألوا فنبش وسلّم إليهم فد فنوه، ثم نبشته زوجته ودفنته فى دارها. ومن العجب أنه ولى الوزارة ثلاث دفعات، ووزر لئلاثة خلفاء وسافر ثلاث سفرات اثنتين منفيا إلى شيراز وواحدة إلى الموصل فى وزارته، ودفن بعد موته ثلاث مرات وخصّ به من خدمه ثلاثة، وكان فى سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة فى شهر ربيع الآخر ضرب ابن شنّبوذ سبع درر لقراءات أنكرت عليه، فدعا عليه بقطع اليد وتشتيت الشّمل، فاستجاب الله له!

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.