تجاوز إلى المحتوى

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)

الضرب الأوّل ما يعاب استعماله في النظم والنثر جميعا

قال في «المثل السائر»: والناس في قبح استعماله سواء، لا يختلف فيه عربيّ باد، ولا قرويّ متحضّر. قال: وليس وراءه في القبح درجة أخرى، ولا يستعمله إلا أجهل الناس ممن لم يخطر بباله شيء من معرفة هذا الفنّ أصلا، وهو ما مجّه سمعك، ونبا عنه لسانك؛ وثقل عليك النطق به؛ على أنه قد وقع منه ألفاظ لبعض الشعراء المفلقين من العرب والمحدثين. فمن ذلك لفظ الجحيش في قول تأبط شرّا من أبيات الحماسة:

يظلّ بموماة ويمسى بغيرهاجحيشا ويعروري ظهور المسالك
للشاعر تأبط شراً، من قصيدة «إني لمهد من ثناء فقاصد»

فإن لفظه جحيش من الألفاظ المنكرة القبيحة.

قال في «المثل السائر»: ويالله العجب! أليس أنها بمعنى فريد؟ وفريد لفظة حسنة رائقة، لو وضعت في هذا البيت موضع جحيش لما اختل شيء من وزنه، فتأبط شرّا ملوم من وجهين: أحدهما استعماله القبيح، والثاني أنه كانت له مندوحة عن استعماله فلم يعدل عنها؛ وأقبح من ذلك لفظ اطلخمّ في قول أبي تمّام:

قد قلت لما اطلخمّ الأمر وانبعثتعشواء تالية غبسا دهاريسا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أحيا حشاشة قلب كان مخلوسا»

فإن لفظة اطلخمّ من الألفاظ المنكرة التي جمعت الوصفين القبيحين: من أنها غريبة، وأنها غليظة في السمع، كريهة على الذّوق، وكذلك لفظة دهاريس في آخر البيت المذكور.

وعلى حدّ ذلك ورد لفظ جيدر في قوله من أبيات في وصف فرس:

نعم متاع الدّنيا حباك بهأروع لا جيدر ولا جبس
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «هل أثر من ديارهم دعس»

فلفظة جيدر وحشية غليظة؛ وأغلظ منها لفظة جفخت في قول أبي الطّيّب المتنبي:

جفخت وهم لا يجفخون بها بهمشيم على الحسب الأغرّ دلائل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

فإن لفظة جفخ مرّة الطعم، وإذا مرّت على السمع اقشعرّ منها، وكان له مندوحة عن استعمالها، فإن جفخت بمعنى فخرت وهما في وزن واحد، فلو أتى بلفظ فخرت ويفخرون مكان جفخت ويجفخون لاستقام وزن البيت وحظي في استعماله بالأحسن، فهو في ذلك كتأبّط شرّا في لفظة جحيش في توجه الملامة عليه من وجهين.

قال في «المثل السائر»: وما أعلم كيف يذهب هذا وأمثاله على هؤلاء الفحول من الشعراء! هذا ما أورده ابن الأثير من هذا النوع، ويشبه أن يكون منه لفظ الحقلّد في قول زهير:

تقيّ نقيّ لم يكثّر غنيمةبنهكة ذي قربى ولا بحقلّد
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «غشيت ديارا بالنقيع فثهمد»

والحقلّد: السيء الخلق.

قال في «الصناعتين»: وقد أخذ الرّواة على زهير في لفظة الحقلّد فاستبشعوها، وقالوا: ليس في لفظ زهير أنكر منها، وكذلك لفظ الجرشّى في قول أبي الطّيّب في مدح سيف الدولة بن حمدان واسمه عليّ:

مبارك الاسم أغرّ اللّقبكريم الجرشّى شريف النّسب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فهمت الكتاب أبر الكتب»

فلفظ الجرشّى مما يكرهه السمع، وينبوعنه اللسان، والجرشّى بمعنى النّفس، فجعل اسمه مباركا، ولقبه أغرّ، ونفسه كريمة، ونسبه شريفا، وذلك أنه كان يسمّى عليّا وهو اسم مبارك لموافقة أسم امير المؤمنين عليّ كرم الله وجهه، ويلقب سيف الدولة وهو لقب أعرابي مشهور، وأغرّ أخذا من غرّة الفرس لأنها أشهر ما فيها، ووصفه بكرم النفس إما باعتبار الحسب والعراقة، وإما باعتبار بذل المال وكثرة العطاء، وأشار إلى شرف نسبه باعتبار عراقته في بيت الملك وعراقة حسبه.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.