من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
الضرب الأوّل أن يؤخذ المعنى ويستخرج منه ما يشبهه ولا يكون هو إيّاه
. قال في «المثل
السائر»: وهذا من أدق السرقات مذهبا وأحسنها صورة، ولا يأتي إلا قليلا. فمن ذلك قول المتنبي:
وإذا أتتك مذمّتي من ناقصفهي الشّهادة لي بأنّي كامل
وهذا المعنى استخرجه المتنبي من قول بعض شعراء الحماسة، وإن لم يكن صريحا فيه حيث يقول:
لقد زادني حبّا لنفسي أنّنيبغيض إلى كلّ امريء غير طائل
قال في «المثل السائر»: والمعرفة بأنّ هذا المعنى من ذلك المعنى عسر غامض غير متبيّن إلا لمن أعرق في ممارسة الشعر، وغاص على استخراج المعاني. قال: وبيان ذلك أن الأوّل يقول: إن بغض الذي هو غير طائل إيّاي قد زاد نفسي حبّا إليّ، أي قد جمّلها في عيني وحسّنها عندي كون الذي هو غير طائل منقصي؛ والمتنبي يقول: إن ذم الناقص إياه بفضله كتحسين بغض الذي هو غير طائل نفس ذلك عنده.
وأظهر من ذلك أخذا من هذا الضرب قول البحتريّ في قصيدة يفخر فيها بقومه:
شيخان قد ثقل السّلاح عليهماوعداهما رأي السميع المبصر
ركبا القنا من بعد ما حملا القنافي عسكر متحامل في عسكر
أخذه من قول أبي تمّام في وصف جمل:
رعته الفيافي بعد ما كان حقبةرعاها وماء الرّوض ينهلّ ساكبه
فأبو تمّام ذكر أن الجمل رعى الأرض، ثم سار فيها فرعته أي أهزلته، فكأنها فعلت به مثل ما فعل بها؛ والبحتريّ نقله إلى وصف الرجل بعلوّ السنّ والهرم، فقال: إنه كان يحمل الرمح في القتال، ثم صار يركب الرّمح أي يتوكأ منه على عصا كما يفعل الشيخ الكبير.
وأوضح من ذلك وأكثر بيانا في الأخذ قول البحتريّ أيضا:
أعاتك ما كان الشّباب مقرّبيإليك فألحى الشّيب إذ هو مبعدي
أخذه من قول أبي تمّام:
لا أظلم النّأي قد كانت خلائقهامن قبل وشك النّوى عندي نوى قذفا
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع