من «الدر الفريد وبيت القصيد» لمحمد بن أيدمر المستعصمي (ت ٧١٠هـ)
وَالشِّعْرُ لَهُ أسْبَابٌ
مَتَى خَلَا مِنْ وَاحِدٍ منها كان كَالحَيَوَانِ الَّذِي عَابَهُ نَقْصٌ فِي خِلْقَتِهِ، وَشَانَهُ فَقْدُ شَيْءٍ مِنْ أَعْضَاءِ صُوْرتهِ. أوَّلُهَا فَصَاحَةُ اللَّفْظِ، وَإِبْدَاعُ المَعْنَى؛ لأنَّ الشِّعْرَ لَفْظٌ وَمَعْنًى، فَاللَّفْظُ جِسْمُ الحَيَوَانِ، وَالمَعْنَى رُوْحُهُ وَنَفْسُهُ، وَفَصَاحَةُ اللَّفظِ نُعُوْمَةُ ذَلِكَ الجِسْمِ، وَحُسْنُ بَشَرَتِهِ، وَصفَاءُ لَؤْبهِ.
وَإِبْدَاعُ المَعْنَى شَرَفُ تِلْكَ النَّفْسُ، وَكَمَالُهُا وَزَهْوُهَا. وَكَمَا أنَّ الجِسْمَ بِغَيْرِ رُوْحٍ لَا يُوْجَدُ بِهِ حَرَكَة وَلَا عَقْلٌ، وَالرُّوْحَ بِغَيْرِ جِسْمٍ لَا يُدْرَكُ لَهَا مَلَكَةُ وَلَا فِعْلٌ، فَكذَلِكَ الشِّعْرُ، لَا يَصحُّ إلَّا بِاجْتِمَاع اللَّفْظِ وَالمَعْنَى فِيْهِ مِنْ غَيْرِ انْفِرَادِ أحَدهُمَا عَنِ الآخَرِ. وَإذَا كَانَتْ الفَصاحَةُ مُسَلَّمَةً إلَى العَرَبِ ---- مِنْ إبْدَاعِ المَعْنَى، وَجَزَالَةِ اللَفْظِ، وَالحِذْقِ بِصنَاعَةِ الشِّعْرِ -- حَقُّهُمْ، وَلَا يُنْكَرُ سَبْقُهُمْ. وَأنَا لَا أُسَلِّمُ إلَى المُتَقَدِّمِ إِذَا جَاءَ بِالرَّدِيْءِ مِن شِعْرِهِ لِتَقَدُّمِهِ، وَلَا أبْخَسُ المُتَأخِّرَ حَقَّ الفَضِيْلَةِ لِتَأخُّرِهِ اقْتِدَاءً بِالمئَلِ السَّائِرِ، المُنْجِدِ الغَائِرِ، المُحْكَمِ الأَوْصَافِ، الكَامِلِ العَدْلِ وَالإنْصَافِ، وَهُوَ قَوْلُ أمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ عَلِيّ بن أبِي طَالِبٍ ﵇: لَا تَنْظُرْ إلَى مَنْ قَالَ، وَانْظُرْ ما قال.
فَالفَصَاحَةُ فِي اللَّفْظِ كَالأَبْيَاتِ الَّتِي يَرْوِيْهَا النَّاسُ لِلفَرَزْدَقِ:
وَرَكْبٍ كَأنَّ الرِّيْحَ تَطْلُبُ عِنْدَهُمْلَهَا تِرَةً مِنْ جذْبِهَا بِالعَصَايِبِ
سَرَوا يَخْبِطُوْنَ اللَّيْلَ وَهْيَ تَلُفُّهُمْإلَى شُعَبِ الأكْوَارِ مِنْ كُلِّ جَانِبِ
إِذَا مَا اسْتَدَارُوا وِجْهَةَ الرِّيْحِ أعْصَفَتْتَصُكُّ وُجُوْهَ القَوْمِ بَيْنَ الرَّكَائِبِ
إِذَا أنِسُوا نَارًا يَقُوْلُوْنَ لَيْتَهَاوَقَدْ خَصرَتْ أيْدِيْهِمْ [نار غالب]
رَأُوا ضَوْءَ نَارٍ في يَفَاعٍ تَألَّفَتْيُؤَدِّي إِلَيْهَا لَيْلُهَا كُلَّ سَاغِبِ
تُشَبُّ لِمَقْرُوْرِيْنَ طَالَ سُرَاهُمُإِلَيْهَا وَقَدْ أصغَتْ تَوَالِي الكَوَاكِبِ
تَرَى نَسَبًا مِنْ صَادِرِيْنَ وَوُرَّدٍإِذَا رَاكِبٌ وَلَّى أنَاخَتْ بِرَاكِبِ
إلَى نَارِ ضَرَّابِ العَرَاقِيْبِ لَا يَنِيلَهُ مِنْ غِرَارَي سَيْفِهِ خَيْرُ طَالِبِ
تُدَرُّ لَهُ الأنْسَاءُ فِي لَيْلَةِ الصَّبَاوَتُمْرَى بِهِ اللَّبَّاتُ عِنْدَ التَّرَائِبِ
وَكَقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ:
ألم تعلمي ياميّ أنا وبيننافيافٍ لطرف العين فيهن مطرحُ
ذَكَرْتُكِ إذْ مَرَّتْ بِنَا أُمُّ شَادِنٍأمَامَ المَطَايَا تَشْرَئِبُّ وَتَسْنَحُ
مِنَ المُؤْلفَاتِ الرَّمْلِ أدْمَاءُ حُرَّةٌشُعَاعُ الضُّحَى فِي مَتْنِهَا يَتَوَضَّحُ
............ صَحْبُهَالنَا وَسَوَادُ اللَّيْلِ قَدْ كَادَ يَجْنَحُ
................ندَى الطَّلِّ إلَّا أنَّهُ أَمْلَحُ
كأنَّ خُزَامى عَالجٍ في ثيابهابُعَيْدَ الكَرَى أَوْ فَارَ مِسْكٍ تُذْبَّحُ
أبيْتُ على مِثْلِ الأَثَافِي وَبَعْلَهَايَبِيْتُ على مِثْلِ النَّقَا يَتَبَطَّحُ
وَهَذَا النَّمَطُ كَثِيْرٌ في أشْعَارِ الفُصحَاءِ المُجَوِّدِيْنَ مِنَ المُتَقَدِّمِيْنَ وَالمُتَأخِّرِيْنَ، فَلْنَرْجِع الآنَ إلَى مَا كُنَّا اشْتَرَطْنَاهُ مِنَ الاختِصَارِ، وَاجْتِنَابِ الإسْهَابِ وَالإكْثَارِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع