تجاوز إلى المحتوى

من «الدر الفريد وبيت القصيد» لمحمد بن أيدمر المستعصمي (ت ٧١٠هـ)

أَمَّا صِدْقُ التَّشبِيْهِ

فَإنَّهُ نِهَايَةُ حِذْقِ الشَّاعِرِ، وَالعَقَبَةُ الَّتِي إِنْ جَاَزَهَا، لَحِقَ بِالمُجِيْدِيْنَ، وَإِنْ قَصَّرَ عَنْهَا، تَخَلَّفَ بِالكَثيْرِ مِنَ المُقَصِّرِيْنَ؛ لأنَّ كَافَ التَّشْبِيْهِ يَسْهُلُ اسْتِلَابُهَا فِي اللَّفْظِ عَلَى الشَّاعِرِ. فَإذَا طُوْلبَ بِرَدِّ الجَّوَابِ عَنْهَا، اسْتَصعَبَ ما اسْتَسْهَلَ وَهُنَالِكَ يُنْصَرُ أَوْ يُخْذلُ.

وَالتَّشْبِيْهُ عَلَى ضُرُوْبٍ:

فَمِنْهُ تَشْبِيْهُ العِيَانِ وَالتَّأمُّلِ، وَهُوَ أَن يُشَبَّهَ الشَّيْءُ بِالشَّيْءِ، فَيَكُوْنَ كَأنَّهُ هُوَ.

وَتَشْبِيْهُ الحِسِّ وَالتَّخَيُّلِ، وَهُوَ تَشْبِيهُ الشَّيْءُ بِالشَّيْءِ، فَيَكُوْنُ مَحْسُوْسًا شَبِيْهَهُ

بِالمَعْنَى، وَتَشْبِيْهُ التَّكْثيْرِ....

وَالتَّعْظِيْمِ، وَهُوَ أَنْ يُشَبَّهَ الشَّيْءُ بِالشَّيْءِ فَيَكُوْنَ شَبِيْهَهُ فِي الكَثْرَةِ وَالعِظَمِ،

فَتَشْبِيْهُ العيَانِ وَالتَّأَمُّلِ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:

كَأنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْبًا وَيَابِسًالَدَى وَكْرهَا العُنَّابُ وَالحَشَفُ البَالِي
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»

وَكَقَوْلِهِ أيْضًا:

كَأنَّ عُيُوْنَ الوَحْشِ حَوْلَ خِبَائِنَاوَأرْجُلَنَا الجَزعُ الَّذِي لَمْ يُثَقَّبِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «خليلي مرا بي على أم جندب»

وَكَقَوْلِ القَاضِي الأرَّجَانِيِّ:

وَإذَا بَكَى أبْصَرْتَ جَامِدَ دَمْعِهِفي الهدبِ منه كلؤلؤٍ في مِثْقَبِ

وَتَشْبِيْهُ الحسِّ وَالتَّخَيُّلِ، كَقَوْلِ مُحَمَّد بن يَزيْدَ بن مَسلمةَ بن عَبْدِ المَلِكِ بن مَرْوَان:

وَالجَدْيُ كالفَرَسِ الحِصانِ شَدَدْتَهُبِالسَّرْجِ إلا أنَّهُ لا يَصْهِلُ
للشاعر محمد بن يزيد الحصني المسلمي الأموي، اقرأ القصيدة

وَكَقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ يَصفُ طُلُوعَ الفَجْرِ:

وَقَدْ لَاحَ لِلسَّارِي الَّذِي كَمَنَ السُّرَىعَلَى أُخْرَيَاتِ اللَّيْلِ فَتْقٌ مُشَهَّرُ
كَمِثْلِ الحِصَانِ الأنْبَطِ البَطْنِ قَائِمًاتَمَايَلَ عَنْهُ الجُّلُّ وَاللَّوْنُ أشْقَرُ

وَتَشْبِيْهُ التَّكْثِيْرِ، كَقَوْلِ امْرِيءِ القَيْسِ يَصِفُ فَرَسًا:

لَهَا مَنْخِرٌ كَوِجَارِ الضِّبَاعِفَمِنْهُ تُرِيْحُ إِذَا تَنْبَهِرْ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «أحار بن عمرو كأني خمر»
لَهَا عُنُقٌ مِثْلُ جِذْعِ السَّحُوْقِجَاءَ بِهِ عَايِصٌ مُعْتَمِرْ
لَهَا حَافِرٌ مثل قعب الوَلِيْدِرُكِّبَ فِيْهِ وَظِيْفٌ عَجِرْ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «أحار بن عمرو كأني خمر»

وَكَقَوْلِ أبِي تَمَّامٍ:

كَالغَيْثِ إِنْ جِئْتهُ وَافَاكَ رَيِّقُهُوَإِنْ تَرَحَّلْتَ عَنْهُ كَانَ فِي الطَّلَبِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أبدت أسى أن رأتني مخلس القصب»

وَقَدْ اسْتَكْثَرَتِ الشُّعَرَاءُ مِنَ التَّشْبِيْهِ، وَتَفَنَّنَتْ بِأَلْفَاظِهَا وَقَرَائِحَهَا فِيْهِ، وَلَمْ يَخْلُ شِعْرٌ قَدِيْمٌ، وَلَا حَدِيْثٌ مِنْهُ، وَهَأنَا ذَاكِرٌ لُمعًا مِنْ مَحَاسِنِهِ الَّتِي وَقَعَ الإِجْمَاعُ عَلَى أنَّهَا أبْدَعُ مَا قِيْلَ فِيْهِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَالَ الأصْمَعِيُّ: اسْتَدْعَانِي الرَّشِيْدُ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي، وَقدْ انْصرَمَتْ قِطْعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ، فَرَاعَتْنِي رُسُلُهُ، وَلَمْ أفتأ أَنْ مَثَلْتُ بِحَضرَتِهِ، وَإذَا فِي المَجْلِسِ يَحْيَى بن خَالِدٍ، وَجَعْفَرٌ وَالفَضْلُ. فَلَمَّا لَحَظَنِي الرَّشِيْدُ، اسْتَدْنَانِي، فَدَنَوْتُ مِنْهُ، وَتَبَيَّنَ مَا لَبسَنِي مِنَ الوَجَلِ فَقَالَ: لِيُفْرِخْ رَوْعُكَ، فما أرَدْثُكَ إلَّا لِمَا يُرَادُ لَهُ مِثْلِكَ. فَمَكَثْتُ هُنَيْهَةً إلَى أَنْ ثَابَتْ إِلَيَّ نَفْسِي بَعْدَ أَنْ كَادَتْ تَطِيْرُ شَعَاعًا فَقَالَ: إنِّي نَازَعْتُ هَؤُلَاءِ، وَأوْمَأَ إلَى يَحْيَى وَجَعْفَرٍ وَالفَضلُ - قالت العَرَبُ فِي التَّشْبِيْهِ، وَلَمْ يَقَعْ إجْمَاعُنَا عَلَى بَيْتٍ يَكُونُ -- غَيْره، فَأرَدْنَاكَ لِفَصلِ هَذِهِ القَضيَّةِ وَاجْتِنَاءِ ثَمَرَة الخِطَارِ فِيْهَا. فَقُلْتُ: يا أمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ، إنَّ التَّعْيِيْنَ عَلَى بَيْتٍ وَاحِدٍ فِي نَوْعٍ قَدْ تَوَسَّعَتْ فِيْهِ

العَرَبُ الشُّعَرَاءُ وَنَصبَتْهُ مَعْلَمًا لأَفْكَارِهَا، وَمَسْرَحًا لِخَوَاطِرِهَا لَبَعِيْدٌ أَنْ يَقَعَ النَّصُّ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ أحْسَنُ النَّاسِ تَشْبِيْهًا امْرُؤُ القَيْسِ قال: فِيْمَ قُلْتُ في قَوْلِهِ:

كَأنَّ عُيُوْنَ الوَحْشِ حول خبائنا.... البَيْتُ

وَقَوْلِهِ:

كَأنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْبًا وَيَابِسًا

وَقَوْلِهِ:

سَمَوْتُ لَهَا مِنْ بَعْدِ مَا نَامَ أهْلُهَاسُمُوَّ حَبَابِ المَاءِ حَالًا عَلَى حَالِ

قَالَ: فَالْتَفَتَ إلَى يَحْيَى، فَقَالَ هَذِهِ وَاحِدَةٌ، قَدْ نَصَّ عَلَى أنَّ امْرَئ القَيْسِ أبْرَعُ النَّاسِ تَشْبيْهًا. فَقَالَ يَحْيَى: هِيَ لَكَ يا أمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ. ثُمَّ قَالَ لِي الرَّشِيْدُ: فَمَا أبْرَعُ تَشْبِيْهَاتِهِ عِنْدَكَ؟، قُلتُ: قَوْلهُ يَصفُ فَرَسًا:

كَأَنَّ تَشَوُّفَهُ بِالضُحَىتَشَوُّفُ أزْرَقَ ذِي مخْلَبِ
إِذَا بُزَّ عَنْهُ جِلَالٌ لَهُتَقُوْلُ سَلِيْبٌ وَلَمْ يُسْلَبِ

فَقَالَ الرَّشِيْدُ: هَذَا حَسَنٌ وَأحْسَنُ مِنْهُ قَوْلُهُ:

فَرُحْنَا بِكَآبِنِ المَاءِ يُجنَبُ وَسْطَنَاتَصَعَّدُ فِيْهِ العَيْنُ طُوْرًا وَتَرْتَقِي

فَقَالَ جَعْفَرٌ: يَا أمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ، مَا هَذَا هُوَ التَّحْكِيْمُ. فَقَالَ الرَّشِيْدُ فَكَيْفَ؟ قَالَ: يَذْكُرُ أمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ مَا كَانَ اخْتِيَارُهُ وَقَعَ عَلَيْهِ وَنَذْكُرُ مَا اخْتَرْنَاهُ وَيَكُوْنُ الحُكْمُ وَاقِعًا مِنْ بَعْدُ. فَقَالَ الرَّشِيْدُ: أمرَضتَ؟ قَالَ الأصمَعِيُّ: فَاسْتَحْسَنتهَا. فَقَالَ الرَّشِيْدُ: بَلْ يَبْدَأُ يَحْيَى. فَقَالَ يَحْيَى: أشْعَرُ النَّاسِ تَشْبِيْهًا النَّابِغَةُ فِي قَوْلهِ:

نَظَرَتْ إِلَيْكَ بِحَاجَةٍ لَمْ تَقْضهَانَظَرَ المَرِيْضِ إلَى وُجُوْهِ العُوَّدِ
للشاعر موسى بن حسين بن شوال، اقرأ القصيدة

وَفِي قَوْلهِ:

فَإنَّكَ كَاللَّيْلِ الَّذِي هُوَ مُدْرِكِيوَإِنْ خِلْتُ أنَّ المُنْتَأَى عَنْكَ واسِعُ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «عفا ذو حساً من فرتنى فالفوارع»

وَفِي قَوْلِهِ:

مِنْ وَحْشِ وَجْرَةَ مَوْشِيٌّ أَكَارِعُهُطَاوِي المَصيْرِ كَسَيْفِ الصَّيْقَلِ الفَردِ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «يا دار مية بالعلياء فالسند»

قَالَ الأَصْمَعِيُّ: فَقُلْتُ: أمَّا تَشْبيْهُهُ مَرَضَ الطَرْفِ، فَحَسَنٌ إلَّا أنَّهُ قَدْ هَجَّنَهُ بِذِكْرِ العِلَّةِ، وَتَشْبِيْهِ المَرْأةِ بِالعَلْيِلِ، وَأحْسَنُ مِنْهُ قَوْلُ عَدِّيِ بن الرّقَاعِ:

وَكَأنَّهَا بَيْنَ النِّسَاءِ أعَارَهَاعَيْنَيْهِ أحْوَرُ مِنْ جَآذِرِ جَاسِمِ
وَسْنَانُ أقْصَدَهُ النُّعَاسُ فَرَنَّقَتْفِي عَيْنهِ سِنَةٌ وَلَيْسَ بِنَائِمِ
للشاعر عدي بن الرقاع، من قصيدة «ألمم على طلل عفا متقادم»

وَأمَّا تَشْبيْهُ الإِدْرَاكِ بِاللَّيْلِ، فَقَدْ تَسَاوَى اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ فِيْمَا يُدْرِكَانِهِ. وَإِنَّمَا كَانَ مِنْ سَبيْلِهِ أَن يَأتِي بِمَا لَيْسَ لَهُ قَسِيْمٌ حَتَّى يَأْتِيَ بِمَعْنى يَنْفَرِدُ بِهِ وَلَو شَاءَ قائل أن يقول: إن قولَ النميري فِي هَذَا المَعْنَى أحْسَنُ لَوَجَدَ مَسَاغًا إلَى ذَلِكَ حَيْثُ يقول:

فَلَوْ كنتُ بالعَنْقَاء أو بِيَسُومِهالَخِلْتُكَ إلَّا أنَّ تَصُدَّ تَرَانِي

وَأمَا قَوْلِهِ:

طَاوِي المَصِيْرِ كَسَيْفِ الصَّقَيْلِ الفَردِ

فَالطِّرِمَاحُ أحَقُّ بِهَذَا المَعْنَى، لأنَّهُ أخَذَهُ فَجَوَّدَهُ، وَزَادَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ النَّابِغَةُ افْتَرَعَهُ وَهُوَ:

يَبْدُو وَتُضمِرُهُ البِلَادُ كَأنَّهُسَيْفٌ عَلَى شَرَفٍ يُسَلُّ وَيُغْمَدُ
للشاعر الطرماح، من قصيدة «بان الخليط بسحرة فتبددوا»

فَقَدْ جَمَعَ فِي هَذَا البَيْتِ اسْتِعَارَةً لَطِيْفَةً بِقَوْلهِ: وَتُضمِرُهُ، وَتَشْبيْهَ اثنيْنِ بِاثنيْنِ يَبْدُو وَيَخْفَى، وَيُسَلُّ وَيُغْمَدُ، وَجَمَعَ حُسْنَ التَّقْسِيْمِ، وَصحَّةَ المُقَابلَةِ.

قَالَ الأَصمَعِيُّ: فَاسْتَبْشَرَ الرَّشِيْدُ، وَبَرَقَتْ أسَارِيْرُ وَجْهِهِ حَتَّى خِلْتُ بَرْقًا يُوْمِضُ مِنْهَا، وَقَالَ لِيَحْيَى: نَضَلْتُكَ وَرَبِّ الكَعْبَةِ، وَامْتُقعَ لَوْنُهُ فَكَأَنَّ الرَّمَادَ ذُرَّ عَلَى

وَجْهِهِ، فَقَالَ الفَضْلُ: لَا تَعْجَلَ يا أمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ حَتَّى أُمِرَّ مَا قُلْتُهُ بَسَمْعِهِ، فَقَالَ: قُلْ. فَقَالَ الفَضْلُ: أَحْسَنُ النَّاسِ عِنْدِي تَشْبِيْهًا طَرَفَةُ فِي قَوْلِهِ:

يَشُقُّ حَبَابَ المَاءِ حَيزُوْمُهَا بِهَاكَمَا قَسَمَ التُّربَ المُفَايِلُ بِاليَدِ
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «لخولة أطلال ببرقة ثهمد»

وَفِي قَوْلِهِ:

وَوَجْهٍ كَأَنَّ الشَّمْسَ حَلَّتْ ردَاءهَاعَلَيْهِ نَقِيِّ اللَّوْنِ لَمْ يَتَخَدَّدِ

وَفِي قَوْلِهِ:

لَعَمْرُكَ إِنَّ المَوْتَ مَا أخطَأَ الفَتَىلَكالطُّوَلِ المُرخَى وَثِنْيَاهُ بِاليَدِ
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «لخولة أطلال ببرقة ثهمد»

قَالَ الأَصمَعِيُّ: فَقُلْتُ هَذَا كُلُّهُ حَسَنٌ، وَغَيْرُهُ أحْسَنُ مِنْهُ، وَقَدْ شَرِكهُ فِي هَذَا المَعْنَى جَمَاعَةٌ مِنَ الشُّعَرَاءِ. وَبَعْدُ فَطَرَفهُ صَاحِبُ وَاحِدَةٍ لَا يُقْطَعُ بِقَوْلِهِ عَلَى التَّجَوُّزِ، وَإِنَّمَا يُعَدُّ مِنْ أَصْحَابِ الوَاحِدَةِ. قَالَ: وَمَنْ أَصْحَابُ الوَاحِدَةِ؟

قُلْتُ: الحَارَثُ بن حِلِّزَةَ فِي قَوْلِهِ:

آذَنَتْنَا بِبَيْنِها أسْمَاءُربّ ثاوٍ يملُّ منه الثواءُ
للشاعر الحارث بن حلزة، من قصيدة «آذنتنا ببينها أسماء»

وَالأسْعَرُ الجُعْفِيُّ فِي قَصِيْدَتِهِ الَّتِي أوَّلُهَا:

هَلْ بَانَ قَلْبُكَ مِنْ سُلَيْمَى فَاشْتَفَىوَلَقَدْ غَنِيْتَ بِحُبِّهَا فِيْمَا مَضَى
للشاعر الأسعر الجعفي، من قصيدة «هل بان قلبك من سليمى فاشتفى»

وَالأفْوَهُ الأوْدِيُ فِي قَوْلِهِ:

إِنْ تَرَى رَأسِي فِيْهِ قَرَعٌوَشَوَاتِي خَلَّةٌ فِيْهَا دَوَارُ

وَعَلْقَمَةُ بن عَبَدَةَ فِي قَوْلِهِ:

طَحَا بِكَ قَلْبٌ فِي الحِسَانِ طَرُوْبُبُعَيد الشباب عصر حان مَشيبُ
للشاعر علقمة الفحل، من قصيدة «طحا بك قلب في الحسان طروب»

وَسُوَيْدُ بنُ أبِي كَاهِلٍ فِي قَوْلِهِ:

بَسَطَتْ رَابِعَةُ الحَبْلَ لنَافَوَصَلْنَا الحَبْلَ مِنْهَا فَاتَّسَعْ
للشاعر سويد بن أبي كاهل اليشكري، اقرأ القصيدة

وَعَمْرُو بن كُلْثُومٍ فِي قَوْلِهِ:

ألَا هُبِّي بِصَحْنِكِ فَاصْبَحِيْنَاولا تبقي خمور الأندرينَا
للشاعر عمرو بن كلثوم، من قصيدة «ألا هبي بصحنك فاصبحينا»

وَعَمْرُ بنُ مَعْدِيْكَرِبَ فِي قَوْلِهِ:

أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيْعِيُؤَرِّقُنِي وَأصْحَابِي هُجُوْعُ
للشاعر عمرو بن كلثوم، من قصيدة «أمن ريحانة الداعي السميع»

قَالَ: فَاستَحَقَّتْ الرَّشِيْدَ الأرْيَحِيَّةُ، وَقَالَ: ادْنُهُ، فَإنَّكَ جَحِيْشُ وَحْدِكَ.

قَالَ: فَزَادَ فِي عَيْنِي نُبْلًا. قَالَ جَعْفَرُ مُتَمَثِّلًا:

لَبِّثْ قَلِيْلًا يَلْحَقِ الهَيْجَا حَمَل

يُعَرِّضُ بِأنَّهُ قَدْ يَجُوْزُ أَنْ يُدْرِكَ هُوَ مَا يُحَاوِلُهُ.

قَالَ الرَّشِيْدُ: فَاتَتْكَ وَاللَّهِ السَّوَابِقُ وَجِيْبَ كيْتًا ذَا رَوَايِلَ أرْبَعِ.

قَالَ: وَرَأَيْتُ الحَمِيَّةَ فِي وَجْهِهِ. فَقَالَ جَعْفَرٌ عَلَى - حِلْمِكَ يا أمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ. قَالَ: أَفَتَرَاهُ يَسَعُ غَيْرَكَ ويَضِيقُ عَنْكَ؟ قَالَ: جَعْفَرُ: لَمسْتُ أنُصُّ عَلَى شَاعِرٍ وَاحِدٍ أنَّهُ أحْسَنُ بَيْتًا وَاحِدًا تَشْبِيْهًا، وَلَكِنْ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:

كَأَنَّ غُلَامِي إذ عَلَا حَالَ مَتْنِهِعَلَى ظَهْرِ بَازٍ فِي السَّمَاءِ مُحَلِّقِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا انعم صباحا أيها الربع وانطق»

وَقَوْلُ عَدِيِّ بن الرِّقَاعِ:

يَتَعَاوَرَانِ مِنَ الغُبَارِ مُلَاءةًغَبْرَاءَ مُلْحِمَةً هُمَا نَسَجَاهَا
تُطْوَى إِذَا وَرَدَا مَكَانًا جَاسِيًافَإِذَا السَّنَابِكُ أسْهَلَتْ نَشَرَاهَا

وَقَوْلُ النَّابِغَةِ:

فَإِنَّكَ شَمْسٌ وَالمُلُوكُ كَوَاكِبٌإِذَا طَلَعَتْ لَمْ يَبْدُ مِنْهُنَّ كَوْكَبُ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أتاني أبيت اللعن أنك لمتني»

قَالَ الأَصمَعِيُّ: فَقُلْتُ: هَذَا كُلُّهُ حَسَنٌ بَارِعٌ، وَغَيْرُهُ أبْرَعُ مِنْهُ، وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ أَنْ يَقَعَ التَّعْيِيْنُ عَلَى مَا افْتَرَعَهُ قائِلُهُ، فلم يَتَعَرَّضَ لَهُ أَوْ تَعَرَّضَ لهُ شَاعِرٌ بَعْدَهُ فوقع دونه، فَأمَّا قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:

عَلَى ظَهْرِ بَازٍ فِي السَّماءِ مُحَلِّقِ

فَمِنْ قَوْلِ أبِي دُوَادٍ:

إِذَا شَاءَ رَاكِبُهُ ضمَّهُكَمَا ضمَّ بَازٌ إِلَيْهِ الجَنَاحَا

وَأمَّا قَوْلُ عَدِيِّ:

يَتَعَاوَرَانِ مِنَ الغُبَارِ مُلَاءةً

فَمِنْ قَوْلِ الخَنْسَاءِ:

جَارَى أبَاهُ فَأقْبَلَا وَهُمَايَتَعَاوَرَانِ مُلَاءةَ الحُضْرِ
للشاعر الخنساء، من قصيدة «جارى أباه فأقبلا وهما»

وَأَوَّلُ مَنْ نَطَقَ بِهَذَا المَعْنَى شَاعِرٌ جَاهِلِيٌّ قَدِيْمٌ عُقَيْلِيٌّ فَقَالَ:

ألَا يَا دِيَارَ الحَيِّ بِالبَرَدَانِعَفَتْ حِجَجُ بَعْدِي لَهُنَّ ثَمَانِ
للشاعر عَميرَة بن جُعَل التغلبي، اقرأ القصيدة
فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ غَيْرُ نُؤْيٍ مُهَدَّمٍوَغَيْرُ أثَافٍ كَالرَّكِيِّ دِفَانِ
وَآثَارُ هَابٍ أوْرَقَ اللَّوْنِ سَافَرَتْبِهِ الرِّيْحُ وَالأَمْطَارُ كُلَّ مَكَانِ
قِفَارٍ مَرُوْرَاتٍ يَحَارُ بِهَا القَطَاوَيُضْحِي بِهَا الجَاآنِ يعتركانِ
يُثِيْرَانِ مِنْ نَسجِ العَجَاجِ عَلَيْهِمَاقَمِيْصَيْنِ أَسْمَالًا ويرتديانِ

وَقَدْ شَارَكَ عَدِيًّا أَبُو النَّجْمِ، وَأوْرَدَهُ فِي أخْصَرِ لَفْظِ، فَقَالَ يَصِفُ عَيْرًا أَوْ أتَانًا، وَمَا أثَارَاهُ مِنْ عَدْوِهِمَا:

أَلْقَى بِجَنْبِ القَاعِ مِنْ حِيَالِهَاسِرْبَالَهُ وَانْشَامَ فِي سِرْبَالِهَا

وَأمَّا قَوْلُ النَّابِغَةِ:

فَإِنَّكَ شَمْسٌ...

فَقَدْ تَقَدَّمَهُ شَاعِرٌ قَدِيمٌ مِنْ شُعَرَاءِ كِنْدَةَ يَمْدَحُ عَمْرَو بنَ هِنْدٍ، وَهُوَ أحَقُّ بِهِ مِنَ النَّابِغَةِ؛ إِذْ كَانَ أَبَا عُذْرِهِ وَهُوَ:

تَكَادُ تَمِيْدُ الأَرْضُ بِالنَّاسِ أنْ رَأوالَعَمْرِو بن هِنْدٍ غَضْبَةً وَهُوَ عَاتِبُ
هُوَ الشَّمْسُ وَافَتْ يومَ سَعْدٍ فَأَفْضَلَتْعَلَى كُلِّ ضَوْءٍ والمُلُوْكُ كَوَاكِبُ

قَالَ الأَصمَعِيُّ: فَكَأنَيّ وَاللَّهِ أَلقَمْتُ جَعْفَرًا حَجَرًا، وَاهْتَزَّ الرَّشِيْدُ مِنْ فَوْقِ سَرِيْرِهِ أشَرًا، وَكادَ يَطِيْرُ عُجْبًا وَطَرَبًا، وَقَالَ: للَّهِ دَرُّكَ يا أصمَعِيُّ اسْمَعِ الآنَ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اختياري. قُلْتُ: لِيَقُلْ أمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ أحْسَنُ اللَّهُ تَوْفِيْقَهُ.

فَقَالَ: عَيَّنْتُ عَلَى ثَلَاثَةِ أشْعَارٍ، أُقْسِم بِاللَّهِ إنَّنِي أمْلِكُ قَصَبَ السَّبْقِ بِأحَدِهَا.

فَقَالَ يَحْيَى: خَفِّضْ عَلَى هِمَّتِكَ يا أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ، فَأبَى اللَّهُ أَنْ يَكُونَ السَّبْقُ إلَّا لَكَ. قَالَ الرَّشِيْدُ: أتَعْرِفُ يا أصمَعِيُّ تَشْبيْهًا أفْخَمَ وَأعْظَمَ فِي أحْقَرَ مُشَبَّهٍ وَأصْغَرَ بَرَزَ فِي أحْسَنِ معْرَضٍ مِنْ قَوْلِ عَنْترَةَ الَّذِي لَمْ يَسْبِقهُ إِلَيْهِ سَابِقٌ، وَلَا نَازَعَهُ بَعْدَهُ مُنَازعٌ، وَلَا طَمعَ فِي مُجَارَاتِهِ فِيْهِ طَامِع، شَبَّهَ ذُبَابَ الرَّوْضِ العَازِبَ فِي قَولِهِ:

وَخَلَا الذُّبَابُ بِهَا فَلَيْسَ بِبَارِحٍغَرِدًا كَفِعْلِ الشَّارِبِ المُتَرَنِّمِ
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «هل غادر الشعراء من متردم»
هَزِجًا يَحُكُّ ذِرَاعَهُ بِذِرَاعِهِقَدْحَ المُكِبِّ عَلَى الزِّنَادِ الأجْذَمِ
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «هل غادر الشعراء من متردم»

ثُمَّ قَالَ: يا أصْمَعِيُّ هَذَا مِنَ التَّشْبِيْهَاتِ العُقْمِ الَّتِي لَا تُنْتَهَج.

قُلْتُ: هُوَ كَذَلِكَ يا أمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ. وَبِمَجْدِكَ آلَيْتُ مَا سَمِعْتُ أَحَدًا وَصَفَ شِعْرًا أحْسَنَ مِنْ هَذِهِ الصِّفَةِ، وَلَا استَطَاعَ بُلُوْغَ هَذِهِ الغَايَةِ.

قَالَ: مَهْلًا لَا تَعْجَل أتَعْرِفُ أحْسَنَ مِنْ قَوْلِ الحُطَيْئَةِ يَصِفُ لُغَامَ نَاقَتِهِ، أَوْ تَعْلَمُ أحَدًا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ شَبَّهَ تَشْبِيْهَهُ حَيْثُ يَقُوْلُ:

تَرَى بَيْنَ لَحْيَيْهَا إِذَا مَا تَزَغَّمَتْلُغَامًا كَبَيْتِ العَنْكَبُوْتِ المُمَدَّدِ
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «آثرت إدلاجي على ليل حرة»

فَقُلْتُ: لَا وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ أحَدًا تَقَدَّمَهُ، أَوْ أَشَارَ إلَى هَذَا التَّشْبِيْهِ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ.

قَالَ: أتَعْرفُ أبْدَعَ أَوْ أوْقَعَ مِنْ تَشْبِيْهِ الشَّمَّاخِ لِنَعَامَةٍ سَقَطَ رِيْشُهَا، وَبَقِيَ أثَرَهُ فِي قَوْلِهِ:

كَأَنَّمَا مُنْثَنَى أقْمَاعِ ما مَرَطَتْمِنَ العِفَاءِ بِلِيتَيْهَا ثَآلِيلُ
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «بانت سعاد فنوم العين مملول»

فَقُلْتُ: لَا وَاللَّهِ.

فَالْتَفَتَ إلَى يَحْيَى فَقَالَ: أوجِب.

قَالَ: وَجَبَ.

قَالَ: أَفَأَزِيْدُكَ؟

قَالَ: وَأَيُّ خَيْرٍ لَمْ يَزِدْنِي مِنْهُ أمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ؟ قَالَ: قَوْلُ النَّابِغَةِ:

رَمَى ضَرْعَ نَابُ واسْتَقَلَّتْ بِطَعْنَةٍكَحَاشِيَةِ البُرْدِ اليَمَانِي المُسَهَّمِ

تُمَّ التفَتَ إلَى الفَضْلِ، فقال: أوجِب؟

قَالَ: وَجَبَ.

قَالَ: أَفَأَزِيْدُكَ؟

قَالَ: ذَاكَ إلَى أمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ.

قَالَ: وقالَ الأَعْرَابِيُّ:

بِهَا ضرْبُ أنْدَابِ العَطَايَا كَأنَّهَامَلَاعِبُ وِلْدَانٍ تُحَطُّ وَتُمْصَعُ

ثُمَّ التفَتَ إلَى جَعْفَرٍ قَالَ: أوْجِبْ.

قَالَ: وَجَبَ:

قَالَ: أَفَأَزِيْدُكَ؟

قَالَ: لأمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ عُلُوُّ الرَّأي.

قَالَ: قَوْلُ عَدِيِّ بن الرِّقَاعِ:

تُزْجِي أغَنَّ كَأَنَّ إبْرَةَ رَوْقِهِقَلَمٌ أَصَابَ مِنَ الدَّوَاةِ مِدَادَهَا
للشاعر عدي بن الرقاع، من قصيدة «عرف الديار توهما فاعتادها»

قَالَ الأَصْمَعِيُّ: يا أمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ هَذَا بَيْتٌ حَسَدَ عَدِيًّا عَلَيْهِ جَرِيْرٌ. قال: وَكِيْفَ ذَاكَ؟، قَالَ: زَعَمَ أَبُو عَمْرٍو أنَّ جَرِيْرًا قَالَ لَمَّا ابْتَدَأَ عَدِيُّ بن الرِّقَاعِ يُنشِد:

عَرَفَ الدِّيَارَ تَوَهُّمًا فَاعْتَادَهَا

قُلْتُ فِي نَفْسِي: قَدْ رَكِبَ مَرْكَبًا صَعْبًا سَيُبْدِعُ فِيْهِ، فَمَا زَالَ يَتَخَلَّصُ مِنْ حَسَنٍ إلَى حَسَنٍ حَتَّى قَالَ:

تُزْجِي أغَنَّ كَأنَ إبْرَةَ رَوْقِهِ.

قَالَ: فَرَحِمْتُهُ، وَظنَنْتُ أنَّ مَادَّتَهُ سَتَقْصُرُ بِهِ فَلَمَّا قَالَ:

قَلَمٌ أصَابَ مِنَ الدَّوَاةِ مِدَادَهَا

حَالَتْ الرَّحْمَةُ حَسَدًا.

فَقَالَ الرَّشِيْدُ: للَّهِ دَرُّكَ يا أصمَعِيُّ، ثُمَّ أطْرَقَ، وَرَفَعَ رَأسَهُ وَقَالَ: أتُرَاكَ

تَغْبنُنِي عَقْلِي بِانْحِطَاطِكَ فِي هَوَايَ؟ فَقُلْتُ: كَلَّا يا أمِيرَ المُؤْمِنِيْنَ إنَّكَ لتَجِلُّ عَنِ الحَرشِ. قَالَ: انْظُرْ حَسَنًا. قُلْتُ: قَدْ نَظَرْتُ. قَالَ: السَّبْقُ لِمَنْ؟ قُلْتُ: لأمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ. قَالَ: أسْهَمْتُ لَكَ فِيْهِ العُشْرَ وَالعُشْرُ كَثِيْرٌ، ثُمَّ رَمَى بِطَرْفِهِ إلَى

يَحْيَى، وَقَالَ: المَالَ السَّاعَةَ، وَأَوْلَى لَكَ. قَالَ: فَمَا كَانَ إِلَّا هُنَيْهَةً حَتَّى نُضِّدَتْ البُدُوْرُ بَيْنَ يَدَيْهِ إلَى أَنْ كَادَتْ تَحُوْلَ بَيْني وَبَيْنَهُ، وَرَأَيْتُ ضَوْءَ الصبْحِ قَدْ

غَلَبَ عَلَى ضَوْءِ الشَّمْعِ، فَأَشَارَ إِلَى خَادِمٍ عَلَى رَأسِهِ أَنْ مَكِّنْهُ، وَقَالَ: هِيَ ثَلَاثَةُ آلَافِ ألْفِ دِرْهَمٍ، فَدُوْنَكَ فَاحْتَمِلْ ثَلَاثِيْنَ - وَانْصَرِفْ بِهَا إِلَى مَنْزِلِكَ، وَنَهَضَ مِنْ مَجْلِسِهِ، وَأمَرَ الخَدَمِ بِمُعَاوِنَتِي عَلَى - حَمْلِهِ فَاحْتَمَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَدْرَةً لَا يَكَادُ يُقِلُّهَا، فَكَانَتْ أَسْعَدَ ليْلَةٍ ابْتَسَمَ الصَّبَاحُ فِيْهَا عَنْ نَاجِذِ الغِنَى.

أخْبَرَ أَبُو عُمَرَ عَنْ ثَعْلَبٍ عَنِ أبِي نَصرٍ عَنِ الأَصْمَعِيِّ. قَالَ: أجْمَعَ أَبُو عَمْرُو بن العَلَاءِ وَخَلَفٌ الأحْمَرُ وَيُوْنسٌ، وَهَؤُلَاءِ أهْلُ العِلْمِ بِالشِّعْرِ، عَلَى أنَّ التَّشْبِيْهَاتِ العُقْمَ الَّتِي انْفَرَدَ بِهَا أصحَابُهَا، وَلَمْ يَشرِكهُم أحْدٌ فِيْهَا مِمَّنْ تَقَدَّمَ وَلَا مِمَّنْ تأخَّرَ أَبْيَاتٌ مَعْدُوْدَةٌ أحَدُهَا قَوْلُ عَنْتَرَةَ فِي تَشْبِيْهِ حَنَكِ الغُرَابِ:

ظَعَنَ الَّذِينَ فرَاقَهُمْ أتَوَقَّعُوَجَرَى بِبَيْنِهمُ الغُرَابُ الأَبْقَعُ
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «ظعن الذين فراقهم أتوقع»
خَرِقُ الجَنَاحِ كَأَنَّ لَحْيَيْ رَأسِهِجَلْمَانُ بِالأَخْبَارِ هَشٌّ مُوْلَعُ
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «ظعنَ الذينَ فراقهم أتوقعُ»

وَقَوْلُ عَدِيّ بن الرِّقَاعِ فِي تَشْبِيْهِ قَرْنِ الظَّبْي:

تُزْجِي أغَنَّ كَأَنَّ إبْرَةَ رَوْقِهِ

وَقَوْلُ الرَّاعِي يَصِفُ قَانِصًا جَعْدَ الرَّأسِ، وَسِخَ الثِّيَابِ:

وَكَأنَّ فَرْوَةَ رَأسِهِ مِنْ شَعْرِهِزُرِعَتْ فَأَنْبَتَ جَانِبَاهَا فُلْفُلَا

وَقَوْلُ بِشْرِ بن أبِي خَازِمٍ يُشَبِّهُ عُرُوْقَ الأَرْطَى إِذَا حَفَرَ أصْلَهُ الثَّوْرُ بِأظْلَافِهِ:

يُثِيْرُ وَيُبْدِي عَنْ عُرُوقٍ كَأنَّهَاأعِنَّةُ خَرَّازٍ تُخَطُّ وَتُبْشَرُ
للشاعر بشر بن أبي خازم، من قصيدة «أليلى على شحط المزار تذكر»

وَقَوْلُ الطِّرِمَّاحُ فِي وَصْفِ النَّعَامِ:

مُجْتَابُ شَمْلَةِ بُرْجُدٍ لِسَرَاتِهِقَدَرًا وَأَسْلَمَ مَا سِوَاهُ البُرْجُدُ
للشاعر الطرماح، من قصيدة «بان الخليط بسحرة فتبددوا»

وَقَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ فِي تَشْبِيْهِ اللَّيْلِ، وَلَمْ يَقلْ أحَدٌ فِي هَذَا المَعْنَى قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلُهُ؛ لأنَّهُمْ قَدْ شَبَّهُوا اللَّيْلَ بِالطَّيْلَسَانِ فِي خُضْرَتهِ، وَأمْوَاجِ البَحْرِ وَغَيْرَ ذَلِكَ:

وَلَيْلٍ كَجِلْبَابِ العَرُوْسِ ادَّرَعْتُهُبِأرْبَعَةٍ وَالشَّخْصُ فِي العَيْنِ وَاحِدِ
أجَمُّ عِلَافِيٌّ وَأبْيَضُ صَارِمٌوَأعْيَسُ مَهْرِيٌّ وَأرْوَعُ مَاجِدُ

وَقَوْلُ مُضَرِّسِ بن رِبْعِيٍّ فِي صِفَةِ النَّعَامَةِ أيْضًا:

صَفراءُ عارَيةُ الأَكَارِعِ رَأسُهَامِثْلُ المُدَقِّ وَرَأسُهُ كَالمِسْرَدِ

قَالَ الأَصْمَعِيُّ: وَمِنَ التَّشْبِيْهَاتِ الَّتِي سَبَقَ بِهَا قَائِلُوْهَا وَقَصَّرَ عَنْهَا طَالِبُوْهَا وَلَمْ يَتَعَرَّض لَهَا أحَدٌ مِنَ الشُّعَرَاءِ قَوْلُ النَّابِغَةِ يَصِفُ العِقْبَانَ:

تَرَاهُنَّ خَلْفَ القَوْمِ زُوْرًا عُيُونُهَاجُلُوْسَ الشُّيُوْخِ فِي مُسُوْكِ الأرَانِبِ

وَقَوْلُ عَبْدُ اللَّهِ بن الزّبَيْرِ الأَسَدِيِّ فِي تَشْبِيْهِ رَأسِ القَطَاةِ بِالجَوْزَةِ:

تُقَلِّبُ لِلإِصْغَاءِ رَأسًا كَأنَّهُيَتِيْمَةُ جَوْزٍ أعْبَرَتْهَا المَكَاسِرُ
للشاعر عبد الله بن الزبير الأسدي، اقرأ القصيدة

وَمِنَ التَّشْبِيْهِ المُسْتَحْسَنِ قَوْلُ......

الشَّمَاخِ:

رَأَيْتُ وَقَدْ أَتَى نَجْرَانُ دُوْنِيوَلَيْلَى دُوْنَ مَنْزِلهَا السَّدِيْرُ
لِلَيْلَى بِالعُنَيْزَةِ ضوْءَ نَارٍتَلُوْحُ كَأنَّهَا الشِّعْرَى العَبُوْرُ
إِذَا مَا قُلْتُ أخَمَدَهَا زَهَاهَاسَوَادُ اللَّيْلِ وَالرِّيْحُ الدَّبُورُ

وَأَنَا أَقُوْلُ: أحْسَنُ مَا سَمِعْتُهُ فِي التَّشْبِيْهِ مَا رَوَاهُ أَبُو عُمَرَ بنُ سَعْدٍ الكَاتِبُ عَنْ ثَعْلَبٍ عَنْ السِّدْرِيِّ عَنِ ابنِ عَائِشَةَ لِلسَّيِّدِ الحِمْيَرِيِّ. وَلَا أعْلَمُ أحَدًا شَبَّهَ رَجُلًا بِريْحِ عَادٍ إلَّا هُوَ؛ فَإنَّهُ ابْتَدَعَ مِنْ هَذَا المَعْنَى مَا لَمْ يَتَقَدَّمَهُ إِلَيْهِ شَاعِرٌ وَلَا يِقُوْمُ بَعْدَهُ آخِذٌ، فَقَالَ يَمْدَحُ أمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ عَلِيّ بنِ أَبي طَالِبٍ ﵇:

لَكِنْ أَبُو حَسَنٍ وَاللَّهُ أيَّدَهُقَدْ كَانَ عِنْدَ اللِّقَا لِلطَّعْنِ مُعْتَادَا
إِذَا رَأَى مَعْشَرًا حَربًا أنَامَهُمُإنَامَةَ الرِّيْحِ فِي إتْيَانِهَا عَادَا

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من مقدمة المؤلف

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.