تجاوز إلى المحتوى

من «البلدان» لابن الفقيه الهمذاني (ت نحو ٣٤٠هـ)

ذم أهل البصرة

قال كعب لأبي مسلم: من أين أنت؟ قال: من أهل العراق. قال: من أيها؟

قال: من أهل البصرة. قال: إذا رأيت نخلها قد أطعم فاخرج منها. قال: فإن لم أستطع ذاك؟ قال: فإذا رأيت آجامها قد اتخذت بساتين فاخرج منها. قال: فإن لم أستطع. قال: إذا تطاول أهلها في بناء المدر فاخرج. قال: فإن لم أستطع. قال:

فعليك بضواحيها وإياك وسباخها فإنه سيكون بسباخها خسف.

وقال قتادة: يخسف بالدار وتنجو الدار. ويخسف بالحي وينجو الحي.

وروي عن أسود العدوي، قال: قال عمر بن الخطاب: أريد أن آتي البصرة فأقيم فيها شهرا. فقال له كعب: لا تأتها. فإن بها تسعة أعشار الشر والداء العضال، وبها تكون الفتن، وفيها يخرج الدجال.

وعن أبي مجلز قال: ائتفكت البصرة مرتين ولتأتفكن الثالثة.

وقال أبو موسى: للبصرة أربعة أسماء، الخريبة والبصيرة وتدمر والمؤتفكة.

وكان كعب الأحبار يقول لتشبعن الضبع من النو في مسجد البصرة والقرى حولها عامرة.

وقال أبو غيلان: البصرة يسلط عليهم القتل الأحمر، والجوع الأغبر. وأما مصر فينضب نيلها.

وكان ابن عمر يقول: البصرة أسرع أرض الله خرابا، وأخبثه ترابا. قيل: فما بال الكوفة؟ قال: يأتي الله بأمره إذا شاء.

وكان أمير المؤمنين ﵇ يقول لتغرقنّ البصرة أو لتحرقن إلّا بيت مالها ومسجدها.

وقال عبد الله الضبعي: سمعت عليا ﵇ يقول: ويحك يا بصرة لتغرقن أو لتحرقن حتى يرى بيت مالك ومسجدك كجؤجؤ سفينة.

وقال قتادة: لتحرقن البصرة وأهلها كثير. قيل له: وكيف ذلك؟ قال: يظهر منافقوها على مؤمنيها فيخرجون منها رجالا وركبانا. وأنشد لمحمد بن حازم:

ترى البصري ليس به خفاءلمنخره من النتن انتشار
ربا بين الحشوش وشبّ فيهافمن ريح الحشوش به اصفرار
يعتّق سلحة كيما يغاليبه عند المبايعة التجار
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة

ولما افتتح أمير المؤمنين ﵇ البصرة ارتقى منبرها فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: يا أهل البصرة! يا بقايا ثمود ويا جند المرأة ويا أتباع البهيمة. رغا فاتّبعتم، وعقر فانهزمتم. دينكم نفاق، وأخلاقكم رقاق، وماؤكم زعاق. يا أهل البصرة والبصيرة والسبخة والخريبة! أرضكم أبعد الأرض من السماء، وأقربها من الماء، وأسرعها خرابا وغرقا.

وكان خالد بن ميمون يقول: البصرة أشد الأرض عذابا، وأسرعه خرابا وشره ترابا.

وسأل الحجاج بن يوسف، ابن القرية عن البصرة فقال: حرّها شديد، وخيرها بعيد. وماؤها ملح، وحربها صلح. مأوى كل فاجر، وطريق كل عابر.

وكان الأوزاعي يقول: نظرت فيما اختلف فيه العلماء من أهل البلدان وفتنوا

به، فرأيت أهل البصرة قد فتنوا بخصلتين: الخضخضة والقدر. وفتن أهل الكوفة بخصلتين: شرب المسكر وتأخير السحور. وفتن أهل الشام بخصلتين: طاعة الظلمة، وأخذ الجوائز، وفتن أهل مكة بخصلتين: تزويج المتعة والدرهم بالدرهمين. وفتن أهل المدينة بخصلتين: حب السماع وإتيان النساء في الأدبار.

وقال ابن شبرمة لأهل البصرة: لنا أحلام ملوك المدائن، وسخاء أهل السواد، وظرف أهل الحيرة. ولكم سفه السند وبخل الخوز وحمق أهل عمان.

وقال ابن شوذب: أول منبر يصعده الدجال منبر البصرة فيقول: أيها الناس من كان غنيا زدناه، ومن كان فقيرا موّلناه.

وقال عبد الله بن عباس: إذا كثرت القدرية بالبصرة ائتفكت بأهلها، وإذا كثرت السبائية بالكوفة ائتفكت بأهلها.

واستشار رجل ابن مسعود في سكون البصرة فقال له: إن كنت لا بدّ فاعلا، فاسكن رابيتها ولا تسكن سبختها فإنه قد خسف بها مرة، وسيخسف بها أخرى.

والخسف الذي كان بها، أنه كان بها خمسة حكّام أسماؤهم: جائر وجابر وخاطئ ومخطي وحمّال الخطايا. فخرج رجل معه امرأة له حامل على حمار له حتى أتاها، فلما دخلها منعه جائر وقال: لا تدخل حتى تؤدي درهمين. فأخذ منه درهمين. فتظلم وقال: أنا رجل فقير وقد أخذ مني درهمان. فما أحد يعديني على من أخذهما مني؟ فقالوا: بلى، جابر. فأتاه فشكا إليه. فقال له هات أربعة دراهم. فأخذها منه مكرها. فأتى خاطئ يشكوهما إليه، فقال: هات ثمانية دراهم. فأخذها منه فأتى مخطئ فقال: هات ستة عشر درهما. فقال أنا إنسان مسكين لا شيء لي. فضربه وضرب امرأته حتى أسقطت، وقطع ذنب حماره. فأتى حمال الخطايا فشكا إليه ما حلّ به من إسقاط امرأته وقطع ذنب حماره. فقال

لأصحابه: انكحوا امرأته حتى تحبل، واعملوا على حماره حتى ينبت ذنبه.

فخسف الله بها.

ويروى أن أمير المؤمنين ﵇ لما دخل البصرة صعد المنبر وخطب وقال في خطبته: يا أهل البصرة! إن الله لم يقسم خيرا لأحد من أهل الأرض إلّا وقد جعل فيكم أكثر منه. فعابدكم أعبد الناس، وقارئكم أقرأ الناس.

غير أن حكم الله فيكم وفيمن مضى قبلكم جائز بقوله عزّ من قائل وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً. كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً

والله، ما ابتدأتكم بما ابتدأتكم به من المدح رغبة مني لما في أيديكم.

غير أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: أما علمت أن جبريل ﵇ حمل جميع الأرضين على منكبه الأيمن فأتاني بها. ألا وإني وجدت البصرة أبعد بلاد الله من السماء وأقربها من الماء وأخبثه ترابا وأسرعه خرابا، ليأتينّ عليها يوم لا يؤتى منها إلّا شرفات مسجدها كجؤجؤ السفينة في لجة البحر، فقال المنذر بن الجارود: ولذاك يا أمير المؤمنين، وممّ ذاك؟ قال: إذا رأيتم آكامها خدورا، وآجامها قصورا، فلا بصرة، ثم قال: كم بينكم وبين أرض يقال لها الأبلّة؟ قالوا:

أربعة فراسخ. فقال: صدقني والذي عجّل روحه إلى الجنة وأكرمه بالنبوة فقال: يا علي أما علمت أن بين البصرة وبين أرض يقال لها الأبلة أربعة فراسخ، يكون في ذلك الموضع العشور، ينبغي أن يقتل فيه سبعون ألفا هم نظراء قتلى بدر، فقيل ومن يقتلهم يا أمير المؤمنين؟ قال: إخوان الجنّ، إخوان الجنّ، ثم قال: ويحك يا بصرة! ويحا لك من جيش لا غبار له. قيل: يا أمير المؤمنين ما الويح؟ قال:

الويح والويل بابان، فالويح رحمة والويل عذاب.

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البلدان»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.