تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الممالك» للإصطخري (ت ٣٤٦هـ)

خوزستان

وامّا حدود خوزستان فانّ شرقيّها حدّ فارس واصبهان وبينها وبين حدّ فارس من حدّ اصبهان نهر طاب وهو الحدّ الى قرب مهروبان ثمّ يصير الحدّ بين الدّورق ومهروبان على الظهر الى البحر وغربيّها حدّ رستاق واسط ودور الراسبىّ وشماليّها حدّ الصّيمرة وكرخا واللّور حتّى يتّصل على حدود الجبال الى اصبهان على انّه يقال انّ اللّور كانت من خوزستان فحوّلت الى الجبال وحدّ خوزستان ممّا يلى فارس واصبهان وحدود الجبال وواسط على خطّ مستقيم فى التربيع الّا انّ الحدّ الجنوبىّ من عبّادان الى رستاق واسط يصير مخروطا فيضيق فى التربيع عمّا قابله وفى حدّ الجنوب ايضا من حدّ عبّادان على البحر الى حدّ فارس تقويس يسير فى الزاوية فينتهى هذا الحدّ الجنوبىّ الى شىء من البحر ثمّ الى دجلة حتّى يجاوز بيان ثمّ ينعطف من وراء المفتح والمذار الى ان يتّصل برستاق واسط من حيث ابتدأنا وامّا ما يقع فيها من المدن فانّها كور منها الأهواز واسمها هرمزشهر وهى

الكورة العظيمة الّتى ينسب اليها سائر الكور وعسكر مكرم وتستر وجندى سابور والسّوس ورامهرمز وسرّق وكلّ ما ذكرنا من كورة فهى اسم المدينة غير سرّق فانّ مدينتها الدّورق وهى المعروفة بدورق الفرس وايدج ونهر تيرى وحومة الزّطّ والخابران وهما واحد وحومة البنيان وسوق سنبيل ومناذر الكبرى ومناذر الصغرى وجبّى والطّيب وكليوان فهذه مدن لكلّ مدينة كورة، ومن مدنها المعروفة المشهورة بصنّى وأزم وسوق الأربعاء وحصن مهدىّ وباسيان وبيان وسليمانان وقرقوب ومتّوث وبرذون وكرخا وخوزستان فى مستوى وارض سهلة ومياه جارية فمن اكبر انهارها نهر تستر وهو النهر الّذى بنى عليه سابور الملك شاذروان بباب تستر حتّى ارتفع ماؤه الى ارض المدينة لانّ تستر على مكان مرتفع من الارض فيجرى هذا النهر من وراء عسكر مكرم على الاهواز حتّى ينتهى على نهر السّدرة الى حصن مهدىّ ويقع فى البحر، ويجرى من ناحية تستر نهر المسرقان حتّى ينتهى الى عسكر مكرم سفلى الاهواز وآخره بالاهواز لا يتجاوزها فاذا انتهى الى عسكر مكرم فعليه جسر كبير نحو عشرين سفينة تجرى فيه السفن العظام وقد ركبته انا من عسكر مكرم الى الاهواز والمسافة ثمانية

فراسخ فسرنا فى الماء ستّة فراسخ ثمّ خرجنا وسرنا فى وسط النهر وكان الباقى من هذا النهر الى الاهواز طريقا يابسا ولا يضيع من هذا الماء شىء وانّما تسقى به اراضى قصب السكّر وما فى اضعافه من النخيل والزروع، وما بخوزستان كلّها على كمال عمارتها بقعة هى اعمر وارخى من المسرقان، ومياه خوزستان من الاهواز والدورق وتستر وغير ذلك ممّا يصاقب هذه المواضع كلّها تجتمع عند حصن مهدىّ فتصير هناك نهرا كبيرا ويغزر ويصير له عرض ثمّ ينتهى الى البحر، وليس بها بحر الّا ما تنتهى اليه زاوية من مهروبان الى قرب سليمانان بحذاء عبّادان فانّه شىء يسير وهو من بحر فارس وليس بجميع خوزستان جبال ولا رمال الّا شىء يسير يتاخم نواحى تستر وجندى سابور وبناحية ايذج واصبهان والباقى من خوزستان كانّه ارض العراق وامّا هواؤها وماؤها وتربتها وصحّة اهلها فانّ مياهها طيّبة عذبة جارية ولا اعرف بجميع خوزستان بلدا ماؤهم من البئر لكثرة المياه الجارية بها، وامّا ترابها فانّ ما بعد عن دجلة الى ناحية الشمال ايبس واصحّ وما كان الى دجلة اقرب فهو من جنس أرض البصرة فى التسبّخ وكذلك الصحّة ونقاء البشرة فى الناس فيما بعد عن دجلة وامّا المسرقان خاصّة فانّ بها رطبا يسمّى الطّنّ يقال انّ ذلك الرطب اذا اكله الانسان وشرب عليه ماء المسرقان لم تخطئه الحمّى، وليس بخوزستان موضع

يجمد فيه الماء ولا يقع فيه الثلج ولا يخلو من النخل، والعلل بها كثيرة وخاصّة لمن انتابها، وامّا ثمارهم وزرعهم فانّ الغالب على بلاد خوزستان من الاشجار النخل ولهم عامّة الحبوب من الحنطة والشعير والباقلاء واكثر حبوبها بعد الحنطة والشعير الارزّ فيخبزونه وهو لهم قوت وكذلك فى رستاق العراق وليس من بلد ليس به قصب سكّر من هذه الكور الكبار ولكنّ اكثر ما بها من السكّر بالمسرقان ويقع جميعه الى عسكر مكرم وليس بعسكر مكرم فى القصبة كثير سكّر وكذلك بتستر والسوس فانّه يتّخذ منه السكّر والقصب فى سائر المواضع انّما هو للاكل دون ان يتّخذ منه السكّر، وعندهم عامّة الثمار لا يكاد يخطئهم الّا الجوز وما لا يكون الّا ببلاد الصرود وامّا لسانهم فانّ عامّتهم يتكلّمون بالفارسيّة والعربيّة غير انّ لهم لسانا آخر خوزيّا ليس بعبرانىّ ولا سريانىّ ولا فارسىّ، وزيّهم زىّ اهل العراق فى الملابس من القمص والطيالسة والعمائم وفى اضعافهم من يلبس الأزر والميازر، والغالب على اخلاقهم سوء الخلق والمنافسة فيما بينهم فى اليسير من الامور وشدّة الامساك والغالب على خلقهم صفرة اللون والنحافة وخفّة اللحى والضخامة ووفور الشعر فيهم اقلّ ممّا فى غيرهم من المدن وهذه صفة عامّة الجروم، وامّا ما ينتحلونه من الديانات فانّ الغالب بخوزستان الاعتزال والغلبة عليهم دون سائر النحل وفى سائر كورهم من اهل الملل نحو ما فى سائر الامصار

وامّا الخاصّيّات بها فانّ عندهم بتستر الشاذروان الّذى بناه سابور وهو من اعجب البناء واحكمه بلغنى انّ امتداده يقرب من ميل قد بنى بالحجارة كلّه حتّى تراجع الماء فيه وارتفع الى باب تستر ولهم بالسّوس بلغنى والله اعلم انّ تابوتا وجد فى ايّام ابى موسى الاشعرىّ فذكروا انّ فيه عظام دانيال النّبيّ ﵇ وكان اهل الكتاب يديرونه فى مجامعهم ويتبرّكون به ويستسقون المطر به اذا اجدبوا فاخذه ابو موسى وعمد الى نهر على باب السوس فشقّ منه خليجا وجعل فيه ثلاثة قبور مطويّة بالآجرّ ودفن ذلك التابوت فى احد القبور ثمّ استوثق منها كلّها وعمّاها ثمّ فتح الماء حتّى غلب زيد النهر الكبير على ظهر تلك القبور والنهر يجرى عليها الى يومنا هذا ومن نزل الى قعر الماء وجد تلك القبور ولهم بناحية آسك متاخما لارض فارس جبل يتّقد منه نار ابدا لا ينطفئ ويرى منها الضوء بالليل والدخان بالنهار وهو فى حدّ خوزستان ويشبه فيما اظنّ انّه عين نفط او زفت او غيره ممّا تعمل فيه النار فوقع فيه على قديم الايّام نار فعلى قدر ما تخرج يحترق ابدا فيما احسبه من غير ان رايت علامة لذلك ولا سمعت به وانا اقوله ظنّا ولهم بعسكر مكرم صنف من العقارب صغار على قدر ورق الانجذان تسمّى الجرّارة قلّ ما يسلم من لسعه وهى ابلغ فى القتل من بعض الحيّات وامّا تستر فانّ بها يتّخذ الديباج الّذى يحمل الى الدنيا وكسوة مكّة من الديباج يتّخذ بها وبها للسلطان

طراز وامّا السّوس فانّه تعمل بها الخزوز ومنها تحمل الى الآفاق، وبالسوس صنف من الاترجّ شمّامات ذكيّة كالاكفّ باصابعها لم ار مثلها فى بلدان الاترجّ وبقرقوب السّوسنجرد الّذى يحمل الى الآفاق وبها وبالسوس طراز للسلطان وببصنّى تعمل الستور الّتى تحمل الى الآفاق المكتوب عليها عمل بصنّى وقد تعمل ببرذون وكليوان وغيرهما من تلك المدن ستور يكتب عليها بصنّى وتدلّس فى ستور بصنّى الّا انّ المعدن بصنّى وبرامهرمز من ثياب ابريسم ما يحمل منها الى كثير من المواضع، ويقال انّ مانى بها قتل وصلب ويقال انّه مات فى محبس بهرام حتف انفه فقطع رأسه واظهر قتله وجندى سابور مدينة خصبة واسعة الخير وبها نخل وزروع كثيرة ومياه ونزلها يعقوب بن اللّيث الصّفّار لخصبها واتّصالها بالمير الكثيرة فمات بها وبها قبره ونهر تيرى تكون بها ثياب تشبه ثياب بغداد وتحمل الى بغداد فتدلّس بالبغدادىّ وتقصر ببغداد وجبّى مدينة ورستاق عريض مشتبك العمارة من النخيل وقصب السكّر ومنها ابو علىّ

الجبّآئىّ امام المعتزلة فى عصره وتتّصل زاوية من خوزستان بالبحر فيكون له خور يخاف على سفن البحر اذا انتهت اليه فانّه يعرض، واستجمع مياه خوزستان بحصن مهدىّ فيتّصل بالبحر ويعرض هناك حتّى ينتهى فى طرفه المدّ والجزر ويتّسع حتّى كانّه من البحر وتتّخذ بالطّيب تكك تشبه الارمنىّ قلّ ما تتّخذ فى مكان من الاسلام بعد ارمينية احسن منها فيما علمته واللّور بلد خصب الغالب عليه هواء الجبل وكان من خوزستان الّا انّه أفرد فى اعمال الجبل وامّا سنبيل فانّها كورة متاخمة لفارس وقد كانت مضمومة الى فارس من ايّام محمّد بن واصل الى آخر ايّام السّجزيّة ثمّ حوّلت الى خوزستان والزّطّ والخابران هما كورتان عامرتان على نهرين جاريين والبنيان متاخمة للسّردان من ارض فارس ولاصبهان وهواؤها هواء الصرود وليس بخوزستان رستاق يقارب الصرود غير البنيان وامّا آسك فانّها قرية ليس فيها منبر وحواليها نخيل كثير وبها كانت وقعة الازارقة الّتى يقال انّ اربعين من الشّراة قتلوا نحوا من الفى

رجل تبعتهم من اهل البصرة، والدوشاب الأرّجانىّ الّذى يحمل الى الآفاق منها وامّا مناذر الكبرى والصغرى فانّهما كورتان عامرتان بالنخل والزروع ولهما ارتفاع كثير واما المسافات بها فانّ من فارس الى العراق طريقين شارعين احدهما الى البصرة ثمّ الى بغداد والآخر الى واسط ثمّ الى بغداد فامّا طريق البصرة فانّك تاخذ من ارّجان الى آسك قرية مرحلتين خفيفتين ثمّ الى زيدان مرحلة وزيدان قرية ثمّ منها الى الدّورق مرحلة والدورق مدينة كبيرة وهى مدينة سرّق ثمّ من الدورق الى خان مردويه وهو خان تنزله السابلة مرحلة ومن خان مردويه الى باسيان مدينة وسطة فى الكبر عامرة يشقّ النهر فيها فتصير نصفين مرحلة ومن باسيان الى حصن مهدىّ مرحلتين فيها منبر ويسلك بينهما فى الماء وكذلك من الدورق الى باسيان يسلك فى الماء وهو ايسر من البرّ ومن حصن مهدىّ الى بيان مرحلة على الظهر وبيان فيها منبر وقد انتهيت الى آخر حدود خوزستان، وبيان على دجلة فاركب منها الماء ان شئت الى الأبلّة وان شئت على الظهر الى ان تحاذى الأبلّة ثمّ تعبر وامّا الطريق الى واسط ثمّ الى بغداد فانّ من ارّجان الى سوق سنبيل مرحلة ثمّ الى رامهرمز مرحلتين ثمّ من رامهرمز الى عسكر مكرم مراحل ومن عسكر مكرم الى تستر مرحلة ومن

تستر الى جندى سابور مرحلة ومن جندى سابور الى السوس مرحلة ومن السوس الى قرقوب مرحلة ومن قرقوب الى الطيب مرحلة ويتّصل بعمل واسط، ومن العسكر الى واسط طريق اخصر من هذا فلا يدخل تستر ولكنّا ذكرنا هذا المسلك لانّ قصدنا ذكر مسافة ما بين المدن ولم نرد نفس الطرق الى بغداد فكان هذا اجمع لما اردنا ان نذكره ومن العسكر الى ايذج مراحل ومن العسكر الى الاهواز مرحلة ومن الاهواز الى أزم مرحلة ومن الاهواز الى الدورق مراحل ومن عسكر مكرم الى الدورق نحو هذا، ومن الاهواز الى رامهرمز نحو مراحل ايضا لانّ الاهواز وعسكر مكرم فى سمت واحد ورامهرمز منهما كاحدى زوايا المثلّث، ومن عسكر مكرم الى سوق الأربعاء مرحلة وجبّى تحاذى سوق الأربعاء ومن سوق الأربعاء الى حصن مهدىّ مرحلة، ومن الاهواز الى نهر تيرى يوم، ومن السوس الى بصنّى اقلّ من مرحلة ومن السوس الى برذون مرحلة خفيفة ومن السوس الى متّوث مرحلة، فذلك جوامع المسافات بها

النص من طبعة ليدن، أعادت دار صادر ببيروت تصويرها، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.