تجاوز إلى المحتوى

من «صورة الأرض» لابن حوقل (ت بعد ٣٦٧هـ)

مصر (٢)

لحاشية من ينزله وخاصّته وأصحابه وأضيافه وفيهما حرمهم، وتعرف إحدى الحارتين بالقلمون والأخرى بالقصر، والناحية الخارجة تعرف ببيريس وبيخيط وهما خمسة أصقاع ويشتمل كلّ صقع منها على منابر تتقارب فى المنزلة والحال، ولم تزل مذ أوّل ما فتحها المسلمون فى أيدى آل عبدون ومرجعهم الى حىّ من لواتة قبيل من البربر ملوك هذه الناحية يرجعون الى مروءة فاشية ومظاهرة بالحرّيّة ورغبة فى القاصدين ومحبّة للمنتجعين على جميع ضروب القصد مكرمين للتجّار نازلين على أحكامهم فى الأرباح وكان من أحرصهم على هذه الوتيرة يتقبّل المحاسن ويحبّ حسن الأحدوثة والشكر ويرغب فى جميل الذكر أبو الحسن مكبّر بن عبد الصمد بن عبدون ﵀ بكبر نفسه وسعة قلبه وكثرة طوله وفاشى مروءته يزيد على من سلف له من أهله فى جميع المقاصد الكريمة ويركب منها الطرقات الصعبة الجسيمة ولمّا مضى قام مكانه وعمر موضعه عبدون ابن محمّد بن عبدون فى ضمن عبد له يعرف بمصبح بن ميمون مغربىّ الأصل مولّد بالواحات وهو رجل ندب وشيخ شهم، ونواحيهم كثيرة المياه والأشجار والغياض والعيون الجارية العذبة متصرّفة فى نخيلهم وزروعهم وأجنّتهم وأكثر غلّاتهم بعد القمح والشعير الأرزّ ولديهم من العنّاب الكثير والفوّة الواسعة الغزيرة ما يغدق به الى كثير من النواحى، وهى كالناحية المعتزلة فى مركز دائرة من النيل ومن أىّ نحو قصدت الواحات من أنحائها كان الوصول اليها من ثلاث مراحل الى أربع مراحل، والناحية الخارجة منها المعروفة ببيخيط وبيريس أقرب الى النيل ومن قصدها من ناحية النوبة ويبرين وأعمالهم اجتاز بعين النخلة بماء عدّ لا ساكن عنده ولا يجد الماء الى بيريس، ومن اجتاز بها من أرض مصر وقصدها من اسنى وارمنت تزوّد ماء النيل الى بيريس، ومن قصدها من البلينا واخميم واسيوط والاشمون من أسافل الصعيد كان وصوله الى بيخيط وتزوّد ماء

النيل، ومن قصدها من اسوان وأعلى الصعيد اجتاز بدنقل بماء عدّ فى أحساء تحفر باليد وعليه نخيل كثيرة بغير ساكن وتزوّد الماء الى بيريس ومسيرة كلّ طريق ممّا ذكرته اليها ثلث مراحل، وأكثر هذه الطرق فى عقاب وأودية وجميع من قصدها من هذه الأربع نواحى يقطع الوادى المعروف بدواى وأحساء بنى فضالة، ومن قصد الواح الداخلة وهى داره مملكة آل عبدون من ناحية القيس والبهنسة كان وصوله الى بهنسة الواح إذ بها ناحية تعرف بالبهنسة أيضا وبينها وبين الفرفرون مرحلة والفرفرون قرية ذات قصور، وبين بهنسة مصر والقيس وبهنسة الواح أربع مراحل وهى فى جملة الواح الداخلة وتصيب الماء فى هذا الطريق بموضع يعرف بماء النخلة وفيه نخلة، والغالب على أهل الفرفرون القبط النصارى وبالفرفرون والبهنسة قصران لآل عبدون يليهما مساكن كمساكن القلمون ولا حرم فيهما ولا ذخيرة بل هى عدّة لنزول أهلها بها عند نزههم ويليهما مساكن الأكرة وبالبهنسة وببيخيط وبيريس قرى ظاهرة وباطنة وأمم عليهم لوازم للسلطان وجزية ولا يمدّ آل عبدون وخدمهم أيديهم فى شىء من الجباية سوى الخراج والجزية من النصارى وليس بجميع الواحات يهودىّ واحد فما فوقه وبالواحات من بنى هلال عدّة غزيرة وأمّة كثيرة وهى مصيفهم وقت الغلّة وميرتهم منها وليس بجميع الواحات حمّام ولا فندق يسكنه الطارئ والقادم اليها وإذا قدم التجّار والزوّار على آل عبدون أنزلوهم أين كانوا من قرارهم ولزمتهم الأنزال ودرّت عليهم الضيافات الى حين رحيلهم وعندهم بجميع نواحيهم المطاحن بالإبل والبقر وقّلما يمطرون ومياه عيونهم حارّة فهى تقوم لهم مقام الحمّامات وقد يقصد الواحات من ناحية المغرب ومن جزيرة فيها نخيل وسكّان من البربر تعرف بسنتريّة فيكون أوّل وصولهم منها الى ناحية بهنستها، وبجميع الواحات بيع قديمة أزليّة معمورة لأنّ البلد كان نصرانىّ الأصل قديما وكان غزير الدخل كثير المال فشاب وشمط بجور السلطان

وقد استحدث المسلمون بهذه النواحى الخمس نحو خمسة عشر منبرا ولكلّ قرية من قرى هذه الخمس نواحى مساجد معمورة بالصلوات الخمس، وجميع من بها من القبط فى ولاء آل عبدون عتاقة وغلّات البلد فوق حاجتهم وبه من القموح والتمور الجليلة الكبار الحبّ والعنّاب والقطانى الى جميع الفاكهة والبقول ما يزيد على حاجتهم وينيف على فاقتهم وإرادتهم وبين آل عبدون والنوبة هدنة بعد حروب جرت وغارات دامت واتّصلت وهذه جملة من خبرها وأوصافها، وأمّا البحيرة التى هى بأرض مصر وفى شمال الفرما وتتّصل ببحر الروم [تعرف ببحيرة تنّيس] فهى بحيرة إذا امتدّ النيل فى الصيف عذب ماؤها وإذا جزر فى الشتاء الى أوان الحرّ غلب ماء البحر عليها فملح ماؤها وغاص فيها ماء النيل وفيها مدن كالجزائر فيها يطيف ماء البحيرة بها ولا طريق اليها إلّا فى السفن من أجلّ جزائرها تنّيس ودمياط ودميره ودبقوا وشطا وتونه، وهى قليلة العمق يسار فى أكثرها بالمرادى وتلتقى السفينتان تحكّ إحداهما الأخرى هذه صاعدة وهذه نازلة بريح واحدة مملّأة شرعهما بالريح متساوية فى سرعة السير، وبهذه البحيرة سمكة تعرف بالدلفين فى خلقة الزقّ الكبير وتكثر فى مياء بحر الروم فى منحدر الماء العذب من البحر وذكر قوم فى مؤلّفات حماقات رقاعاتهم أنّ لها خاصّية مشهورة وذلك أنّها لا تزال تدفع الغريق عند غرقه وهو يجود بنفسه وتغتّه بإرهاقه ودفعه مرّة وشيله ورفعه تارة الى أن تخرجه الى الساحل أو الماء الرقيق والناس يكذبون لمّا كانت ذوات الأربع لا تنطق، وذكر هذا المؤلّف فى بعض كتبه وغيره أنّ بالإسكندريّة سمكة تعرف بالعروس حسنة المنظر نقشة لذيذة الطعم إذا أكله الإنسان رأى فى منامه كأنّه

يؤتى [إن لم يتناول عليها الشراب أو يكثر من أكل العسل] بل يرى أنّ كثيرا من السودان يفعلون به ورأيتها وأكلتها أنا وجماعة من ذوى التحصيل فشهدوا بكذب هذه الحكاية، ومن حدّ هذه البحيرة الى حدّ فلسطين والشأم أرض رمال كلّها متّصلة حسنة اللون تسمّى الجفار بها نخيل ومنازل ومياه مفترشة الرمل غير منفصلة ويتّصل هذا الرمل برمل نفزاوه من أرض المغرب ورمل سجلماسه ويأخذ الى أرض اودغست وذلك أنّه يأخذ من الجفار مغرّبا عنها مع جبل المقطّم ويمتدّ على ساحل النيل من شرقه وغربه وحيتانه والنيل يشقّه بنواح كثيرة فمنها باهريت وشرونه وبياض وصول والبرنيل واتفيح واسكر والحى الى نواحى بوصير قوريدس واهناس ودلاص وسمسطا والقيس وطحا والاشمونين فيأخذ على أرض الفيّوم وبحيرة اقنى وتنهمت والبحيرة فى وسطه وتحت جبال منه فيمضى على بلد الشنوف ويستبطن طريق الباطن ويأخذ على غربىّ عقبة برقة مارّا على الطريق الأعلى وخلف طريق الجادّة ويقع شىء منه الى ساحل بحر برقة [وينقطع] ولا ينقطع ما على الطريق الأعلى منه حتّى يرد قبلة اجدابيه وسرت فيكون فى وسطه ويأخذ عن الطريق مغرّبا الى صحارى جبل نفوسه ونفزاوه ويرتفع الى لمطه ورمال سجلماسه ويتّصل برمل اودغست المتّصل بالبحر المحيط، ويتّصل رمل الجفار من ناحية القبلة فى نفس البرّ الى ايلة ورمال القلزم ويفترش بالساحل وطريق جادّة مصر ويمضى الى مدينة يثرب ممتدّا على ما جاور أرض لخم وجذام وجهينة وبلىّ وما دنا من أرض

تبوك ويجتاز بوادى القرى مارّا بديار ثمود مشرّقا الى جبلى طىّء ويتّصل برمل الهبير ورمل الهبير متّصل برمل البحرين ورمال بادية البصرة وعمان الى أرض الشحر ومهرة وجميع أرض الشحر ومهرة رمل من البحر الى الجبل [ويعبر البحر فيكون تجاه الشحر ومهرة من بلاد الزبح رمل كهيئة رمل الشحر] ويحاذى رأس الجمجمة من نواحى حصن ابن عمارة وأرض هرموز، فيمرّ شمالا الى أقاصى خراسان على أعمال الطبسين وهراة ورمال مرو وسرخس ويشرّق بعضه الى أعمال السند والديبل [وسوبارة] وسندان وصيمور مارّا فى برارىّ الهند الى التبّت وبلاد الصين فيشرع فى البحر المحيط، وجميع الرمل الذي على وجه الأرض متّصل متناسب لا أعرف فيه بلدا رمله ذو فصل إلّا القليل، وكذلك جبال الأرض كلّها متناسبة متّصلة إلّا القليل اليسير منها، ويتّصل حدّ الجفار ببحر الروم وحدّ بالتيه وحدّ بأرض فلسطين من الشأم وحدّ ببحيرة تنّيس وما اتّصل به من حوف مصر الى حدود القلزم، وبالجفار حيات شبريّة تثب من الرمل الى المحامل والركّاب على الدوابّ فربّما لسبتهم وآذتهم، وأمّا تيه بنى إسرائيل فيقال إنّ طوله نحو أربعين فرسخا وعرضه قريبا منه وهو أرض فيها رمال وبعضه جلد وبه عيون ونخيل مفترشة قليلة ويتّصل حدّ له بالجفار وحدّ له بجبل طور سيناء وما اتّصل به وحدّ له بأراضى بيت المقدس وما اتّصل بها من فلسطين وحدّ له ينتهى الى ظهر حوف مصر الى حدّ القلزم، ومدينة الاشمونين وإن كانت صغيرة فهى عامرة ذات نخيل وزروع ويرتفع منها من الكتّان وثياب منه يجهّز كثير الى مصر وغيرها، وتجاهها من شمال النيل مدينة بوصير وبها قتل مروان بن محمّد الجعدىّ ويقال أنّ سحرة فرعون الذين حشرهم يوم موسى من بوصير،

ومدينة اسوان كثيرة النخيل غزيرة الغلّات من التمور قليلة الزروع وهى أكبر مدن الصعيد، والبلينا واخميم مدينتان متقاربتان فى العمارة صغيرتان عامرتان بالنخل والزرع وذو النون المصرىّ من أهل اخميم وكان بغاية النسك والورع، ولها جهاز من الكتّان المعمول شقّة ومناديل الى الحجاز ومصر، وبها بربا من أعظم البرابى وأطرفها وهو مخزن لذخائر القوم الذين قضوا من أهل مصر بالطوفان قبل وقته بقرانين واختلفوا فى مائيّته فقال بعضهم يكون نارا فتحرق جميع ما على وجه الأرض وقال آخرون بل يكون ماء وعملوا هذه البرابى قبل الطوفان ومنها بمصر وفى أرضها وصعيدها خاصّة ما لم أر على وجه الأرض لشىء من أبنيتها شبه رصانة فى الأحجار وإحكام فى التركيب وهندسة فى الأركان وعلوّا فى السمك الى تصاوير تزيد على العجب من أنواع لم ير قطّ لها شبه فى نفس أحجارها قد بتّت فى صخرها وعمدها، وبالفيّوم مدن كبار جليلة وطرز مشهورة وكور عظام للسلطان والعامّة وفيها من الأمتعة للجلب ما يستغنى بشهرته عن إعادته كاليهنسة المعمول بها الستور والاستبرقات والشرع والخيام والأحلّة والستائر والبسط والمضارب والفساطيط العظام بالصوف والكتّان بأصباغ لا تستحيل وألوان تثبت فيها من صورة البقّة الى الفيل، ولم يزل لأصحاب الطرز من خدم السلطان بها الخلفاء والأمناء وللتجّار من أقطار الأرض فى استعمال أغراضهم بها من الستور الطوال الثمينة التى طول الستر من ثلثين ذراعا الى ما زاد ونقص ممّا قيمة الزوج منها ثلثمائة دينار وناقص وزائد، وطحا مدينة أيضا فيها غير طراز ومنها أبو جعفر الطحاوىّ الفقيه العراقىّ صاحب كتاب اختلاف فقهاء الأمصار، والفيّوم نفسها مدينة ذات جانبين على وادى اللاهون طيّبة فى نفسها كثيرة الفواكه والخيرات

غير صحيحة الهواء ولا موافقة للطارئ عليها ولا للغريب النازل بها، وأكثر غلّاتها الأرزّ وإن كانت لا تعدم من أصناف الغلّات شيئا وبظاهرها آثار حسنة والناحية مسمّاة باسمها، والفيّوم ناحية كانت فى قديم الأيّام وسالف الزمان عليها سور يشتمل على جميع أعمالها ويحيط بسائر مدنها وبقاعها ورأيت أكثره من جانب البرّيّة بيّنة أبراجه وقد غلب على أكثرها الرمل فطمّ منها ومنه وسقطت الحاجة اليه بالإسلام ودخول دولته على أهله وهذا السور يعرف بحائط العجوز وليس هو مختصّا بعمل الفيّوم دون أعمال النيل الى آخر عمل النوبة بل يحيط بالنيل من نواحى مصر على جنبتى النيل جميعا الى أعمال النوبة، والفرما مدينة على شطّ بحيرة تنّيس وهى مدينة خصبة وقد مرّ شىء من ذكرها وبها قبر جالينوس اليونانىّ، ومن الفرما الى تنّيس فى البحيرة دون الثلاثة فراسخ وهى مدينة كثيرة الرطب جيّدته صالحة الفاكهة كثيرتها، وبتنّيس تلّان عظيمان مبنيّان بالأموات منضدين بعضهم على بعض ويسمّى هذان التلّان بوتوم ويشبه أن يكون ذلك من قبل أيّام موسى ﵇ وبعثه لأنّ أهل مصر فى أيّام موسى كان فى شريعتهم الدفن ثمّ صارت للنصارى ودينهم أيضا الدفن ثمّ صارت للإسلام، وعليهم أكفان من خشن الخيش وعظامهم وجماجمهم فيها صلابة الى يومنا هذا، وبالفسطاط قرية تعرف بعين شمس عن شمال الفسطاط ومنف فى جنوبىّ الفسطاط واحدة تجاه الأخرى ويقال كانا مسكنين لفرعون وبها آثار عجيبة يتنزّه فيهما وعلى رأس جبل المقطّم فى قلّته مكان يعرف بتنّور فرعون يسع خمس مائة كرّ حنطة وهذا من نوع الخرافة ويقال أنّ فرعون كان إذا خرج من أحد المتنزّهين أصعد فى المكان الآخر من يعادله ليعاين شخصه بالوهم ولا تفقد هيئته، وفى نيل مصر مواضع لا

يضرّ فيها التمساح كعدوة بوصير والفسطاط، ولعين شمس الى ناحية الفسطاط نبت يزرع كالقضبان يسمّى البلسم يتّخذ منه دهن البلسان لا يعرف بمكان من الأرض إلّا هناك ويؤكل لحاء هذه القضبان فيكون له طعم صالح وفيه حرارة وحروفة لذيذة، وشبروا ضيعة فى وقتنا هذا جليلة فى محلّ مدينة يعمل فيها شراب العسل عند زيادة النيل فلا يخالط العسل والماء ثالث من خلط وهذا الشراب مشهور فى جميع الأرض لذّته ومحلّ نشوته وخمر رائحته، والى جانبها قرية تعرف بدمنهور ويعمل بها بعض ما يعمل بشبروا وجميع مالها للسلطان، وفاقوس وجرجير مدينتان من أرض الحوف والحوف ما كان من النيل أسفل الفسطاط وما كان من النيل جنوبيّه يعرف بالريف، ومعظم رساتيق مصر وقراها فى الحوف والريف، وأهلها نصارى قبط ولهم البيع الكثيرة الغزيرة الواسعة وقد خرب منها الكثير العظيم وفيهم قلّة شرّ إلّا مع عمّالهم والمتقبّلين لنواحيهم وكان فيهم أهل يسار وذخائر وأموال واسعة وصدقات ومعروف وأدركت من اليسار فيهم والمعروف منهم على المسلمين ما يطول شرحه ولم يك بشىء من البلدان ما يقاربه أو يدانيه، ومن أولاد القبط غيلان أبو مروان رئيس الغيلانيّة فرقة من الشيعة وآسية بنت مزاحم ومارية أمّ إبراهيم ابن نبيّنا ﵇ وهاجر أمّ إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلم، وربّما ولدت المرأة [القبطيّة الولدين والثلاثة والأربعة فى بطن واحد بحمل واحد وليس ذلك] بمكان ولا فى شىء من البلدان ولا ذلك بالخصوص بل ربّما جرى فى السنة دفعات وذلك أنّ ماءهم على قولهم أنيث يريدون ماء النيل وفيه خاصّيّة لذلك على قولهم، وممّا يقارب ذلك وليس بالمنتشر العلم ولا فى جميع الأقطار أنّ غنم تركستان تلد الشاة فى

السنة ستّة وسبعة رؤوس من الحملان والمعز كما تلد الكلبة وأكثر أهل تركستان وبلاد خوارزم يذبحون ما زاد على الاثنين من أولاد الغنم وينتفعون بجلودها وذلك أنّ جلودها حمر قانئة الصبغ يباع الجلد منها من ربع دينار الى دينارين وأكثر وأقلّ حسب صبغته ويكون فيها أيضا جلود سود فيبلغ الجلد لنقائه وحلوكته وحسنه الدنانير الكثيرة وربّما كان فيما ابيضّ من جلودها ما يعمل منه أغشية للسروج فى غاية البياض وله أيضا ثمن صالح ومنها مقاربة يباع عشرة جلود بدرهم، وسألت عن علّة ذلك أبا إسحاق إبراهيم بن البتكين الحاجب فقال إنّ أغنامهم ترعى نهارا وتنفش ليلا فقواها زيادة وما ترعاه صحيح ملائم لها وهذا كما يذكره الخراسانيّون أنّ هواءهم يغذو حيوانهم ويزيد فى صحّتهم وينقى أبشارهم ويدفع عنهم الأمراض والأعلال صحّة مياههم وهذا ما لا يحتاجون معه الى دليل غير المشاهدة فإنّها تعرب عن صدقهم ويشهد لهم العيان بذلك، ومعادن الذهب فى حدود البجة ومستحقّ المكان من الإقليم الثانى من قسمة الفلك وكذلك التبر فى جميع الأرض فهو بالإقليم الأوّل والثانى إلّا ما بالجوزجان منه فإنّه شىء تافه يسير ولا أعرف العلّة فيه ويقال أنّ أرض عيذاب من البجة وهى من مدن الحبشة وأرض المعدن مبسوطة لا جبل فيها وهى رمال ورضراض ومجمع تجارات أهل المعدن بالعلاقىّ وليس للبجة قرى ولا خصب وهم بادية يقتنون النجب وليس فى النجب أسير من نجبهم ورقيقهم ونجبهم وسائر ما بأرضهم يقع الى مصر فى جملة التجّار المصريّين أو ما قدم به بعضهم، وبمصر بغال وحمير لا يعرف فى شىء من بلدان الإسلام والكفر

أسير منها ولا أحسن ولا أثمن غير أنّها مخطفة الخلق غير عبلة الأبدان ولا رطبة الجسوم وقد تجلب الى بعض الأماكن فتتغيّر وتمتلئ أبدانها وهى الغاية فى سرعة السير وحسن المشى والوطأة، ولهم من وراء اسوان حمير صغار فى مقدار الكباش الكبار ملمّعة الجلود يشبه تلميعها جلود البقر وقد يكون منها الأصفر المدنّر والأشهب المدنّر فتكون فى غاية الحسن وإذا أخرجت من مواضعها وبلادها لم تعش ولهم حمير تعرف بالسفلاقيّة وكانت فرش الصعيد وأرض مصر والبجة فقلّت زعموا أنّ أحد أبويها وحشىّ والآخر أهلىّ فهى أسير حميرهم، فأمّا ارتفاع مصر وقتنا هذا وما صارت اليه جباياتها ودخلها فسآتى به وقد ذكرت ذلك فيما سلف [ووقتنا هذا كأرزح الأوقات جباية فإنّه على غاية الصون من دخول المطامع عليه وحذف ما كان يرتفق به الجباة والمقاطعون] وقد جبيت سنة تسع وخمسين وثلثمائة على يد أبى الحسن جوهر صاحب أهل المغرب وهى السنة الثانية من دخوله اليها ثلثة آلف ألف دينار وفوق أربع مائة ألف دينار، [وذلك أنّهم كانوا فيما سلف من الزمان يؤدّون عن الفدّان ثلاثة دنانير ونصفا وزائدا عن ذلك القليل الى نقص يسير فقبض منهم فى هذه السنة المذكورة عن الفدّان سبعة دنانير ولذلك ما انعقد هذا المال بهذا الوفور،] وأمّا أخرجة مصر فقبالة تقع على كلّ فدّان مقاطعة ويعطى الأكرة على ذلك مناشير ووثائق لكلّ ناحية على المساحة والفدّان بشىء معلوم ويؤدّون ذلك نحو ما على ما قدّمت ذكره من الثمن أوّلا ثمّ إتمام الربع ثانيا ثمّ

مطالبة بالثمن الثالث واستيفاء من بعد تمام النصف من مال الخراج فى شهر برموده، ومطالباتهم بالنجوم ليرتفقوا فى المعاملة بجميل السيرة ولا يلحقهم عنف ولا ينالهم مضايقة ولا رهق من الأذيّة عن سائر ما يزرعونه وليس هذه سنن إسلاميّة بل هى أوضاع توخّتها الفراعنة ليؤدّى الأكرة من الأرزّ فى الحنطة والشعير ومن الحنطة والشعير فى القصب والكتّان،

النص من طبعة ليدن، أعادت دار صادر ببيروت تصويرها، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «صورة الأرض»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.