من «صورة الأرض» لابن حوقل (ت بعد ٣٦٧هـ)
الجبال
والجبال وأعمالها مصاقبة لهذه الناحية، وهذا العمل والذي يشتمل على ماهى الكوفة والبصرة وما يتّصل بهما ممّا أدخلته فى أضعافها فحدّها الشرقىّ الى مفازة خراسان وفارس واصبهان وشرقىّ خوزستان»
وحدّها الغربىّ اذربيجان والشمالىّ بلاد الديلم وقزوين والرىّ وإنّما تفرّد الرىّ وقزوين وابهر وزنجان عن الجبال وتضمّ الى الديلم لأنّها محتفّة بجبالها على التقويس وحدّها الجنوبىّ العراق وبعض خوزستان، وهذه صورة الجبال، إيضاح ما يوجد فى صورة الجبال من الأسماء والنصوص، كتب فى أعلى الصورة صورة الجبال وعن يمين ذلك فى الزاوية المشرق وفى الزاوية اليسرى الشمال، ورسم تحت ذلك أربع سلسلات جبال تحيط بساحة مربّعة الشكل وكتب موازيا للسلسلة الفوقانيّة هذه جبال الديلم ويتّصل بالطرف الأيمن من هذه السلسلة جبل كتب عنده جبل دنباوند، ويوجد بين السلسلة اليمنى وطرف الصورة كتابة تشتبك خطوط كلماتها على شكل صليبىّ وهى مفازة فارس وخراسان، وكتب تحت السلسلة السفلى ناحية خوزستان ثمّ ناحية العراق كلاهما على شكل صليبىّ وعن يمين هاتين الكتابتين فى الزاوية الجنوب وعن يسارهما المغرب، وتعطف كتابة ناحية العراق الى الفوق موازية للسلسلة اليسرى وتليها الى الأعلى كتابة ناحية اذربيجان، ويتّصل بداخل السلسلة العليا من المدن الرى، الطالقان، قزوين، ابهر، ثمّ زنجان فى الزاوية، وبداخل السلسلة اليمنى قم، قاسان، اصبهان، ثمّ تتّصل بداخل السلسلة
السفلى شابرخاست، الصيمره، السيروان، الطزر ورسمت فى هذه الجبال متّصلة بخطّها التحتانىّ خان لنجان، اللور، ثمّ متّصلة بالزاوية اليسرى مدينة حلوان، وفى السلسلة اليسرى من المدن شهرزور وسهرورد، ويأخذ من الرى طريق الى شابرخاست عليه من المدن ساوه، اوه، بوسته، روذه، همذان، الروذراور، نهاوند، لاشتر، وعلى الطريق الآخذ من همذان الى اصبهان رامن، بروجرد، الكرج، البرج، ثمّ شكل مدينة لا اسم فيه ويجوز أنّها خونجان، وفى الساحة بين هذا الطريق والطريق الأوّل تقع فراونده والدارقان، وعلى الطريق من همذان الى ناحية حلوان قرميسين، المطامير، المرج، وتقع عن يسار همذان مدينة الدينور، وتوجد فى الساحة عن يسار الطريق من الرى الى همذان كتابة مشتبكة وهى مصائف الاكراد ومشاتيهم، والجبال تشتمل على مدن مشهورة ومعظمها همذان والدينور واصبهان وقم ولها مدن أصغر من هذه مثل قاسان ونهاوند واللور والكرج والبرج وسأذكر ما تقع الحاجة الى معرفته منها، فأمّا المسافات بها فالطريق من همذان وهى مدينة كبيرة حسنة جليلة المقدار لها أنهار وأشجار وعمل واسع وغلّات من سائر الغلّات وبها أهل تناية فيهم أدب وفضل ومروءة وهى على مرّ الأيّام والأوقات رخيصة الأسعار كثيرة الأغنام والألبان والأجبان وضروب التجارة من الزعفران المتّخذ بالروذراور وهو عمل من أعمالها ويزكو به، ومنها الى اسدآباذ وهى مدينة أيضا صالحة قويّة الأهل واسعة الرساتيق والدخل خمسة عشر
فرسخا، ومن اسدآباذ الى قصر اللصوص سبعة فراسخ وهى مدينة وفيها منبر استحدثها مونس المظفّر، ومن قصر اللصوص الى ماذران سبعة فراسخ ومن ماذران الى قنطرة النعمن خمسة فراسخ ومن قنطرة النعمن الى قرية أبى أيّوب أربعة فراسخ ومنها الى بهستون جبل عظيم [فرسخان] وقرية هناك تدعى سايسانان وفى هذا الجبل المذكور كهف فيه الفرس المصوّر عليه كسرى ويعرف بشبداز، ومن بهستون الى قرميسين ثمنية فراسخ وهى مدينة لطيفة فيها مياه جارية وشجر وثمر ورخص وأبّ وسائمة كثيرة وعيون متدفّقة وخيرات وتجارات، ومن قرميسين الى الزبيديّة منزل صالح ثمنية فراسخ ومن الزبيديّة الى مرج القلعة وهى مدينة عليها سور لطيف وهى لطيفة ولها مياه جارية وأغنام كالمجّان تسعة فراسخ، ومن المرج الى حلوان مدينة قد مرّ ذكرها فى وصف العراق لأنّها أوّل حدّها من نواحى الجبال عشرة فراسخ، الطريق من همذان الى الدينور فمن همذان الى مادران أربعة فراسخ ومن مادران الى راوذار أربعة فراسخ ومنها الى اسدآباذ مدينة قد مرّ ذكرها تسعة فراسخ ومن اسدآباذ الى صحنه تسعة فراسخ ومن صحنه الى الدينور ثمنية فراسخ فجميع ذلك ثلثون فرسخا، الطريق من همذان الى الرىّ فمن همذان الى ساوه ثلثون فرسخا وساوه مدينة طيّبة على الطريق الى العراق صالحة الحال كثيرة الجمال وأكثر الحجّاج يحجّون
على جمالهم لأنّهم مع قنيتهم الجمال جمّالون فيحملون أهل ما وراء النهر الى ما دون ذلك الى مكّة ومن ساوه الى الرىّ ثلثون فرسخا، الطريق من همذان الى اذربيجان فمن همذان الى بارسيان عشرة فراسخ ومن بارسيان الى اوذ ثمنية فراسخ ومن اوذ الى قزوين يومان وليس بين قزوين وهمذان مدينة، ومن قزوين الى ابهر اثنا عشر فرسخا ومن ابهر الى زنجان عشرون فرسخا وكانت ابهر مدينة جليلة فأناخ عليها الأكراد وعلى تلك النواحى والديلم فتغيّرت، وهذا الطريق أوّلا كان المعروف فأمّا إذا قلّ أمنهم فإنّهم يأخذون من همذان الى زنجان على سهرورد وبينهما ثلثون فرسخا، والطريق من همذان الى اصبهان فمن همذان الى رامن سبعة فراسخ وهى مدينة صالحة الحال، ومن رامن الى بروجرد أحد عشر فرسخا وبروجرد مدينة كبيرة أكبر من رامن وأحسن حالا فى جميع الوجوه، ومن بروجرد الى الكرج عشرة فراسخ وهى أيضا مدينة فوق بروجرد من كثرة الأهل وسداد الأحوال ووجود ما تدعو اليه الحاجة، ومن الكرج الى البرج اثنا عشر فرسخا وهى أيضا مدينة حسنة الحال، ومن البرج الى خونجان منزل عشرة فراسخ ومن خونجان الى اصبهان ثلثون فرسخا لا مدينة فيها، ومن همذان الى خوزستان فمن همذان الى الروذراور سبعة فراسخ والروذراور إقليم حسن وناحية شريفة ينبت فيها الزعفران الذي ليس بجميع الأرض لها شبه، ومن الروذراور الى نهاوند سبعة فراسخ وهى مدينة جليلة كثيرة التجارة والرساتيق والعمارة، ومن نهاوند الى لاشتر عشرة فراسخ ومن لاشتر الى الشابرخاست اثنا عشر فرسخا ومن الشابرخاست
الى اللور ثلثون فرسخا لا مدينة فيها ولا قرية، ومن اللور الى قنطرة اندامش مدينة فرسخان ومن قنطرة اندامش الى جندى سابور فرسخان، ومن همذان الى ساوه ثلثون فرسخا ومن ساوه الى قم اثنا عشر فرسخا تقطع فى يومين ومن قم الى قاسان اثنا عشر فرسخا، وقم وقاسان مدينتان جليلتان كثيرتا الخير والمير والدخل على السلطان والغالب على قمّ التشيّع وعلى قاسان الحشو، ومن الرىّ الى قزوين ثلثون فرسخا ولم يكن لقزوين نظير فى كثير من أعمال الجبال بل فى كلّها من يسار أهلها وتمكّنهم من الأدب ونفوذهم فى العلم وتعلّق أهلها بجميع وجوهه وتمسكهم قبل دخول الديلم عليهم بأسباب المروءات والتفضّل الى غير ذلك من أحوال السيادة والكرم وعلوّ النفوس والهمم وكم تخرّج »
بها من نفيس وعرف بالعراق وغيرها لهم من رئيس، ومن همذان الى الدينور نيّف وعشرون فرسخا ومن الدينور الى شهرزور أربع مراحل، ومن حلوان الى شهرزور أربع مراحل، ومن الدينور الى الصيمرة خمس مراحل، ومن الدينور الى السيروان أربع مراحل، ومن السيروان الى الصيمرة يوم، ومن اللور الى الكرج ستّ مراحل، ومن اصبهان الى قاسان ثلث مراحل، ومن قمّ الى قاسان مرحلتان، والمشهور من مدن الجبال ما ذكرته وهى همذان والروذراور ورامن وبروجرد والكرج وفراونده [ونهاوند] وقصر اللصوص ونهر زرنروذ وهو نهر اصبهان يسير وهذه المدن عليه تسايره وتصحبه [....] كاسداباذ والدينور وقرميسين والمرج وطزر وحومة سهرورد [وشهرزور] وزنجان وابهر
وسمنان وقم وقاسان وروذه وبوسته والكرج والبرج واصبهان وخان لنجان وبارمه مدينة [محدثة] والصيمرة ونواحى السيروان ودور الراسبىّ والطالقان، ذكر أحوالها ومقاديرها فى ذاتها، فهمذان مدينة كبيرة مقدارها فرسخ فى مثله محدثة إسلاميّة ولها سور وربض وللمدينة أربعة أبواب حديد وبناؤهم من طين ولها مياه وبساتين كثيرة وزروع سيح وبخوس خصبة من جميع الخير كثيرة التجارات والمير، والدينور فإنّها كثلثى همذان وهى مدينة أيضا كثيرة الثمار والزروع خصبة وأهلها أحسن طبعا من أهل همذان وفيها مياه ومستشرف وإن قلت أنّها تزيد على همذان من جهة آداب أهلها وتصرّفهم فى العلم واشتهارهم به [صدقت] ومنهم أبو محمّد عبد الله بن قتيبة الدينورىّ صاحب الكتب المؤلّفة وأبو حنيفة صاحب كتاب الأنواء وهو كتاب فى غاية الحسن والجمال وله كتاب النبات فى وجوه اللغة وغير ذلك من التآليف، واصبهان مدينتان إحداهما تعرف باليهوديّة والأخرى شهرستان وبينهما مقدار ميلين كقرطبه والزهراء بأرض الاندلس متباينتان وفى كلّ واحدة منهما منبر واليهوديّة أكبرهما وهى مثلا شهرستان فى الكبر وبناؤهما من طين وهما أخصب مدن الجبال وأوسعها عرصة وأكثرها مالا وأهلا وتجارة وسابلة ونعما وخيرات وفواكه وطيّبات، وهى فرضة لفارس والجبال وخراسان وخوزستان وليس بالجبال كلّها أكثر جمالا للحمولات منها،
ويرتفع منها العتّابىّ والوشى وسائر ثياب الإبريسم والقطن ما يجهّز بذلك الى العراق وفارس وسائر الجبال وخراسان وخوزستان وليس كعتّابىّ اصبهان فى الجودة والجوهريّة، وبها زعفران وفواكه تجلب الى العراق والى سائر النواحى وليس من العراق الى خراسان بعد الرىّ مدينة أكثر من اصبهان تجارة، وهى ذات نواح نزهة ورساتيق حسنة ومن وصل الى قربها من طريق فارس وصعد عقبة سرفراز أشرف على المدينتين والرساتيق المتّصلة بالبلد ورأى أنزه مكان وأطيبه ممّا يستوقف النظر وترتاح له النفس ولا يسأمه البصر، ومن كرائم هذه الرساتيق رستاق جى وبه من الضياع الحسنة والقرى الخطيرة ما يذكر أنّها على عدد أيّام السنة ويقال أنّ الإسكندر عند ابتنائه سور شهرستان جعل فيه ثلثمائة وخمسة وستّين برجا لكلّ ضيعة برجا ليتحصّن فيه عند الفزع ويأوى اليه أهلها عند الحصار وتغلّب الأشرار وذلك أنّ نواحى اصبهان كانت فى قديم الأيّام ثغرا من ثغور الترك والديلم، ومن الرساتيق المحيطة بالبلد رستاق لنجان ومهرين وجنبه وكراج وكدر وكه كاوسان وبرخوار وبراآن، وبهذه الرساتيق ضياع كبار آهلة غزيرة الغلّات ومنها ذوات منابر وخطباء وأسواق وحمّامات، وبالمدينة دور فاخرة وقصور لرؤسائها وأكابرها كقصر أبى علىّ بن رستم والساباط وبناؤه من جصّ وآجرّ وبالقرب منه الأرحية فى نهر زرنروذ وهو نهر لذيذ الماء طيّبه حسن المنظر بالقصور التى تركبه وتطلّ عليه وله جانبان ففى الشرقىّ قصر عبد الرحمن بن زياد وقصر ابن أبى الفضل فى سور كرينه، ومن الجانب الغربىّ زركاباذ وتاجه محلّتان كبيرتان وفيهما يعمل السقلاطون والعتّابىّ الرفيع والخزف وغيره،
ولكرينه سوق يجتمع فيه الناس كالموسم للشرب والقصف والعزف إبّان النيروز سبعة أيّام بأنواع الملاذّ وغرائب الزينة قد تأنّق حاضروه فى الاستعداد لمآكلهم ومشاربهم وادّخر أهل البلد ومن قصده من البعد وأطراف نواحيهم النفقات الواسعة والزينة الرائعة والملابس الحسنة والاحتفال لللعب والطرب فيعتكفون على لذّاتهم ويتبارون فى مجالسهم ونشواتهم بحذّاق المسمعين والمسمعات على شاطئ الوادى وفى القصور قد ركبوا السطوح وغصّوا الأسواق بنهاية الاحتفال فى المآكل والمشارب والأنقال موصولا ليلهم بنهارهم لا يفترون ولا يعارضون ولا يمنعون قد أوسعهم سلاطينهم ذلك واتّصلت العادة على مرّ الأوقات واختلاف السنين والساعات بترك العرض لهم والأخذ على أيديهم، ويقال أنّ نفقاتهم فى هذا السوق عند حلول الشمس الحمل يبلغ مائين ألوف دراهم مع مكنتهم من الفواكه الحسنة اللذيذة والمآكل الطيّبة الفاخرة والمشارب التى كالمجّان لرخصها وكثرتها إذ العنب يباع لديهم بمنّهم وهو أربع مائة درهم مائة منّا بخمسة دراهم ويكون المستخرج من عصيره نحو سبعين منّا يقوم بخمسة دراهم، وأمّا فواكههم فلجودتها وحلاوتها وصحّتها يلحق عتيقها بطراءة حديثها كالكمّثرى والصينىّ والسفرجل والرمّان والتفّاح الكلمانىّ وكلمان ضيعة نفيسة بقرب اليهوديّة ولتفّاحها ذكاء فى الرائحة ولذّة فى الطعم وحسن فى المنظر وتعلّق أعنابهم فى المخازن والأهراء، وبالقرب من المدينة ماربانان ويقال إنّ بساتينها فى مساحة فرسخ عن يمين وشمال منها وهى من غربىّ اصبهان ويقال إنّ خراجها مائة ألف درهم والمعوّل فى الجمد والثلج على ما يعمل بهذه القرية لكثرته وتمكّنهم من عمله وقد يعمل الجمد الكثير بغيرها وبها من الفواكه الغزير الكثير وهى من جانب النهر الغربىّ، وبأسفل منها على نهر الوادى ضيعتان كبيرتان تدعى إحداهنّ بتروكان والأخرى مهروكان فى أنزه صقع ومكان وأنضره ويخرج
من مهروكان ماء من عين عظيمة غزيرة دائمة الجرى تدعى بياسرم وعليها ضياع عدّة وهذه العين فى شاطئ زرنروذ وبينها وبين النهر رمية سهم، وأصل وادى زرنزوذ من خانان»
من أصل جبل عظيم شاهق سامق ويخرج من شرقيّه ماء اصبهان ومن غربيّه ماء الاهواز ويسمّى نهر الاهواز عند خروجه مانان، ووادى زرنروذ فى أصله واديان متباينان أحدهما من خانان والآخر من خنكان من ناحية يقال لها فريذين وبهذه الناحية ضياع كثيرة ورساتيق واسعة غزيرة ويحمل منها ضروب المتاجر والمآكل كالعسل والسمن والزبيب وأنواع الغلّات من الحبوب وبها من ماشية الغنم والبقر والخصب والخير والسعة ما يضاهى به الأماكن المشار اليها بالكمال من الخصب وأنواع المحاسن ولين العيش، وبينها وبين اصبهان نحو عشرين فرسخا وهذا الوادى يقع فى وادى خانان بقرب الروذبار وله غلّات غزيرة وأنواع من ذلك كثيرة خطيرة متّصلة الميرة، وكانت فى قديم الأيّام هذه الناحية فى حيّز الصعاليك وأهل الفساد والدعارة وكان مغيض مياهها الى خان لنجان وخان لنجان مدينة صغيرة خصبة كثيرة الخير ولها ناحية ورستاق كأطيب ما يكون بمياهه ومشاجره وبها من الخوخ الحسن اللذيذ ولها قلعة عظيمة وهى خزانة لأمرائهم تشرف على خان لنجان ونواحيها الى قرب اصبهان وبينها وبين المدينة تسعة فراسخ، وبعض هذا الماء على رستاق مهرين وبها تلّ عظيم كالجبل وعليه قلعة وفيها بيت نار فيقال أنّ ناره من قديم النيران الأزليّة وقد توكّل بهذه النار سدنه عليها من المجوس وحفظة لها فيهم يسار شائع لأنّهم يتّخذون الأشربة فيعتّقونها ويقصدون لجودتها عندهم فيبيعونها ويربحون فيها، وقد مرّ القول أنّ ماء زرنروذ يجرى على باب شهرستان عند السور نفسه ويقع
فيه أودية وعيون كثيرة فيقع عليها القسمة والحساب بحقّ المشارب حتّى لا يضيع من ماء زرنروذ شىء بوجه، ويخرج من جملة هذا الماء تسعة أيّام فى الشهر لرستاق رويدست وبراآن وهى ناحية جليلة وبها نحو عشرة منابر ولها غلّات واسعة وأكثر مير اصبهان تجلب منها، ويصرف ماء زرنروذ بأجمعه أيّام الزراعة ووقت اشتغال الناس بالبزور أربعين يوما اليها الى حين يفرغ الزرع، وآخر مياه زرنروذ يصل الى الضيعة المدعوّة برزند وهى للمجوس خاصّة ويغيض فى الأرض بينها وبين قورطان ضيعة يعمل بها البسط ويقال أنّ هذا الماء يغور بكرمان فى بحيرة تعرف بطهفيروز ويكون المكان الذي يقع اليه هذا الماء نحو تسعة فراسخ كالسبخة فلا يقدر الإنسان أن يمشى عليها إلّا على دفّتين من خشب أو كفّتين من حبال تكون تحت قدميه وهى على طرف مفازة خراسان من نواحى كرمان، وفى ضمن اصبهان ناحيتان جليلتان يقال لإحداهما برخوار وبها نحو مائة ضيعة ومياه هذه الناحية فى القنىّ مصرّفة فى أقطانهم وسماسمهم وضروب غلّاتهم من الدخن وغيره وبها من الجمال والجمّالين للحمولات الغزير الكثير، والناحية الأخرى تعرف برستاق كه كاوسان وبها حمّة موصوفة للأورام والعلل القديمة والأسقام وتقصد من جميع نواحيهم فيرجع المقعد منها على رجليه سليما ماشيا والمريض صحيحا ويدور بها رساتيق كثيرة، ويقال أنّ أصل اصبهان كان هناك فى قديم الأيّام وسالف الدهر الى أيّام بخت نصر وقدوم اليهود من الشأم ناقلة الى هذه الناحية وكانوا قد استصحبوا من تربة بلدهم ومياههم وهربوا من ناحيتهم فقالوا نقصد موضعا يشاكل ناحيتنا ويشبه بلدنا وتربتنا ونزلوا بالمكان المعروف اليوم باليهوديّة وبالموضع الذي يعرف منها باشكهان واشكهان كلمة باليهوديّة وقايسوا التربة والماء فقالوا بلسانهم اشكهان أى نقعد هاهنا، وكان
المكان فى الوقت أرضا بورا غامرة لا ساكن بها فأحدثوا المنازل وتصرّفوا فى وجوه العمارة والفلاحة وأسباب الغروس والزراعة وسكنوا، وكان بنواحى صايك مدينة يرتفق أهلها بمراعى هذه الناحية ويتصرّفونها فثقل عليهم ما حدث بجوارهم من الأسباب فيقال إنّهم مانعوهم عمّا أرادوه من بعض متصرّفاتهم فجرت بينهم حروب واتّصلت بينهم وقائع وشغوب وتطاولت بهم المشاغبة والمواثبة الى أن صارت الغلبة لليهود وتمّ بذلك ما حاولوه من تأسيس اليهوديّة وتصرّف أربابهم فى الغروس على المياه واستنبطوها من مظانّها وأجروها فى عماراتهم وكثرت إصاباتهم بالزروع فى الأراضى البور واقتنوا الماشية وما يضطرّ اليه أهل الأمصار وتمصّرت فسكنها من رغب فى رفاهة العيش ورغده وتوطّنها كبار دهاقين الجاهليّة وسراة تنّاء الإسلام وأرباب النعم، وقرأت فى بعض الكتب أنّ خراجها فى بعض الأوقات كان يبلغ اثنى عشر ألف ألف درهم، والغالب على أربابهما الرغبة فى الخير وحسن ذكر السلف وحبّ المعروف وفعله وكان منهم......، وكانت المدينة أحسن حالا وأكثر تجارة وأموالا من اليهوديّة وكان بها قوم سراة ووليها سادة من الولاة وقصدها عالم من الناقلة والطراة ومنهم......
والكرج مدينة متفرّقة ليس لها اجتماع المدن وتعرف بكرج أبى دلف وكانت مسكنا له ولآله وأولاده الى أن زالت أيّامهم وبناؤهم كبناء الملوك قصور عالية وأبنية واسعة وفضاء وفسحة ولها زروع ومواش وليس بها كثير بساتين ومنتزهات وفواكههم من بروجرد وغيرها
وبناؤهم من طين وهى مدينة طويلة نحو فرسخين ولها سوقان أحدهما على باب مسجد الجامع وهو مديد طويل وسوق آخر وبينهما صحراء كبيرة وتصاقبهما الأبنية والمنازل والمساكن والحمّامات، وبروجرد مدينة استحدث فيها منبرا حمويه بن علىّ وزير آل أبى دلف وهى مدينة خصبة كثيرة الخير تحمل فواكهها الى الكرج وغيرها حتّى الى همذان والدينور وطولها أكثر من عرضها وطولها نحو نصف فرسخ وبها زعفران كثير، ونهاوند على جبل وهى مدينة بناؤها من طين وفيها أنهار وبساتين وفواكه كثيرة تحمل الى العراق لجودتها وكثرتها وبها جامعان أحدهما عتيق والآخر محدث واليها يرتفع زعفران الروذراور وهو رستاق كبير عظيم يزرع فيه الزعفران مشهور المحلّ والمقدار والمنبر منه بموضع يعرف بكرج الروذراور وله قرى كثيرة، وهى مدينة صغيرة بناؤها من طين وهى خصبة بها مياه وثمار وزروع ويرتفع منها [من] الزعفران ما لا يرتفع من غيرها من مدن الجبال فيجهّز الى العراق وسائر النواحى لكثرته وجودته، وحلوان مدينة فى سفح الجبل المطلّ على العراق وهى مصوّرة فى ضمنه [ويزعم بعض الناس أنّ حلوان من العراق ويزعم الأكثرون أنّها جبليّة يسقط فيها الثلج وهى من الجبال بلا منازعة] وبناؤها من طين وحجارة وهى نحو نصف الدينور ويكون الثلج منها على فرسخين غير منقطع أبدا وهى مدينة حارّة فيها نخيل وشجر [تين] كثير موصوف ومياه وأودية تتخرّق فى أعمالها ورمّانها موصوف وتينها مشهور وبالحلاوة معروف وقد نالها بعض اختلالها فى سوادها، وأمّا الصيمرة والسيروان فمدينتان صغيرتان غير أنّ الغالب على بنائهما الجصّ والحجر كمدينة الموصل وتكريت فى أبنيتهما وفيهما الثمر الكثير والجوز والدستنبويه وما يكون فى بلاد الصرود والجروم
وفيهما مياه وأشجار وزروع وهما نزهتان تجرى المياه فى دورهم ومحالّهم، وشهرزور مدينة صغيرة قد [غلب] عليها الأكراد وعلى ما قاربها ودنا من العراق وليس بها أمير من قبل السلطان ولا عامل على وجوه أموالها وهى من رغد العيش وكثرة الرخص وحسن المكان وخصب الناحية بحالة واسعة وصورة رائعة»
، وكذلك مدينة سهرورد كشهرزور فى الأوصاف التى قدّمتها من ذكر خيراتها [وقد غلب عليها الأكراد] وهى كهى فى قدر مساحتها ورقعتها وكان أكثر أهلها الشراة فانتقلوا عنها ومن سقطت نفسه ورضى بالهوان [أقام] لمحبّة المنشأ والوطن وهما حصينتان عليهما سوران، وقزوين مدينة عليها حصن وفى داخل المدينة جامعها وهى منهل للديلم وكانت فى بعض أيّام بنى العبّاس ثغرا يغزون الديلم منه وبينها وبين مستقرّ عتاة الديلم اثنا عشر فرسخا والطالقان أقرب الى الديلم منها وليس لقزوين ماء جار إلّا مقدار شربهم ويجرى هذا الماء فى مسجد الجامع فى قناة وهو ماء وبىء ولهم أشجار وكروم وزروع كلّها عذى تزكو حتّى تحمل من عندهم، وكان لها أهل شراة لا يغبّهم الزوّار والطراة وفيهم خير بالطبع واصطناع له ومنهم أبو القسم علىّ بن جعفر بن حسّان المتكلّم على مذاهب البصريّين وكان من كبار أهل الفلسفة المعدودين بالحفظ وتركته فى جملة حاشية أبى جعفر العتبىّ وشمله ويتصرّف فى أعمال البريد بما وراء النهر،
وقمّ مدينة عليها سور وهى خصبة وشرب أهلها من أبآرها ومياه بساتينها من سوان وبها فواكه وأشجار فستق وبندق وليس بتلك الناحية من البندق إلّا بمدينة لاشتر ففيها منه الكثير الغزير وليس بجميع الجبال نخيل الّا ما بالصيمرة والسيروان وما بشابرخاست وهى نخيل قليلة غير أنّها لقربها من العراق جياد وجميع أهل قمّ شيعة لا يغادرهم أحد والغالب عليهم العرب ولسانهم الفارسيّة، وقاسان مدينة صغيرة بناؤها وبناء قمّ من الطين وسائر ما ذكرنا من مدن الجبال سوى الرىّ فإنّها بالجصّ وجميعها لطاف متقاربة، وليس بجميع الجبال بحيرة صغيرة ولا كبيرة ولا اتّصال بشىء منها ولا نهر يجرى فيه السفن غير النهرين المفضيين بين جبال الجزيرة جائية من نواحى ارمينيه على جبال داسن ويعرفان بالزابيين وكأنّهما وإن كانا من الجبال يخرجان فليسا منها لأنّهما الى الدجلة يفرغان وفيها يقعان ورأيتهما جميعا ومخرجهما من جبال الجزيرة وتلقاء اذربيجان الى نواحى الموصل، والغالب على هذه المدن المذكورة والنواحى الموصوفة الجبال الشاهقة العالية والأوعار الصعبة المنيعة إلّا ما بين همذان الى الرىّ والى قمّ فإنّ الغالب عليها السهل والجبال بها قليلة، والذي يحيط بالجبال الصعبة من حدّ شهرزور الى آمد فيما بين حدود اذربيجان والجزيرة ونواحى الموصل وهو من طولها وربّما كان عرضها فى غير موضع الثلثين فرسخا والى الأربعين وأزيد وأنقص فلا يرى فيها مرحلة واحدة فى سهل وهذه الجبال مسكونة مأهولة بالأكراد الحميديّة واللاريّة والهذبانيّة وغيرهم من أكراد شهرزور وسهرورد [ومن شهرزور] الى حلوان والصيمرة
والسيروان واللور واصبهان وحدّ فارس راجعا على قاسان الى همذان حتّى ينتهى الى قزوين ونواحى الديلم، وتمتدّ الجبال فى اذربيجان بين وعر وسهل وجبل الى جبل القبق على جبال الخرّميّة، وأسافل هذه الجبال من نواحى شهرزور الى نواحى قاسان وحدود خوزستان تعرف بالماهين ماه الكوفة وماه البصرة، وإنّما أضيفت [جبال] الديلم اليهم إذ كانت قائمة بأنفسها ولها ملوك وكأنّ اتّصالها واحد من جهة المشرق بجبال طبرستان وجرجان ومن جهة المغرب بجبال اذربيجان وليس بينهما حاجز تستحقّ إفرادا به وقد أضيفت الديلم فى غير وقت الى عمل خراسان ومرّة الى اذربيجان، والرىّ مدينة ليس بعد بغداذ فى المشرق مدينة أعمر منها إلّا أنّ نيسابور أكبر منها عرصة وأفسح رقعة فأمّا اشتباك البناء ويسار الأهل والخصب والعمارة فهى أعمر ومقدارها فرسخ ونصف فى مثله والغالب على بنائها الطين وبها الجصّ والحجر فى بعض أبنيتها، ومن الجبال المذكورة بهذه النواحى جبل دنباوند مرتفع حتّى يرى فيما بلغنى من خمسين فرسخا لارتفاعه وما بلغنى أنّ أحدا ارتقاه ويتحدّث عنه بخرافات كثيرة من أمر السحر وأنّ السحرة من جميع أقطار الأرض تأوى اليه، وجبل بهستون جبل منيع لا يرتقى الى ذروته أيضا وطريق الحاجّ من نيسابور الى حلوان تحته وفى بعضه ووجهه من أعلاه الى أسفله أملس قد عمل وجرد ويكون من الرىّ الى حلوان بهذه الصفة حتّى كأنّه قد نحت منه [مقدار] قامات كثيرة من الأرض، ويزعم بعض
الناس وأظنّه عمرو بن بحر الجاحظ فى كتاب البلدان [له وهو كتاب نفيس له فى معرفة الأمصار] أنّ بعض الأكاسرة أراد أن يتّخذ بجوف هذا الجبل سوقا ليدلّ به على قوّته وسلطانه، وعلى ظهر هذا الجبل ممّا يقرب من الطريق الآخذ الى العراق مكان يشبه الغار فيه عين ماء تجرى وهناك صورة دابّة كأحسن ما يكون من الصور ويزعمون أنّه صورة دابّة كسرى المسمّى شبداز وعليه صورة كسرى من حجر وصورة امرأته شيرين فى سقف هذا الغار، وأخبرنى من رأى فى هذا الجبل على الغار من فوقه بمسيرة بعيدة صورة مكتب ومعلّم وصبيان من حجارة وبيد معلّمهم كالسير يومئ به لضرب الصبيان وأنّه رأى هناك مطبخا وطبّاخه قائما وقدوره منصوبة على أثاف معمولة منقوبة وبيد الطبّاخ مغرفة [كلّ ذلك] من حجارة، وليس بهذه النواحى جبل مذكور مشهور غير ما ذكرته، [وجبل سبلان المطلّ على مدينة اردبيل عندى أعظم من دنباوند غير أنّه منقطع عن الجبال التى تصاقبه فهو يرى فى دون منزلته من العلوّ والسموّ وما رأيت من رقى ذروته، وجبل الحارث بدبيل أعظم منهما، وجبال الخرّميّة جبال منيفة فيها الخرّميّة وكان بابك منها ولهم بقراهم مساجد ويقرءون القرآن ويتقوّل عليهم فى خلال ذلك أنّهم لا يدينون فى الباطن بدين غير الإباحة،] ونقود أهل هذه النواحى الذهب والفضّة ويغلب الذهب على الفضّة، وأمّا أوزانهم فإنّ منّ همذان والماهات أربع مائة درهم، وليس بجميع الجبال معدن ذهب ولا فضّة غير أنّ بقرب اصبهان معدنا للكحل مصاقبا لفارس، والغالب على [أهل] الجبال كلّها قنية الأغنام وعلى
مطاعمهم الألبان وما يكون منها ولهم ممّا يتّخذ من اللبن أنواع طيّبة لذيذة كالمايستنج والجبن المحمول الى كثير من أعمال الأرض ويوصف بالجودة، وكان السراة من أهلها والتنّاء من رجالها يختصّون بضروب من المروءة وأنواع السيادة والرياسة، وأمّا الديوان منها ودار الإمارة بها فى وقتنا هذا فبالرىّ لأنّ ملكها كان أبا علىّ الحسن بن بويه وقد كان قطن بها واستوطنها وهى بأجمعها له وفى يديه وجبايتها واصلة الى أهله من بعده والمرتفع منها الى المقيم بها فى هذا الوقت [....]،
النص من طبعة ليدن، أعادت دار صادر ببيروت تصويرها، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع