من «صورة الأرض» لابن حوقل (ت بعد ٣٦٧هـ)
فارس (٢)
ومن جور الى كازرون ستّة عشر فرسخا، ومن سيراف الى نجيرم اثنا عشر فرسخا، ومن مهروبان الى حصن ابن عمارة وهو طول فارس على البحر نحو مائة وستّين فرسخا، والذي يحيط بالمفازة من حدّ كرمان الى حدّ اصبهان من روذان الى انار ثمنية عشر فرسخا ومن انار الى الفهرج خمسة وعشرون فرسخا ومن الفهرج الى كثه خمسة فراسخ ومن كثه الى ميبذ [عشرة فراسخ ومن ميبذ] الى عقده عشرة فراسخ ومن عقده الى نايين خمسة عشر فرسخا ومن نايين الى اصبهان خمسة وعشرون فرسخا فمن روذان الى نايين ثلثة وثمنون فرسخا، ومسافة الحدّ الذي يلى كرمان من حدّ السيف من لدن حصن ابن عمارة الى أن ينتهى الى تارم ثمّ يمتدّ الى الروذان حتّى ينتهى الى برّيّة خراسان مثل ما من البحر على خطّ مستقيم الى شيراز الى أن ينتهى الى مفازة خراسان وهو مائة وعشرون فرسخا، والحدّ الذي يلى خوزستان من فارس ومهروبان حتّى ينتهى الى الرجان وبلاد سابور والسردن الى أوّل حدّ اصبهان نحو ستّين فرسخا، ذكر المياه والهواء والتربة بفارس، وأرض فارس مقسومة على خطّ من لدن الرجان الى النوبندجان الى كازرون الى جرّه ثمّ على حدود السيف الى كارزين حتّى يمتدّ على الزم ودارابجرد الى فرج وتارم فما كان ممّا يلى ناحية الجنوب فجروم وما كان ممّا يلى الشمال فصرود، ويقع فى جرومها الرجان والنوبندجان ومهروبان وسينيز وجنّابه وتوّج ودشت
الرستقان وجرّه وداذين ومور وكارزين ودشت بارين وجينزير ودشت البوشقان وزم اللوالجان وكير وكبرين وابزر وسميران وخمايجان وكران وسيراف ونجيرم وحصن ابن عمارة وما فى أضعاف ذلك، ويقع فى الصرود اصطخر والبيضاء ومايين وابرج وكام فيروز وكرد وخلّار وسروستان والاوسبنجان والارد والرون وصرام وبازرنج والسردن والخرّمه والخيره والنيريز والماشكانات والايج والاصطهبانات وبرم ورهنان وبوّان وطرخيشان والجوبرقان واقليد والسرمق وابرقويه ويزد وجارين ونايين وما فى أضعاف ذلك من البلاد والنجاد، وعلى الحدّين مدن فيها ما فى الصرود والجروم من النخيل والجوز مثل فسا وجور وشيراز وسابور والنوبندجان وكازرون، وأمّا الصرود ففيها أماكن تبلغ من شدّة البرد أن لا ينبت عندهم شىء من الفواكه والبقول سوى الزرع كالارد والرون وكرد والرساتيق الاصطخريّة والرهنان، وأمّا الجروم فإنّ بها ما يبلغ من شدّة الحرّ فى الصيف الصائف أن لا يثبت عندهم شىء من الطير لشدّة الحرّ مثل الاغرستان وهى رستاق، ولقد خبّر بعض الناس
بعض الملوك أنّه كان فى بيت يشرف على واد فيه حجارة نصف النهار فرأى الحجارة تتفلّق فيه كما تنفلق فى النار، والصرود كلّها صحيحة الهواء والجروم فالغالب عليها فساد الهواء وتغيير الألوان وليس فيها أكثر وباء من مدينة دارابجرد ثمّ توّج وأصحّ الهواء من جرومها الرجان وسيراف وجنّابه وسينيز، وأعدل هواء هذه المدن ما كان من هذين الحدّين كشيراز وفسا وكازرون وجور وغير ذلك وليس بجميع فارس هواء أصحّ من [هواء] كازرون ولا أصلح أبدانا وأحسن أبشارا من أهلها، وأصحّ مياهها ماء كر وأردأها ماء دارابجرد، فأمّا زيّهم ولباسهم وأحوالهم فالغالب على خلقهم النحافة وخفّة الشعر وسمرة الألوان وأهل الصرود أعبل أبدانا وأكثر شعورا وأشدّ بياضا، ولهم ثلثة ألسنة الفارسيّة التى يتكلّمون بها وجميع أهل فارس يفقهونها ويكلّم بعضهم لبعض بها إلّا ألفاظا تختلف لا تستعجم على عامّتهم ولسانهم الذي به كتب العجم وأيّامهم ومكاتبات المجوس فيما بينهم من الفهلويّة التى تحتاج الى تفسير حتّى يعرفها الفرس ولسان العربيّة الذي به مكاتبات السلطان والدواوين وعامّة الناس، وأمّا زيّهم فكان السلطان زيّه الأقبية وقد تلبس سلاطينهم الدراريع وإن كانوا فرسا ومن لبس الدراريع منهم أوسع فروجها وعرّض جرّباناتها وجيوب دراريعهم كدراريع الكتّاب والعمائم تحتها القلانس المرتفعة ويلبسون السيوف بحمائل وفى أوساطهم المناطق وخفافهم تصغر عن خفاف أهل خراسان، وقد تغيّر زىّ سلطانهم فى وقتنا هذا لأنّ الغالب على أصحابه لباس الديلم، وقضاتهم يلبسون الدنيّات وما أشبهها من القلانس المشمّرة عن الأذنين مع الطيالسة والقمص والجباب ولا يلبسون درّاعة ولا خفّا بكسرة ولا قلنسوة تغطّى الأذنين، وكتّابهم يلبسون ملابس كتّاب العراق ولا يستعملون القبى ولا الطيلسان، وتنّاؤهم بين لباس الكتّاب والتجّار من الطيالسة
والأردية والأكسية القومسىّ والخزّ والعمائم والخفاف التى لا كسر فيها والقمص والجباب والمبطّنات ويتفاضلون فى جودة الملابس وحسن الزىّ وزيّهم كزىّ أهل العراق، والغالب على أخلاق ملوكهم وخدمهم والتنّاء منهم والمخالطين للسلطان من عمّال الدواوين وغيرهم والداخلين عليهم استعمال المروءة فى أحوالهم وإقامة الوظائف والمطابخ وتحسين الموائد بالمطاعم وكثرة الطعام وإحضار الحلاوى والفواكه قبل الموائد والنزاهة عمّا يقبح به الحديث من الأخلاق الدنيّة وترك المجاهرة بالفواحش والمبالغة فى تحسين دورهم ولباسهم وموائدهم والمنافسة فيما بينهم فى ذلك والأدب الظاهر فيما بينهم والعلم الشائع فى جميعهم، وأمّا تجّارهم فالغالب عليهم محبّة الجمع للمال والحرص فوق من سواهم من أهل الأمصار، فأمّا أهل سيراف والسواحل فربّما غاب أحدهم عامّة عمره فى البحر، ولقد بلغنى أنّ رجلا من سيراف ألف البحر حتّى ذكر أنّه لم يخرج من السفينة نحو أربعين سنة وكان إذا قارب البرّ أخرج صاحبه فقضى حوائجه فى كلّ مدينة ويتحوّل من سفينة الى أخرى إذا انكسرت أو احتيج الى إصلاحها، ولقد حظّوا من ذلك بحظّ جزيل وهم أهل صبر على الغربة وفيهم اليسار [الظاهر حيث كانوا]، ولقد رأيت بالبصرة منهم أبا بكر أحمد بن عمر السيرافىّ فى سنة خمسين وثلثمائة وقد قدمت عليه بكتاب من يعزّ عليه فى مهمّ له فأخذ الكتاب من حيث لم ينظر الىّ فقرأه ثمّ وضعه من يده ولم يعرنى لحظ عين وسأله فى الكتاب مخاطبتى على معانيه واستعلام ما عرّض فيه من مخاطبته وما بينهما ممّا يجب وقوفه عليه من جهتى كالمستشهد بعلمى بعد تعريفه فى الكتاب صورتى ومحلّى منه، ثمّ أقبل على بعض خدمه وذكر مراكبه وحاله فوثبت
غيظا وتركته وأنا لا أبصر ما بين يدىّ من شدّة ما نالنى وداخلنى بإعراضه عنّى فكأنّه لاحظ مكانى فقال ما فعل الرجل فقيل من هو فقال صاحب فلان فقيل له وبصاحب فلان فعلت هذا الانقباض لقد خرج وهو لا يبصر ما بين يديه ألما وغيظا فقال علىّ به فلحقنى كاتب له وقد بثّ جماعة غيره فى طلبى فى الطريق الذي قصدت له فقال إنّ الشيخ تألّم من خروجك بغير إذنه وعرّفناه ما ظهر لنا منك وقد أنفذنا لردّك فقلت والله لقد رأيت أكثر ملوك الأرض ومن تحت أيديهم من الناس على اختلاف أطوارهم وتباين أحوالهم وهم قطب الصلف فما رأيت رجلا أكثر زهوا ولا أقبح صلفا وبأوا منه، فقال لى كاتبه وحقّ له ذلك هذا رجل اعتلّ فى سنة ثمانى وأربعين علّة خيف عليه منها فأوصى فبلغ ثلث ماله مع شىء استزاده على الثلث لأنّه لا وارث له فبلغت وصيّته تسع مائة ألف دينار بين مركب قائم بنفسه وآلته فى يد وكيل معلوم ما لديه وعنده بالحسبانات الظاهرة والقبوض المعلومة المعروفة من جهاتها وأوقاتها الى بربهار ومتاع من جوهر وعطر فى خانباراته ومخازنه وقلّ مركب خطف له الى ناحية من نواحى الهند أو الزنج أو الصين فكان له فيه شريك أو كرىّ إلّا على حسب التفضّل على المحمول بغير أجرة ولا عوض فأفحمنى قوله وعدت اليه فاعتذر ممّا كان، وهذا وإن زاد على الثلث فلعلّه أوصى بنصف ماله وما سمعت أنّ أحدا من التجّار ملك هذا المقدار ولا تصرّف فيه ولا من وديعة سلطان لأنّها حكاية إذا اعتبرت كالجزاف يستوحش من حكايتها، وما علمت مدينة فى برّ ولا بحر يجتمع بالمشرق فيها قوم من الفرس مقيمون إلّا وهم فى أعفّهم طريقة وأحسنهم طبقة وفيهم علم وأكثرهم يقول بالوعيد على مذاهب أهل البصرة والى الاعتزال ميلهم
ومن كان خاصّة من أهل جرومهم رأى تفضيل أبى علىّ بن عبد الوهّاب الجبّائىّ على الجميع واليه ينحون وبه يأتمّون، وأهل الصرود من أهل شيراز واصطخر وفسا فالغالب عليهم مذاهب الحشو وفى الفتيا مذاهب أهل الحديث، وبفارس اليهود والنصارى والمجوس وليس فيهم صابئ ولا سامرىّ وأكثر أهل الملل فيهم المجوس واليهود أقلّ من النصارى وليس المجوس بدار أكثر منهم بفارس لأنّ بها كانت دار مملكتهم وأديانهم وكتبهم وبيوت نيرانهم يتوارثون ذلك فى أيديهم الى وقتنا هذا، وبفارس سنّة جميلة وعادة فيما بينهم وفضيلة من تفضيل أهل البيوتات القديمة وإكرام أهل النعم الأزليّة وفيها بيوت يتوارثون فيما بينهم أعمال الدواوين على قديم أيّامهم الى يومنا هذا منهم آل حبيب وكان مشايخهم مدركا وأحمد والفضل بنو حبيب وأصلهم من كام فيروز ومنشأهم شيراز قطنوها وتقلّدوا الأعمال الجليلة الشريفة، وكان المأمون استدعى مدرك بن حبيب للحساب وغيره من وجوه الخدمة وحظى عنده وقرأ عليه فمات ببغداذ أيّام المعتصم واتّهم يحيى بن أكثم به، وآل أبى صفيّة من موالى باهلة منهم يحيى وعبد الرحمن وعبد الله بنو محمّد بن اسماعيل ناقلة توطّنوا بها، وآل المرزبان بن زاذبه اليهم فى الأعمال وكان الحسن بن المرزبان بندارا لمحمّد بن واصل ومن بعده ليعقوب بن الليث، وخدم علىّ بن المرزبان عمرو بن الليث على ديوان الاستدراك فزادت عنده منزلته لنبل كان فيه وفضل وبراعة وإخوته الحسن وسهل والفضل ومحمّد ومنصور، وشيخنا أبو منصور أحمد بن عبيد الله من ولده والى يومنا هذا تجرى أعمال الدواوين بينهم، ولقيت أبا جعفر بن سهل ابن المرزبان كاتب أبى الحرث بن افرغون وهو حىّ الى يومنا هذا ولا
والله الذي لا إله غيره ما رأيت أحدا قبله ولا بعده اجتمعت الألسن على حمده بفضله وكرمه كاجتماعها عليه لأنّ السنن المقروؤة والآثار المرويّة ومن أدركناه فى عصرنا ممّن تعلّق باسم الكرم ودإب ونصب فى طلبه يمدح ويذمّ غيره فلم أر له ذامّا ولا مستزيدا بوجه من الوجوه ولا سبب من الأسباب ولم يدخل خراسان منذ خمسين سنة أحد ليس عليه له فضل ويد يشكرها وإن لم يلقه قصده بالمكاتبة والتحف عليه بجميعه حتّى أنّه احتال فى إيصال فضله وتشييد مكارمه الى من لا يمكنه قصده ولا يضع نفسه للحاجة اليه فأقام فى رباطات جعلها واستحدثها فى ضياع وقفها على مصالحها بقرا سائمة تحلب ويأخذ ألبانها القوّام عليها ويقصدون المجتازين عليهم والمارّين بهم غير النازلين عندهم مع شىء من الأطعمة منها ومن غيرها على مقدار السابلة والمارّة بهم فيسقون رائبها مع الهواجر برّا لبنى السبيل المارّين والجائين على ضياعه بهذا اللطف والوجه الحسن، وما من قرية ورباط له فيها ملك إلّا وفيه المائة بقرة الى ما فوق ذلك لهذا الوجه والمقصد دون بقره العاملة فى أسباب منافعه، وله غير نظير بخراسان ممّن يقصد أفعال الخير وإفشاء المعروف بما وراء النهر لا يدانيه ولا يقاربه فى هذا الباب ولا فى غيره، وأهله آل المرزبان ابن فرّابنداذ أقدم أهل هذه البيوتات فى العجم وأكثرهم عددا منهم أبو سعيد الحسن بن عبد الله ونصر بن منصور بن المرزبان وعبد الرحمن ابن الحسين بن المرزبان وفرّابنداذ بن مردشارى بن المرزبان وأحمد ابن فرّابنداذ فى جماعة أقصر عن معرفتهم وعددهم، وعلىّ بن خرّشاد
وأولاده الحسين والحسن وأحمد الى نحو أيّامنا هذه كانوا يتولّون بفارس الدواوين مع من ذكرته من أهل البيوتات المتقدّم ذكرها ووصفها، وقد انتحل قوم من الفرس ديانات ومذاهب خرجوا بها عن المذاهب المشهورة فدعوا اليها وانتصبوا لها ولولا أنّ إهمال ذكرهم وترك وصفهم ضرب من العصبيّة على الدين وباب من التحامل عليه لأضربت عنه ولكن ندكر المستفاض وما بمن يقرأ هذا الكتاب حاجة الى معرفته وضرورة الى علمه دون الاستقصاء لذلك إذ الأخبار قد أتت به واعتقد الناس فيهم القبيح ووقفوا منهم على التلبيس المذموم وتأليف الكتب بالقذف للإسلام والبراءة منه بعد تأليف شىء منها جلبوا به القلوب ودعوا اليه العامّة ومن لا رياضة له بالعلم من الخاصّة فى الظاهر وضادّوا ذلك فى الباطن، وممّن عرف من هؤلاء واشتهر وطار اسمه فى الآفاق وظهر الحسين بن منصور الحلّاج من أهل البيضاء وكان حلّاجا ينتحل النسك والتصوّف وما زال يرتقى طبقا على طبق حتّى انتهى به الحال الى أن زعم أنّ من هذّب فى الطاعة جسمه واشتغل بالأعمال الصالحة قلبه وصبر على مفارقة اللذّات وملك نفسه بمنعها عن الشهوات ارتقى الى مقام المقرّبين وشارك الملائكة الكرام الكاتبين. ثمّ. لا يتردّد فى درجة المصافاة حتّى يصفو عن البشريّة طبعه فإذا لم يبق فيه من البشريّة نصيب حلّ فيه روح الله الذي كان منه كعيسى بن مريم فيصير مطاعا لا يريد شيئا إلّا كان من جميع ما ينفذ فيه أمر الله فإنّ جميع أفعاله حينئذ فعل الله وأمره أمره. وكان يتعاطى هذا ويدعو الى نفسه بتحقيق ذلك كلّه فيه حتّى احتمال جماعة من الوزراء وطبقات من حاشية السلطان وأمراء الأمصار وملوك العراق والجزيرة والجبال وما والاها وكان لا يمكنه الرجوع الى فارس ولا يطمع فى قبولهم إيّاه لخوفه على نفسه منهم لو ظفروا به وظهر لهم وأخذ فاعتقل وما زال فى دار السلطان ببغداذ الى أن خيف من قبله أن يستغوى كثيرا من أهل دار الخلافة من الحجّاب
والحرم وغيرهم فصلب حيّا الى أن مات، ومنهم الحسن المكنّى بأبى سعيد ابن بهرام الجنّابىّ من أهل جنّابه وكان دقّاقا وتعلّق لعنة الله عليه بدعوة القرامطة من قبل عبدان الكاتب صهر حمدان بن الأشعث المعروف بقرمط واستخلفه على كثير من نواحيهم وكانت الدعوة اليه بجنّابه وسينيز وتوّج ومهروبان وجروم فارس فدعاهم وأخذ الكثير من أموالهم ونبت له أضداد فنموا عليه فقبض على ما جمعه من المال واتّخذه من الخزائن والعدد وأفلت بحشاشة نفسه فلم يزل فى خفية حتّى كتب اليه حمدان بن الأشعث المعروف بقرمط [من كلواذى] بالشخوص الى حضرته ولم يكن رآه ولا عاينه فلمّا بصر به رأى منه نافذا فيما تكلّفه ورأى ما دار عليه ليس من قبل سوء سياسته فيما كان بسبيله لكن وجوه وقعت عليه ودارت كالضرورة اضطرّه اليها مخالفوه والمنكروه عليه فأنفذه على يد عبدان أيضا الى البحرين وأمره بالدعوة هناك وأيّده بوجوه القوّة من المال والكتب وغيرهما فورد البحرين وصاهر آل سنبر وبثّ الدعوة فى العرب الذين بتلك الناحية فقبلوها [وانفتحت الديار على يده] وأجابته القبائل والعشائر رغبة ورهبة بعد أن حاصر هجر وافتتحها بضروب من الحيل ووجوه الكيد ومشاقّ من الأعمال والأفعال ودخلها بالسيف فقتل رجالها واستعبد الأولاد من الصبيان والصبايا واستباح حريمهم، وكان إذ ذاك فى دعوة المقيم بالمغرب وفى جملة المنتمين اليه حتّى قتل عبدان صاحبه فارتد عمّا كان عليه وقتل أبا زكريا الطمامىّ داعيا كان لأهل المغرب قبله بالبحرين واشتدّت شوكته وتفرّد بالأمر لنفسه وكرّ فى خطوب كثيرة يطول شرحها وليس يمكن ذكرها إلّا مستقصاة وفى إعادته طول فتركتها لذلك، وذبح
أبا سعيد بعض خدمه فى الحمّام مع جماعة من كبراء رجاله [بالأحساء]، وكانت وصيّته الى أكابر أولاده بتسليمهم لولده الأصغر منهم عند بلوغه لأمر وقف عليه فيه سائر ما خلّفه واتّباعهم إيّاه ووقوفهم عند أمره ونهيه فكان من لعنه الله منهم أبو طاهر سليمن فاتح البصرة والكوفة وصاحب قوافل الحاجّ فى طريق مكّة وقاتل آل أبى طالب وبنى هاشم والمستحلّ دماءهم وفروجهم وأموالهم ومخرب مكّة وآخذ الحجر وفاعل كلّ كبيرة ومستحلّ كلّ عظيمة ومقترف كلّ آثام ومستبيح كلّ حرام الى أن أهلكه الله ودمّر عليه وأتى على أهله وولده بتشتيت الكلمة واختلاف الدعوة وغيلة بعضهم لبعض بالقتل والمكائد والختل، وما كان من فعله بالمسلمين واعتراضه على حجيجهم وعيثه فى بلادهم بقتلهم وما فعله بالحرم [فلا حاجة بنا الى ذكره لشهرته والغنى عن إعادته] من أخذ كنوز الكعبة وقتل المجاورين لها والمستذمّين بحرمتها الى أن أخذ عمّ أبى طاهر أخو أبى سعيد وقراباته وذووه فحسبوا بشيراز مدّة وكانوا مخالفين له فى المذهب والطريقة يرجعون الى صلاح وسداد وشهد لهم بالبراءة من القرامطة فخلّى عنهم، ومنهم أبو جعفر محمّد بن علىّ الشلمغانىّ فإنّه أيضا ممّن ظاهر بأمور من العلم ودعا الى الفقه والزهد وتزيّا بالورع والعفّة وألف كتبا فى الحلال والحرام بأحسن نظام وأجمل تأليف وهو مع ذلك [يسرّ] »
شقاق الأمّة ويعتقد إكفارهم ويرى أنّ الدار دار كفر وأهلها وأموالهم ومناكحتهم وحجّهم وغزوهم فاسد وجهادهم لازم ودعا مرّة الى أصحاب المغرب وأشار اليهم وأخرى الى نفسه واضطرب فى فنون اعتقدها فى البارئ تعالى الى أن هلك أيضا صلبا وكفى الله أمره، [والله
الحافظ للإسلام وأهله والدافع عنهم بمنّه وطوله فقد عاد غريبا كبدؤه غريبا]، ذكر الخاصّيّات بفارس وما يجلب منها، فبناحية اصطخر تفّاح يكون بعض التفّاحة فى غاية الحلاوة وبعضها حامض صادق الجموضة وكنت رأيت ذلك فى حكاية أنّ مرداس بن عمر حدّث بها الحسن بن رجاء فرأى فى وجهه إنكارا لقوله فأحضر التفّاح حتّى رآه، وبقرب ابرقويه تلال رماد كالجبال العظام التى صعود التلّ ونزوله نحو ميل ويزعم قوم أنّها نار نمرود وهو خطأ لأنّ نمرود كان كنعانيّا ومساكنهم ببابل، ورأيت مثل هذه الجبال وأعظم منها وأعلى وأكثر على نهر الزاب الكبير الجائى من نواحى ارمينيه وبلد الداسن بظاهر القرية المعروفة بالمحمّديّة من عمل محمّد بن حسنون الكردىّ ومررت بما هو أصغر منها وما يضاهيها فى بلد السودان، وبكورة سابور رستاق يعرف بالهندوجان [فيها] بئر بين جبلين يخرج منها دخان فيتعالى كثيرا بالنهار ولا يتهيّأ لأحد أن يقربها وإن طار عليها طائر سقط فيها ويرى فى حال هبوطه وهويّه احتراقه قبل تغيّبه فيها، وبكورة الرجان فى نواحى صاهك غير بئر لا قعر لها، وبناحية كام فيروز بالقرية المعروفة بالمورجان بين جبال شاهقة كهف فيه جرن يقطر اليه من سقف هذا الكهف ماء ويزعم قوم أنّ له طلسما فإن دخل ذلك الكهف رجل خرج من الماء مما يكفيه وإن دخله ألف رجل
خرجوا من ذلك الجرن بالقطر من الماء بما يكفيهم ويعمّهم ومقدار ذلك الجرن كالجفنة الصغيرة أو الغضارة الكبيرة، وعلى باب الرجان ممّا يلى خوزستان قنطرة على نهر طاب تنسب الى الديلمىّ طبيب الحجّاج بن يوسف وهى طاق واحد سعة ما بين عموديه على وجه الأرض ثمنون خطوة وارتفاعها مقدار ما يجوز فيه راكب الجمل بيده علم من أطول ما يكون من الأعلام، وبكورة اردشير خرّه من نواحى شيراز عين ماء حلو عذب يشربه الناس لتنقية الجوف فمن شرب قدحا أقامه مجلسا وإن ازداد فلكلّ قدح مجلس، وبناحية داذين نهر ماء عذب يعرف بنهر اخشين يشرب منه ويسقى الأرضين إذا غسلت بمائه الثياب خرجت خضرا، وبناحية كوار طين أخضر كالسلق وأشرق منه يؤكل ولا نظير له، وبشيراز نرجس ورقه كورق السوسن وفى داخله عيون صفر كعيون النرجس سواء، فأمّا ما يجلب من فارس الى سائر الأرض وهو أفضل أجناسه فى سائر البلدان فماء الورد الذي بكوار وجور ينقل الى سائر الأرض حتّى المغرب وبلد الروم والاندلس وروميه وأرض افرنجه والى مصر واليمن وبلد الهند والصين ويفضل كّل ماء ورد سواه ويرتفع الكثير من غيرهما بأعمال فارس غير أنّ الأكثر الأغزر من جور [والى جور ينسب الورد الذكىّ الرائحة]، ويجور ماء الطلع وماء القيسوم الذي لا يكون فى غير جور وماء الزعفران وماء الخلاف [بفارس ودهن الخلاف] يعلو على جميع ما يعمل فى أقطار الأرض منه سوى دهن الخلاف المراغىّ فإنّى رأيت منه ما
لا يدانيه دهن فى الأرض ويباع منه المنّ بعشرة دنانير [وكان عندى خيرا من ذلك]، وترتفع من سابور الأدهان فتفضّل على كلّ جنس إلّا الخيرىّ والبنفسج اللذين بالكوفة، وترتفع من سينيز الثياب السينيزىّ ومن جنّابه المناديل الجنّابيّة ومن توّج ثياب التوّزىّ ولا يشبهها شىء من ثياب الأرض فى جنسها وإن وجد أرفع منها وأكثر ثمنا فلذلك من العلّة وكان للسلطان فى كلّ بلد منها طراز، ويرتفع من فسا أنواع من الثياب التى تحمل الى الآفاق وبها طراز الوشى المرتفع الذي ليس بسائر الآفاق كهو إذا كان مذهّبا وإذا كان ساذجا فكالذى بجهرم وغيرها، وأمّا الصوف فانّه يعمل للسلطان والتجّار ثياب للفرش ما يأخذ القيمة العظيمة من العين وكلل مرتفعة من سائر أصناف الحرير ويتّخذ من القزّ للسلطان ستور معيّنة معلمة ومن ثياب القزّ والصوف الفاخرة ما يحمل الى كثير من الأمصار، والسوسن جرد الذي يكون بها أرفع ممّا يكون بقرقوب وتوّج [وتارم]، وبها أكسية القزّ التى يكون بالقيم الوافية الراجحة كالمائة دينار ونحوها، ويرتفع من جهرم من الثياب الوشى الرفيع، فأمّا البسط والنخاخ والمصلّيات والزلالىّ المعروفة بجميع الأرض بالجهرمىّ فلا نظير لها، ويرتفع من يزد وابرقويه ثياب قطن فتحمل الى كثير من النواحى فتدخل فى جمل البغداذىّ إذا قصرت، ويرتفع من الغندجان قصبة [دشت] بارين [من البسط والستور والمقاعد وأشباه ذلك ما يوازى به عمل الارمنىّ وبها طراز للسلطان] »
ويحمل منها الى الآفاق جهاز كثير، وسوسن جرد فسا أفضل من سوسن جرد قرقوب لأنّ متاع فسا من صوف والقرقوبىّ من إبريسم والصوف أحكم عملا فى الصنعة وأبقى على مرّ الأيام،
وبدارابجرد حوت فى الخندق المحيط بالبلد لا شوك فيه ولا عظم ولا فقار وله فلوس وهو من ألذّ السموك ويرتفع منها ثياب كالطبرىّ للفرش تستحسن، وبقرية من قرى دارابجرد المومياى الذي يحمل الى الآفاق وهى ملك للسلطان ولا نظير له وهو غار فى جبل قد وكّل به من يحفظه وهو مسدود الباب والمدخل مغلق مقفل مختوم معلم بعلامات كثيرة لمن يحضر فتحه من ثقات السلطان ويفتح فى كلّ سنة فى وقت معروف وقد استجمع فى نقرة حجر هناك ما اجتمع منه وفى غير ذلك النقرة الشيء بعد الشيء منه فإذا جمع يكون الموجود فى كلّ سنة كالرمّانة فيختم بمشهد من ثقات السلطان والحكّام وأصحاب البرد والمعدّلين من أهل الأمانة بعد أن يرضخ للحاضرين بالشيء اليسير منه وهو المومياى الصحيح وما عداه فمزوّر ليس بصحيح وبقرب هذا الغار قرية تعرف بآيي فنسب هذا الموم اليها وتفسيره موم قرية آييى، وبناحية دارابجرد جبال من الملح الأبيض والأسود والأصفر والأحمر والأخضر وجميع الألوان المتفرّعة وهى جبال على ظاهر الأرض ينحت منها الموائد والغضار والآنية المستطرفة وتحمل الى سائر مدن فارس وغيرها، وبفارس عامّة المعادن من الفضّة والحديد والآنك والكبريت والنفط وما أشبه ذلك ما يغنى أهلها عن عمل ما سواها من البلدان والنواحى إلّا أنّ الفضّة قليلة وبها معدن ذهب ومعدن صفرها بالسردن ويحمل منها الى البصرة وغيرها والحديد بجبال اصطخر وبقرية من جوار اصطخر تعرف بدارابجرد معدن للزيبق، ويعمل بفارس مداد أسود لدوىّ الكتّاب وأصباغ التزاويق فيفضّل على كلّ مداد فى الأرض غير الصينىّ لأنّهما جميعا من تذاكى أكبر النيران المجوسيّة المتقادمة وهو فى نفسه دخانها [لا غير]، وبشيراز أبراد معروفة مشهورة فى أكثر أقطار الأرض بالشيرازيّة،
فأمّا نقودهم ومكاييلهم للبيع والشرى فجميع بيوع فارس بالدراهم والدنانير عندهم كالعرض، وأوزانهم كأوزان جميع الأرض المعروفة العشرة الدراهم سبعة مثاقيل وليست كاليمن والاندلس فى اختلاف الأوزان، والأمناء التى توزن بها المتاع فمنوان صغير وكبير فالكبير وزن ألف وأربعين درهما كرطل اردبيل ومنّها منّ كبير [ورطل اللحم بالاندلس تسعة أرطال ونصف بالفلفلىّ والفلفلىّ خمس عشرة أوقية بالبغداذىّ ورطل القيروان فلفلىّ أيضا إلّا رطل اللحم فانّه اثنا عشر أوقية]
والمنّ الأصغر بفارس كمنّ العراق مائتان وستّون درهما وهذا المنّ المستعمل بفارس وعامّة البلدان وأمصار المسلمين وإن كان لهم أوزان غير ذلك، والمنّ بالبيضاء ثمان مائة درهم وباصطخر أربع مائة وبجرّه مائتان وثمنون وبسابور ثلثمائة وببعض نواحى اردشير خرّه مائتان وأربعون، والكيل بشيراز الجريب عشرة أقفزة والقفيز ستّة عشر رطلا فى التقدير ويزيد وينقص بحسب المكيل وهو حنطة ستّة عشر رطلا ورطلهم كرطل بغداذ اثنا عشر أوقيّة والأوقيّة عشرة دراهم وثلثان وللقفيز عندهم [كيل] يعرف بنصف قفيز وثلث وربع وكلّ واحد مجزّا منه، ومنّها معروف معلوم قائم بنفسه موجود فى سائر حوانيتهم، ولهم أيضا كيل صغير وهو جزء من أربعة وعشرين جزأ من القفيز، وجريب اصطخر وقفيزها على نصف جريب شيراز وقفيزها ومكاييل البيضاء تزيد على مكاييل اصطخر بنحو الربع وتنقص عن شيراز، وكذلك الرجان وكازرون تزيد على العشرة من كيلهم ستّة، ومكاييل فسا تنقص عن مكاييل شيراز، فهذه جمل ما يجب علمه ويسئل الناس الناس عنه، وأمّا أبواب المال لبيت المال على الناس فمن الزموم وما تطبق
عليه الدواوين وخراج الأرضين والصدقات وأعشار السفن وأخماس المعادن والمراعى والجوالى وغلّة دار الضرب والمراصد فى الضياع والمستغلّات وأثمان الماء وضرائب الملّاحات والآجام، فأمّا خراج الأرضين فعلى ثلثة أصناف فالمساحة والمقاسمة والقوانين التى هى مقاطعات معروفة لا تزيد ولا تنقص زرعت أو لم تزرع فتؤخذ بالعبرة، والمساحة دون المقاسمة فإن زرع زارع أخذ خراجه بالمساحة على الجربان وإن لم يزرع لم يطالب وعامّة فارس مساحة إلّا الزموم فإنّها مقاطعات بالعبرة والشيء اليسير من المقاسمات، وتختلف الأخرجة فى البلدان على المساحة فأثقلها بشيراز على كلّ صنف من المزروع شىء مقدّر وذلك أنّ على الجريب الكبير من الأرض تزرع فيها الحنطة والشعير بالسيح مائة وتسعين درهما والشجر بالسيح مائة واثنين وتسعين درهما والرطاب والمقاثى السيح للجريب الكبير مائتان وسبعة وثلثون درهما وللجريب الكبير من القطن بالماء السيح مائتان وسبعة وخمسون درهما وثلثان وعلى الجريب الكبير من الكروم بالماء السيح ألف وأربع مائة وخمسة وعشرون درهما، والجريب الكبير ثلثة أجربة وثلثا جريب بالجريب الصغير والصغير ستّون ذراعا فى ستّين ذراعا بذراع الملك وذراع الملك سبع قبضات، وخراج كوار على الثلثين من هذا العقد لأنّ جعفر بن أبى زهير السامىّ كلّم الرشيد فردّه الى ثلثى الربع، وخراج اصطخر ينقص من خراج شيراز شيئا يسيرا لا أقف عليه، وخراج البخوس على ثلث السيح والطوىّ فى البطّيخ والقثاء والبقول على ثلثى الخراج، وإذا سقى السيح سقية قبض السلطان ربع الخراج وطالب به أشدّ مطالبة وإذا بدىّ بالسقية الثانية طالب بتمام الخراج واستتمّه عند استتمام السقى، وكورة دارابجرد والرجان وسابور فزروعهم ومقادير الخراج على أرضهم بخلاف هذا يزيد وينقص أكّاره
على قدر ملكه ودخله، والمقاسمة على وجهين فضياع فى أيدى قوم من أهل الزموم وغيرهم معهم عهد من أمير المؤمنين علىّ بن أبى طالب وعمر بن الخطّاب رضى الله عنهما وغيرهما من الولاة المسمّين باسم الخلافة فيقاسمون على العشر الى الثلث وغير ذلك، والوجه الآخر مقاسمات على قرى قبضت وصارت لبيت المال بإخلال أصحابها ووجوه غير ذلك يزارع الناس عليها بالخمسين وحسب المواقفة، وأمّا أبواب أموال الضياع فالضياع السلطانيّة خارجة من المساحة والذي يؤخذ منها بالمقاسمة والمقاطعة فعلى الأكرة فيها ضرائب من الدراهم يؤدّونها الى السلطان، والصدقات وأعشار السفن وأخماس المعادن والجزية ودار الضرب والمراصد وضرائب الملّاحات والآجام وأثمان الماء والمراعى فإنّها تقرب فى الرسم ممّا فى سائر الأمصار، وليس بفارس دار ضرب إلّا بشيراز، فأمّا المستغلّات فتربتها للسلطان وقد ابتنى فيها التجّار الأسواق وغيرها فالبناء لهم ويؤدّون أجرة الأرض والطواحين للسلطان وأجرة الدور التى يعمل فيها ماء الورد، وكان الرسم القديم بفارس أنّ كلّ حومة بها لا خراج على الكروم فيها ولا على الأشجار الى أن ولى علىّ بن عيسى بن الجرّاح الوزارة سنة اثنتين وثلثمائة فألزمهم فيها كلّها الخراج، وكان بفارس ضياع قد ألجأها أربابها الى الكبراء من حاشية السلطان بالعراق فهى تجرى بأسمائهم ويحمل عنهم الربع وهى فى أيدى أهلها وأهلها يتبايعونها ويتشارونها ويتوارثونها، وكانت فارس فى قديم الأيّام وقبل الإسلام مقاسمات الى أيّام قباذ أبى انوشروان فإنّه نزل من تعب ناله فى بعض البساتين وقد لغب من الحرّ فذّا فردا بعد إياس ناله من نفسه بانقطاعه عن رجاله فى طلب طريدة فألفى امرأة وبين يديها صبيّة صغيرة وقد استضافها فأضافته [والصبيّة] تمدّ يدها الى شجرة رمّان والعجوز تمنعها ولجّت الصبيّة الى أن قطعت رمّانة فضربتها ضربا وجيعا فقال قباذ لم ضربت هذه
الصبيّة على هذا القدر الطفيف الخسيس من رمّانة فقالت يا سيّدها لنا فيها وفى جميع الباغ شريك غائب كريم ويقبح بالشريك الحاضر خيانة الشريك الغائب سيّما إذا كان عدلا أمينا فقال قباذ ومن شريكك فقالت الملك قباذ له فيها بحقّ القسمة ويقبح بالفقير ذى المروءة خيانة الغنىّ ذى العدالة والأمانة فبكى قباذ وقال صدقت وأقبح منه أن يخون الملك الغنىّ العدل الأمين الذي هو أعدل وقد سلّطه وملّكه ومكّنه وأقدره فى عباده وبلاده أحضرى الىّ إذا نزل العسكر فلانا رجلا وصفه فحضر وحضر أصحابه وجيشه فلمّا جمعهم مجلسه أخبرهم خبر العجوز ولم يرم حتّى جعل جميع فارس مقاطعات وخراجات تقبض إذا حيّن ما فى الأنادر وتصرف الاكرة والمزارعون فى البيادر، فأمّا أموال فارس من الوجوه التى ذكرتها فرأيت أهل الخبرة سنة خمسين يومون الى ألف ألف وخمس مائة ألف دينار وزيادة وكانت أعمال الرجان خارجة عن عمل فارس فى هذا العهد لأنّها كانت بيد أبى الفضل ابن العميد يستوفى حقوقها وتبلغ خمس مائة ألف دينار ونحو عشرة آلف دينار فربّما حملت الى الرىّ وصرفها الأمير ركن الدولة فى أسبابه وربّما آثر بها الملك صلة منه له ينالها على يد أبى الفضل ابن العميد وكان ذلك يكرث الملك ويحرجه،
النص من طبعة ليدن، أعادت دار صادر ببيروت تصويرها، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع