من «صورة الأرض» لابن حوقل (ت بعد ٣٦٧هـ)
بحر الروم
وسأصل ذلك بذكر بحر الروم وتصويره إذ هو خليج من البحر المحيط عليه أكثر هذه الديار وقد أتيت به على التقريب لا على الحقيقة إذ بعضه أشبه شىء بالدائرة المحدّدة، ومخرجه بين أرض الاندلس وأرض طنجة وسبتة وهذه الناحية محاذية من الاندلس لجزيرة جبل طارق واشبيليه وعرض هذا المخرج بهذا المكان المعروف باشبرتال وهو جبل عال ويمتدّ جنوبيّا الى سله ويحاذيه من العدوة الاندلسيّة جبل الأغر ويمتدّ الى لبله بناحية الشمال من الاندلس فيكون نحو اثنى عشر ميلا ثمّ لا يزال يتّسع ويعرض ويمتدّ على سواحل المغرب وممّا يلى شرقىّ هذا البحر حتّى ينتهى [الى] أقاصى أرض مصر ممتدّا على أرضها الى الشأم متّصلا عليها الى الثغر الذي كان يعرف بطرسوس ويعطف الى بلدان الروم من جبال اقليميه الى انطاليه ثمّ يصير الى خليج القسطنطينيّة ويمضى على سواحل اثيناس وسواحل قلوريه والانكبرذة الى افرنجه وروميه ويصير البحر حينئذ جنوبيّا لأرض جليقيه ويكون على ساحله الافرنجة الى أن يتّصل بطرطوشه من بلاد الاندلس ويمتدّ على النواحى التى تقدّم ذكرها فى صفة الاندلس ويجاوز المرية وأعمال الجزيرة واشبيليه ويمضى على البحر المحيط الى شنترين وهى آخر بلاد الإسلام من ناحية الاندلس وجانب بلد الروم، ولو أنّ امرءا سار من سبتة وطنجة على ساحل هذا البحر المغربىّ
مؤمّلا أن يعود الى ما يحاذيه من أرض الاندلس لدار على جميع بحر الروم من حيث لا يمنعه مانع إلّا نهر يلقى اليه أو يفرع فيه أو خليج القسطنطينيّة فإنّه يفضى اليه من البحر المحيط أيضا وذلك أنّه انفصل به من الأرض فاصلة حازت شطر بلد الصقالبة وبعض بلد الروم فسمّيت الأرض الصغيرة والذي تحوز من البلاد معما ذكرته أرض قلوريه وجليقيه وافرنجه والاندلس فجعل ذلك جزيرة ليست مع الأرض الكبيرة ولا متّصلة بشىء منها لأنّها قائمة بنفسها ولم يحتج الى أن يدلّه دليل إن أمكنه ذلك، وما فى بطن هذه الصفحة صورة بحر الروم وما عليه من نواحيهم وشكله فى نفسه وإن كنت سقته على ما أتيت به من الاستطالة فى صورة المغرب فهو من الاستدارة على هذا الشكل، إيضاح ما يوجد فى صورة بحر الروم من الأسماء والنصوص، قد صوّر البحر فى وسط الصورة ويكون على ساحله الأيسر من المدن طنجه، تنس، برشك، اشرشال، تامدفوس، دمياط، ثمّ فى البحر تنيس، ثمّ على الساحل الفرما، عسقلان، يافا، بيروت، اطرابلس، اللاذقيه، ثمّ نهر ثمّ بياس ثمّ نهر ثان عليه من المدن كفربيا والمصيصه، ثمّ نهر ثالث عليه عين زربه واذنه، ثمّ نهر رابع عليه طرسوس وعن يمين طرسوس الرمانه وعند طرف الصورة الأسفل ... اربه، وعن يمين ذلك يأخذ من طرف الصورة الأسفل نهر كتب عند منتهاه نهر الزيت ثمّ عمود الفرات، وعلى ضفّة هذا النهر فى الجانب الأسفل ملطيه، تل موزن، هباب، وينصبّ فيه عند تل موزن نهر ارسناس وعليه مدينة ارسناس، وعن يمين ملطيه يبتدئ نهر آخر وهو دجلة وعليها من المدن آمد، كافا، التل، وفى الجانب الآخر من نهر
ارسناس بينه وبين عمود الفرات من المدن الارديس، قاليقلا، بدليس، منازجرد، خلاط، وينصبّ فى الفرات من الجانب الأعلى نهران أحدهما نهر قباقب وعند فوهته قباقب، وكتب فى الساحة بين نهر قباقب والفرات والبحر بلد ولد الأصفر وفيه من المدن ذو الكلاع، كونيه، سمندوا، زبطره، والنهر الثانى المنصبّ فى الفرات نهر غيلقط وبينه ونهر قباقب من المدن كمخ، صارخه، الرنلين، خرشنه، وعند مبتدأ نهر قباقب تنس، ثمّ عند مبتدأ نهر غيلقط أرض الصرهوه وبين نهر غيلقط والفرات التى، ورسم من أعلى ذلك نهر الس الذي ينصبّ فى البحر وعند مبتدئه مدينة الس، ويأخذ من هذا النهر نهر آخر الى الأعلى كتب عنده وادى اللقان وعن يمين هذا النهر مدينة صاغره وعند فوهته البلقلار ثمّ عن يمينها على الساحل.. ا. سور، وفى هذا القسم الأيمن من الصورة من البلاد رستاق خونص وبلد الطرقسيس وبلد الناطليق وبلد هرقله، ويكون فى الجانب الأعلى من نهر الس ابتداء عن اليسار سطرابلين وسوسطه ومن أعلى سطرابلين على البحر افسوس وكتب عندها بلد أهل الكهف، ثمّ على وادى اللقان قومنه وكتب عن يسارها بلد بن الشمشكى، وعند مصبّ وادى اللقان فى الخليج بحيرة نقموذيه ومن أسفل البحيرة نقموذيه وماسيه، ومن أعلى سوسطه الى جهة خليج القسطنطينيّة من المدن افخايطه، الابسيق، طموذيه، خلقذونيه، وعن يسار ذلك البلقلار، ونيقيه وفى قطعة من البرّ تدخل فى البحر انطاليه، وعلى وسط الخليج من الجانب الأعلى القسطنطينيه وكتب عن يسارها مجذونيه، وفوق ذلك صورة بحر الروم وهو عنوان الصورة، وكتب فوق ذلك فى البرّ بهذه النواحى غير أمّة بلغة ولسان غير لسان من جاورها متصاقبين متجاورين على اختلافهم وتضادّهم وبعضهم فى طاعة عظيم الروم وبعضهم بل جلّهم وأكثرهم فى غير
طاعته وإنّ جميعهم يختلفونه والديانة بالنصرانيّة، وعن يسار ذلك يقرأ موازيا لخطّ الجبل هذا الجبل عظيم مديد يزعم حسداى بن اسحاق أنّه متّصل بجبال ارمينيه ويقطع بلد الروم فيصل فيه الى خزران وجبال ارمينيه وكان بهذه النواحى خبيرا لأنّه دخلها ولقى أكابر ملوكها ورجالها، وكتب فى الجانب الآخر من الجبل الانكبرذه، وعن يسار ذلك صوّر الاندلس وفيه من المدن قرطبه واشبيليه والمريه ثمّ المريه مرّة ثانية فى البرّ ومن أسفل ذلك بلاد غلجشكش، بشكونس، روميه، افرنجه، ثمّ من أسفل ذلك قسم من الأرض داخل فى البحر يقرأ فيه أرض قلوريه وعلى ساحلها من المدن مسنيان، كسشه، منتيه، ريو، ابن ذقتل، بوه، قسطرقوقه، جراجيه، استلو، سبرينه، قطرونيه، رسيانه، قسانه، ثمّ يلى ذلك الى الأسفل جون كتب عنده فى البرّ هذا جون البنادقين وفيه جزائر كثيرة مسكونة وأمم كالشاغرة وألسنة مختلفة من افرنجيين ونمتين وصقالبه وبرجان وغير ذلك، وعلى طرفى الجون مدينتا بذرنت واذرنت، ثمّ من أسفل ذلك ناحية أخرى داخلة فى البحر يقرأ فيها هذه أرض بلبونس دورها ألف ميل وفيها أمم من الروم وبها نيّف وسبعون حصنا عامرا ويضيق طرفاها حتّى يصير ستّة أميال وتدعا كسميلى، هذه صورة بحر الروم وما اتّجه من رسم مشاهير مدنه من مشرقه التى هى مختصّة ببنى الأصفر وكيفيّة الخليج القاطع لبلد الروم على نواحى اطرابزنده الى نفس القسطنطينيّة واجتيازه بأرض مجذونيه الى أن يفرع فى بحر الروم مع إعادة ما اتّصل به من النواحى الى بلد الاندلس،
وسمعت أبا الحسين محمّد بن عبد الوهّاب التلّ موزنىّ وكان رجلا قد أناف على مائة سنة ثابت العقل صالح الأدب يقول سيّرت من كمخ وهى مدينة للروم صالحة القدر عامرة على بريد الملك الى القسطنطينيّة مائة وستّة وثمنين بريدا فلمّا عدتّ من القسطنطينيّة حين خروجى عنها عدتّ على انقره وهى مدينة كبيرة خراب الى ملطيه مائة وثمنية وعشرين بريدا، فكان من كمخ الى صارخه يومان والى مدينة خرشنه يومان، وسيّرت على مدن لا أعرف أسماءها عامرة الى صاغره وهى على نهر آلس فعبرناه بمركب وسرنا فى المركب بالبحيرة ستّة فراسخ وسرنا يوما آخر على الظهر الى مدينة تعرف بنقموذيه وركبنا منها فى البحر يومين وصرنا الى مدينة تعرف بخلقذونيه فبتنا بها وسيّرنا فى السحر فركبنا فى الخليج وصبّحنا القسطنطينيّة والبريد عندهم فرسخ، قال وكنت أسمع أنّ للملك أربعة حبوس دون دار البلاط التى يحبس بها أسراء الملك فى رساتيق لهم، فأحدها يعرف بالطرقسيس والآخر بالابسيق والآخر بالبلقلار والآخر بالنومره، قال والطرقسيس والابسيق أرفههما لأنّهما لا قيود فيهما والبلقلار والنومره ضيّقان ومن حبس فى دار البلاط فبالنومره ابتداء حبسه ثمّ ينقل وهو حبس ضيّق مؤلم مظلم، قال وكانوا يسيرون بنا فى كلّ يوم من عشرين بريدا الى خمسة عشر بريدا فصرنا الى القسطنطينيّة فى نحو عشرة أيّام من كمخ، والذي أعرفه أنا أنّ بين كمخ وملطيه عشر مراحل وبين ملطيه وانقره عشرون مرحلة ومنها الى القسطنطينيّة عشر مراحل فيصير جميع الطريق أربعين مرحلة، قال وألفيتهم وإنّ الملك يتبعه فى المنزلة اللغثيط وهو الوزير والفرخ من بعده وللفرخ من المنزلة أنّه يلبس
خفّين أحدهما أحمر والآخر أسود ولا يتزيّى غيره بهذا الزىّ بوجه وذلك أنّ الحكم والقطع والضرب والقود والأدب من غير مؤامرة للملك اليه ثمّ الدمستق من بعده ثمّ البطارقة وهم اثنا عشر رجلا [لا] ينقصون ولا يزيدون بوجه وإذا هلك أحدهم قام مقامه من يصلح له ثمّ الزراورة وهم كثرة لا يحصون كالقوّاد اللاحقين بالأمراء ثمّ الطرامخة وهم التنّاء وأرباب النعم من أهل القسطنطينيّة ومنهم يكون الارتفاع الى الزرورة والبطرقة، وكلّ مولود يولد بالقسطنطينيّة للطرامخة فللملك عليه جراية من وقت يولد الى آخر عمره يدرّج فى أسباب الزيادة والنقصان فى أعطيته وأرزاقه عند درج بلوغه وتكهّله وبقدر استحقاقه للزيادة عند تعلّقه بأسباب الرياسة من علم سياسة أو صعلكة وتقدّم فى أسباب شجاعة أو ترسّم بالرأى والفهم إلّا أن يترهّب فيستعفى من العطاء فيعفيه الملك منه، وممّا أعلمه أنا فى حين غزونا من ميافارقين أنّا نزلنا على حصن الهتاخ فكانت اليه مرحلة ستّة فراسخ ومنه الى حصن ذى القرنين وهو حصن منيع مرحلة خفيفة ومنه الى مدينة الأرديس وكانت إذ ذاك للمسلمين سبعة فراسخ ومنها الى ضيعة القسّ ثلثة فراسخ ومنها الى هباب مدينة خمسة فراسخ ومن هباب الى قرية انكليس ستّة فراسخ ومن انكليس الى الكلكس قرية ثلثة فراسخ ومنها الى حصن زياد أربعة فراسخ [ومن حصن زياد الى تلّ ارسناس ثلثة فراسخ] وعبرنا الفرات الى قرية تعرف بالحمّام أربعة فراسخ ومنها الى ملطيه أربعة فراسخ وعبر القوم قباقب الى
عرقا مدينة كانت عامرة أربعة فراسخ ومنها الى ضيعة فى وادى الحجارة ووادى البقر وكان آخر عمل الإسلام ستّة فراسخ، ومنها الى الرمّانة قرية وحصن ستّة فراسخ ومن الرمّانة الى سمندوا عشرة فراسخ، ولم أترك الاستخبار فى خلال ذلك وقبله وبعده من صعاليك ديار ربيعة ومن أسر ببلد الروم وخرج سارقا لجماعة من المسلمين والروم لعلمه بالبلد ومعرفته بمخائضه وممّن فودى به عن ارتفاع بلد الروم وما فيه من المرافق لملوكهم واللوازم بقوانينهم الموضوعة قديما لهم فى كلّ سنة فألفيت ذلك أقلّ من نصف جبايات المغرب بكثير وألفيت الهدايا والضرائب على النواحى تزيد وتنقص على قلّة محلّ المتّلين لها، ومن أعظم جباياتهم وأكثر وجوه أموالهم ضريبة بلد اطرابزنده وانطاليه المرسومة من أخذ ما يرد من بلد الإسلام لما يؤخذ من سواحل الشأم ومراكبهم ويغنم بالشلنديّات والمراكب الحربيّات والشينيّات وما يحصل من أثمان المسلمين ويقام من أثمان مراكبهم والأمتعة التى فيها ضريبة الملك ويستأثر القيّم على ذلك بما يزيد على مال الملك من أثمان الأمتعة والمراكب والمسلمين، وأخبرنى غير ثقة من العارفين العالمين حال بلد الروم ممّن أقام به مواطئ لحديث عيسى بن حبيب النجّار أنّ ضريبة انطاليه على صاحب المراكب بها المجعول اليه قصد بلد الإسلام سقطت وكانت قبل ذلك بسنين عند ما دار لهم الظفر بهم من بعد سنة عشرين وثلثمائة ثلثة قناطير ذهبا وتكون مع اللوازم التى تلحقها والهدايا ثلثين ألف دينار ومائة أسير فى كلّ سنة، ثمّ تأكّد خذلان الثغور وفشا نحسها وانهتك بالمعاصى وجور
السلطان أستار أربابها فصارت بالأمانة وتحرّى فيها متّلوها إقامة الناموس والديانة والحرص على الجهاد والنفاذ فى مقاومة المسلمين بالعناد وأنفذوا مراكبهم بالتجارة الى بلد الإسلام ورجالها يجوسونه ويتفقّدونه ويستبطنون أخباره ثمّ يرجعون وقد علموا حاله اليهم بالخبرة فيتحكّمون فى مضارّه ويصلون بذلك الى دواخله وسهله وأوعاره بمرأى من سلاطين الإسلام ومنظر ومساعدة من أكثرهم على ما يحبّونه وتقوية للعدوّ بفاخر السلاح ونفيس المتاع ورغبة فى يسير من الحطام يعود عليهم من تجارة يعملونها الى بلد الروم فتعود بخسيس من الأرباح والنار تحت ذلك تضرّم عليهم والبلاء يفتل فيما يأخذونه والشؤم يبرم عليهم فيما يأتونه ومتمثّلهم يجهر بقوله ويضحك من غفلتهم عن فعله حتّى لسمع من فصحائهم دائما متمثّلون
أرى تحت الرماد وميض جمرويوشك أن يكون له ضرام،
وكان ما يصل اليهم من العشور على المتاع الواصل الى اطرابزنده الداخل اليها والخارج عنها ويصل الى متّلى ذلك لقيامه بها من الهدايا المرسومة على تجّارها ما سمعت الأكثر يقول أنّها مذ عرفت هذه الضرائب لم يبلغ من حين أخذ ملطيه وشمشاط وحصن زياد عشرة قناطير ذهبا، وسبيلهم فيما يقيمونه من غزو المسلمين فى البحر بالمراكب الحربيّة والشلنديّة والشينيّة أن يأتوا الى كلّ ضيعة تقارب البحر فيأخذوا من كلّ دخان أى من كلّ بيت دينارين ويجمع ذلك ويدفع الى النافذين [فى البحر] اثنا عشر
دينارا لكلّ إنسان ويأكل ممّا يلقاه فيما يغنمه ولا شىء له فى الغنيمة من ثمن مسلم أو متاع يغنم وكلّ ذلك متوفّر على الملك، قال فإذا قبض رجال البحر أرزاقهم أصلحوا ما أحبّوا استحداثه من مركب وآلة له أو مرمّة لمركب قديم فى صناعتهم وما يبقى من المال المجموع من تلك الجهة صرفه المتّلى للبحر حيث يراه بعد حمله معه الى بلد الإسلام وفراغه ممّا قصد له، وأمّا غزوهم فى البرّ فإنّ ملكهم نقفور أخذ من كلّ دخان يسكنه رئيس منهم يملك خدما وبقرا وغنما وأرضا ومزدرعا فى حال متوسّطة عشرة دنانير عينا ذهبا ومن فوق هذه الطبقة فى القوّة جعل عليه رجلا بسلاحه ودوابّه وقوّامه ومؤنه ونفقة له ثلثين دينارا وبهذا اتّجه
لنقفور ما اتّجه فى المسلمين لا أنّه فرّق مالا من خزائنه أو تصرّف فى ملك نفسه أو لزمه درهم فما فوقه من حاصله بل ربح فى خلال جمعه هذه الأموال وعند صرفها فى النفقات أمرا ذكروه خرج به الى بلد الإسلام وعاد معه فاحتجنه وكانت جبايته لهذه الأموال على هذه الجهة السبب فى مقت النصرانيّة له وبغضها لأيّامه وتسخّطها لبقائه وخوفهم من وقوع معاودة لما ضرى عليه الى بلد الإسلام فجعلوا ذلك سببا لقتله وطريقا للحجّة عليه، وأمّا حدّ بلد الروم فإنّ مشارق بلدانهم المضمومة اليهم والمضافة على مرّ الأوقات الى متملّكيهم ما واجه من ناحية الثغور الشأميّة والجزرّية الى آخر حدود ارمينيه وشمالها من نواحى البجناكيّة وبشجرت وبعض بلاد الصقالبة ومغربها بعض البحر المحيط وما حادّ جليقيه وافرنجه
من جزيرة الاندلس وبعض بحر المغرب وجنوبيّهم بقيّة بحر المغرب وبعض ساحل الشأم ومصر، والمدن النفيسة قليلة فى مملكتهم وبلادهم مع سعة رقعتها واتّصال أيّامها وحالها وذلك أنّ جلّها جبال وقلاع وحصون ومطامير وقرى فى الجبال منحوتة وتحت الأرض منقوبة، وقد استولى الخليج الآخذ من القسطنطينيّة الى اطرابزنده على أكثرها وليس هناك مدينة مشهورة إلّا ما وصفته وحددته، ومياههم كثيرة غزيرة وليس تمرّ على وجه الأرض مرّا مستقيما وإنّما تتغلغل بين الجبال على غير قصد ولا استقامة سير وقد صوّرت غير نهر من أنهارهم فيما دون الخليج الى نواحى الثغور وليس جريها على ما وصفته فى الصورة وشكّلته لكنّى تحرّيت أصل مخرجه الى حيث مصبّه فشكلته على ذلك، وبلد الروم عند كثير من خاصّة أهل الإسلام ومؤلّفى الكتب بخلاف ما هو عليه بالحقيقة من صغر المحلّ وتفه الخطر ونزور الدخل وضعة الرجال وعزّة الأموال وخسيس الأعمال والأحوال وهو عند من عنده وقبله أدنى ميزة ومعرفة وبحث عن حقائق الأمور واهتمّ بمعارف أقطار الأرض والممالك وسكّانها والجبايات فيها لا يقارب أسباب المغرب وحدّه ولا يدانيه ولا يشاكله فى وجه من الوجوه لأنّى قد ذكرت من قبائل البربر المتبدّدين فى صحارى المغرب ما يستولى على ضعف عدد من تحوزه نواحى الروم وما عندهم من القوّة والجلد ومحلّهم فى البأس والشدّة فإنّهم بحيث إذا دخل لهم جيش من المغرب الى بلد الروم أباده وأباره وأهلكه وأتى عليه وتتسرّب العدّة اليسيرة فى أقطاره فتنشفها حتّى أنّ لأهل المغرب على أهل قلوريه فى كلّ سنة جزية آلاف دنانير كثيرة تقبض منهم، وكانت ضعفها فأسقط النصف عنهم عبيد الله صاحب المغرب
لحرم اجتازت ببلد الروم على القسطنطينيّة الى ناحيته ووصلوا الملك الذي كان فى أيّامهم شاكرين وكان خائفا عليهم من صاحب مصر غير أنّ للإسلام فيما عليه نفوس أهله وقلوبهم شأنا فى انتشار الكلمة وفساد الحال وكثرة العناد والخلاف والاشتغال بطلبه بعضهم لبعض ما خلا به للروم سربهم فطالت أيديهم الى ما كانت مغلولة عنه وأطماعهم محسومة منه، وقد ذكرت هذا البحر وما عليه من المدن والبقاع من حدّ طنجة ونواحيها الى أرض مصر والى آخر الشأم من الثغور الى اولاس ممّا كان فى أيدى المسلمين ولهم وشكّلت ذلك الى أطراف بلد الروم وما دون الخليج وبعده من الأرض الصغيرة وأثبتّ فيه أكثر ما بعد الخليج من أرض القسطنطينيّة ونواحى بلبونس وجون البنادقين وأرض قلوريه والانكبرذه وافرنجه وروميه وجليقيه وما يحادّ من نواحى الاندلس، وعلى هذا البحر وفى بلد الروم جبال لا تحدّ لكثرتها ومنها جبال اقليميه واقليميه مدينة كانت للروم قديما أتى عليها المسلمون وكان بعض أبواب طرسوس يدعى بباب اقليميه وينسب اليها وهذه الجبال آخذة ببلد الروم يمينا وشمالا، وإذا جزت اقليميه وكانت بعيدة من شطّ البحر بنحو مرحلة نزلت المكان المعروف باللامس قرية على شطّ البحر كان الفداء يقع فيها بين المسلمين والروم فيكون الروم فى مراكبهم والمسلمون فى البرّ يفادون، وتتّصل هذه الناحية بإقليم اجيا معدن الميعة التى تجلب الى جميع الأرض فى البرّ والبحر من هذا الرستاق والناحية ويمتدّ البحر الى انطاليه وبينهما أربعة أيّام فى البحر بطاروس جيّد ومثلها فى البرّ وانطاليه حصن منيع ورستاق عظيم مضاف الى حصن انطاليه وليس للملك عليه دخان ولا كلفة من صغير ولا كبير وبه مرتّبون للخرائط والبريد بالبغال والبراذين فى البرّ ومرتّبون فى البحر لنقل الحوائج والمتاع
المختصّ بالملك، ومن اجيا المذكورة إذا أقلع فى البحر ملجّج الى مصر أربعة أيّام، وبين انطاليه والقسطنطينيّة ثمنية أيّام فى البرّ على البريد وفى البحر على الطاروس خمسة عشر يوما والأرض التى بينهما عامرة مأهولة مسكونة لا تنقطع سابلتها من نواحى انطاليه ورستاقها وهو رستاق كثير الخير والمير الى خليج القسطنطينيّة وعلى الخليج سلسلة ممتدّة لا تعبر عنها سفن البحر إلّا بإذن وعلامة وعليها مرصد، ويقع هذا الخليج فى بحر الروم من البحر المحيط على ما قدّمت ذكره من نفس الشمال على طرف البرّيّة التى لا تسلك بردا فيمضى بقتر من أقتار ياجوج وماجوج ثمّ يخترق بلاد الصقالبة ويقطعها قطعتين ويتوسّط بلد الروم، ومن ورائه الى المغرب بلاد اثيناس وروميه وكلاهما ذوات أعمال ورساتيق وبلدان ومدن مضافة اليها وبرسمها وقرى ومزارع وقصور وحصون وملوك على قدر صالح وروميه واثيناس مدينتان بهما مجمع النصارى وتقربان من البحر، فأمّا اثيناس فهى دار حكمة اليونانيّين وبها تحفظ علومهم وحكمهم، وروميه ركن من أركان ملك النصارى وبها كرسىّ النصارى ككرسىّ انطاكيه وكرسىّ الإسكندريّة والكرسىّ الذي ببيت المقدس محدث لم يك فى أيّام الحواريّين واتّخذوه بعدهم لتعظيم بيت المقدس، ثمّ تتّصل أرض قلوريه بأرض الانكبرذه وأوّل ذلك أرض شلورى ثمّ نواحى ملف ومدينة ملف أخصب بلدان الانكبرذه وأنظفها وأجلّها أحوالا وأكثرها يسارا وأموالا، وتتّصل أرض ملف بأرض نابل وهى مدينة صالحة الحال دون ملف فى أكثر أحوالها وأكثر أموال أهل نابل من الكتّان وثياب الكتّان وبها منه ثياب ليس بسائر الارض مثلها
ولا ما يشاكلها ولا يستطاع ولهم ثوب يعمل طوله مائة ذراع فى عشر أذرع ويباع الثوب منها بالدون فمن مائة وخمسين رباعىّ الثوب الى ما فوق ذلك بقليل وأنقص بكثير، وتتّصل أرض نابل بأرض غيطه ثمّ تتّصل ديارهم بالافرنجة على ساحل البحر الى أن [تحاذى صقلّيّة وتجاوزها الى أن] تتّصل بطرطوشه من أرض الاندلس، وفى هذا البحر جزائر صغار وكبار وجبال غامرة وعامرة للروم والمسلمين فأمّا المعمور بالإسلام والناس فصقلّيه وهى أكبرها وأكثرها عدّة وأشدّها بأسا بمن حوته من ناقلة المغرب وهى ناحية قريبة من الافرنجة وقد قدمّت كثيرا من ذكرها، وكان للمسلمين فى هذا البحر غير جزيرة جليلة وناحية مشهورة نبيلة فاستولى العدوّ عليها كقبرس واقريطش وكانتا جزيرتين كثيرتى الخير والمير والتجارة والوارد منها والصادر اليها رائج وكان أخذهما أحد الأسباب الزائدة فى أطماع الروم لأنّهما بما كان فيهما من الرجال والعدّة والعتاد كالنار لهيبها لا يفتر وأوارها لا يقصر ينكون فى بلد النصرانيّة صباح مساء نكاية بيّنة ظاهرة يوجبها لهم قربهم من مطالبهم ومجاورتهم للروم فى مساكنهم فصمدت النصرانيّة صمدهما ووكدت وكدهما الى أن فتحتا جميعا وملكتا، وكانت قبرس على غير ما كانت اقريطش عليه من مواقفة كانت بين أهلها فيها وذلك أنّها لم تزل قسمين نصف للروم ونصف للمسلمين بها لهم أمير وحاكم وأيدى المسلمين مبسوطة على من جاورهم من النصارى والنصارى بهم شقّين، وجزيرة اقريطش حرّة مذ كانت وفتحت فى أيدى المسلمين ولم يكن
للنصرانيّة فيها مدخل ولا مخرج وأهلها فى غاية الجهاد وفى حين الهدنة والمسالمة مصونة فى شرائط بينهم غزيرة مقرونة بالقهر والاستظهار، وميرقه جزيرة خطيرة لصاحب الاندلس وكذلك جبل الفلال مضاف الى ذلك العمل وليس ميرقه بالمدانية لصقلّيه فى حال من الأحوال وإن كانت ذات خصب ورخص وسائمة ونتاج وخير [فإنّها تقصر عن صقلّية فى العدّة والعتاد والقوّة على الجهاد وكثرة التجارة ووفور العمارة]، ومن الجزائر المشهورة غير العامرة جزيرة مالطه وهى بين صقلّيه واقريطش وبها الى هذه الغاية من الحمير التى قد توحّشت والغنم الكثير الغزير وبها من العسل أيضا ما يقصدها قوم بالزاد لاشتياره ولصيد الغنم والحمير فأمّا الغنم فتكسّد والحمير فيمكن الورود بها الى النواحى فتباع وتعتمل، والذي سبّب هلاك الجزيرتين بعد قصد العدوّ لهما ما صار اليه أهلها من البغى والحسد والنكد حسب ما خامر أهل الثغور من ذلك الى استباحة الفساد والفسوق والغدر والغيلة والتضادّ والعناد فجعلوا عبرة للمعتبرين وموعظة للسامعين الناظرين ولن يصلح الله عمل المفسدين ولا يضيع أجر المحسنين، وقد ذكرت أنّ من جبلة الى قبرس يومين ومنها الى جانب بلد الروم مثله وبقبرس المصطكى الجيّد والميعة الكثيرة والحرير والكتّان وبها من القمح والشعير والحبوب والخصب ما لا يوصف كثرة، ولجبل الفلال الذي بنواحى افرنجه بأيدى المجاهدين عمارة وحرث ومياه وأراض تقوت من لجأ اليهم فلمّا وقع اليه المسلمون عمّروه وصاروا فى وجوه الافرنجة والوصول اليهم ممتنع لأنّهم يسكنون فى وجه الجبل فلا طريق اليهم ولا متسلّق عليهم إلّا من جهة هم منها آمنون ومقداره فى الطول نحو يومين،
وليس فى البحار أعمر حاشية من هذا البحر لأنّ العمارات من جنبتيه ممتدّة غير منقطعة ولا ممتنعة وسائر البحار تعترض فى شطوطها المفاوز والمقاطع وقد ألحّ الروم فى هذا الوقت على سواحل الشأم بالغارة ونواحى مصر فهم يختطفون مراكبهم من كلّ أوب ويأخذونها من كلّ جهة ولا غياث ولا ناصر ومن للمسلمين بناظر والملك فيهم هامل شاغر والملك جمّاع منّاع [والعالم يسرق ولا يشبع و] يفتى بالباطل على ما يبلع ولا يخاف معادا ولا مرجعا والفقيه ذئب أدرع فى كلّ بليّة يشرع وبكلّ ريح يسرى ويقلع والتاجر فاجر مسقع لا يعاف حراما ولا مطمعا والديار والأعشار بيد الأعداء متسلّمة والأملاك مغتصّة مصطلمة والأرض من أربابها الى الله تعالى متظلّمة، وهذه جمل صفة بحر الروم وجزائره وما عليه ممّا يحتاج الى علمه،
النص من طبعة ليدن، أعادت دار صادر ببيروت تصويرها، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع