من «صورة الأرض» لابن حوقل (ت بعد ٣٦٧هـ)
العراق
وأمّا العراق فإنّه فى الطول من حدّ تكريت الى عبّادان وعبّادان مدينة على نحر بحر فارس وعرضه من القادسيّة على الكوفة وبغداذ الى حلوان وعرضه بنواحى واسط من سواد واسط الى قرب الطيب وبنواحى البصرة من البصرة الى حدود جبّى، والذي يطيف بحدوده من تكريت فيما يلى المشرق حتّى يجوز بحدود سهرورد وشهرزور ثمّ يمرّ على حدود حلوان وحدود السيروان والصيمرة وحدود الطيب والسوس حتّى ينتهى الى حدود جبّى ثمّ الى البحر فيكون فى هذا الحدّ من تكريت الى البحر تقويس ويرجع على حدّ المغرب من وراء البصرة فى البادية على سواد البصرة وبطائحها الى واسط ثمّ على سواد الكوفة وبطائحها الى الكوفة ثمّ على ظهر الفرات الى الانبار ثمّ من الانبار الى حدّ تكريت بين الدجلة والفرات وفى هذا الحدّ من البحر على الانبار الى تكريت تقويس أيضا، وهذا المحيط بحدود العراق وستأتى أوصافه مفصّلة إن شاء الله، والصورة التى فى باطن هذه الصفحة صورة العراق، إيضاح ما يوجد فى صورة العراق من الأسماء والنصوص، قد صوّر فى أعلى الصورة بحر فارس وينصبّ فيه نهر دجلة قاطعا لوسط الصورة، ويقرأ فى القسم الأعلى من الصورة من جانبى النهر صورة العراق، وفى الزاويتين الأعلايين جنوب العراق ومشرق العراق، وكتب من جانبى النهر على شكل خطّين مقوّسين حدّ العراق وموازيا للخط الأيسر حدود خوزستان ثمّ حدود الجبل ثمّ حدود اذربيجان، وفى أسفل الصورة فى الزاوية اليمنى مغرب العراق،
وقد رسم على جانب النهر الأيمن ابتداء من البحر من المدن عبادان، الابله، الابله مرة ثانية، واسط، نهر سابس، ثمّ شكل مدينة لا اسم فيها ثمّ النعمانيه، المدائن، بغداذ، تكريت، الموصل، بلد، ويأخذ من الابله نهر الابله وحذاء نهايته مدينة البصره، وعن يمين البصرة شكّلت دائرة كتب حولها بطائح البصره وما عليها من القرى والأعمال ويأخذ من تلك الدائرة نهر ينصبّ فى دجلة عند واسط وفى وسط هذا النهر دائرة ثانية يقرأ حولها مرّة أخرى بطائح البصره وما عليها من القرى والأعمال وبين هذه الدائرة وماء البصرة نهر يقرأ عنده نهر معقل، وعن يمين ذلك ناحية متّصلة بخطّ الحدّ كتب فيها رايغة من بلاد الكوفه والبصره ومن وراء الخطّ بهذه الزنقة رمل أصفر متّصل برمال البصره والبادية والهبير، ثمّ يقع من أسفل ذلك على الخطّ المقوّس من المدن القادسيه وعن يسارها الكوفه ثمّ الحيره، ويوازى نهر دجلة فى القسم الأسفل من الصورة نهر الفرات ويتشعّب فى عدّة شعب تأخذ اثنتان منها الى بغداذ وهما الصراه ونهر عيسى، ثمّ عن يمينهما نهر صرصر وعليه مدينة صرصر، ثمّ نهر الملك وعليه مدينة كوثا ربا، وبين هذا النهر والشعبة التالية الى اليمين من المدن سورا، القصر، نهر الملك، بابل، وبين الشعتين الآخرتين مدينة الجامعان، وتجتمع هاتان الشعبتان فى دائرة كتب حولها بطائح الكوفه وما عليها من القرى والأعمال ويشار الى هذه الناحية كلّها بكتابة سواد الكوفه على شكل صليبىّ، وعلى سمت واسط يقطع نهر دجلة بكتابة سواد واسط وكتب واسط فى كلّ واحد من جانبيه على شكل صليبىّ، وعلى جانب دجلة الأيسر رسم من المدن ابتداء من البحر سليمانان، بيان، المفتح، واسط مرّة ثانية، فم الصلح، جبل، وعن يسارها دير العاقول، ثمّ كلواذى، بغداذ مرّة ثانية، البردان، عكبرا، العلث، الجويث، الكرخ، سرّ من رأى، الدور، السن، الحديثه، ويصبّ فى دجلة عند فم الصلح نهر كتب عنده النهروان وعليه من المدن ابتداء من دجلة جرجرايا، اسكاف بنى جنيد، النهروان وحذاءها النهروان مرّة ثانية،
ويأخذ من النهروان طريق الى اليسار الى حلوان عليه من المدن الدسكره، جلولا، خانقين، قصر شيرين، وينصبّ عند كلواذى نهر آخر بينه وبين دجلة دقوقا وخولنجان، هذا الإقليم أعظم أقاليم الأرض منزلة وأجلّها صفة وأغزرها جباية وأكثرها دخلا وأجملها أهلا وأكثرها أموالا وأحسنها محاسن وأفخرها صنائع وأهله فأوفرهم عقولا وأوسعهم حلوما وأفسحهم فطنة فى سالف الزمان والأمم الخالية وبمثله تجرى أمور أمّة الآخرة يقرّ بذلك لهم أهل الطاعة والفضائل ولا يمترى فيه أهل الدراية والحصائل، ورأيت ببعض الخطوط القديمة أنّه كان يجبى لقباذ السواد دون سائر أعماله وما كان تحت يده وسلطانه مائة ألف ألف وخمسين ألف ألف مثقال وأنّ عمر ابن الخطّاب رضى الله عنه أمر بمساحته فكان طوله من العلث فى جرى دجلة الى عبّادان مائة وخمسة وعشرين فرسخا وعرضه من عتبة حلوان الى العذيب ثمنين فرسخا عامرة مغلّة لا يقطعها بور ولا يلحق عمارتها غبّ ولا فتور فبلغت جربانه ستّة وثلثين ألف ألف جريب فوضع على كلّ جريب للحنطة أربعة دراهم وعلى الشعير درهمين وعلى جريب النخل ثمنية دراهم وعلى جريب الكرم والرطاب ستّة دراهم وختم على خمس مائة ألف إنسان للجزية على الطبقات وأنّه جبى السواد فبلغت الجباية مائة ألف ألف وثمنية وعشرين ألف ألف درهم، وجباه عمر بن العزيز مائة ألف ألف وأربعة وعشرين ألف ألف درهم، وجباه الحجّاج بن يوسف ثمنية عشر ألف ألف درهم وأسلف الأكرة ألفى ألف درهم وحمل ستّة عشر ألف ألف ومنع أهل السواد من ذبح البقر فقال شاعرهم
شكونا اليه خراب السوادفحرّم فينا لحوم البقر،
قال واجتبى لكسرى ابرويز خراج مملكته سنة ثمانى عشرة من ملكه أربعمائة ألف ألف مثقال وعشرين ألف [ألف] مثقال قال ثمّ بلغت الجباية بعد ذلك ستّمائة ألف ألف مثقال، [وأمّا فى زماننا هذا وهو تأريخ سنة خمسين وخمسمائة فهو أكثر ممّا ذكره أضعافا مضاعفة لا أحيط بمقداره،] فأمّا ذكر مسافاته فمن حدّ تكريت الى البحر ممّا يلى المشرق على تقويسه فنحو شهر ومن البحر راجعا فى حدّ المغرب على تقويسه الى تكريت فمثل ذلك، ومن بغداذ الى سرّ من رأى ثلث مراحل ومن سرّ من رأى الى تكريت مرحلتان، ومن بغداذ الى الكوفة أربع مراحل ومن الكوفة الى القادسيّة مرحلتان ومن بغداذ الى واسط ثمانى مراحل ومن بغداذ الى حلوان ستّ مراحل والى حدود الصيمرة والسيروان نحو ذلك، ومن واسط الى البصرة ثمانى مراحل ومن الكوفة الى واسط على طريق البطائح ستّ مراحل ومن البصرة الى البحر مرحلتان، وعرض العراق على سمت بغداذ من حلوان الى القادسيّة إحدى عشرة مرحلة وعرضه على قمّة سرّ من رأى من الدجلة الى حدّ شهرزور والجبل نحو خمس مراحل والعامر منه أقلّ من مرحلة والعرض من واسط الى نواحى خوزستان نحو أربع مراحل ومن البصرة الى جبّى [مدينة أبى علىّ الجبّائىّ] مرحلة، فأمّا مدنها فإنّ البصرة مدينة عظيمة ولم تكن فى أيّام العجم وإنّما اختطّها المسلمون أيّام عمر بن الخطّاب رضى الله عنه ومصّرها عتبة بن غزوان فهى خطط وقبائل كلّها ويحيط بغربيّها البادية مقوّسة وبشرقيّها مياه الأنهار مفترشة، وذكر بعض المؤلفين من أصحاب الأخبار أنّ أنهار البصرة عدّت أيّام بلال بن أبى بردة فزادت على مائة ألف نهر وعشرين ألف نهر تجرى فى أكثرها الزواريق وكنت أنكر ما ذكره من
هذا العدد فى أيّام بلال حتّى رأيت كثيرا من تلك البقاع فربّما رأيت فى مقدار رمية سهم عددا من الأنهار صغارا تجرى فى جميعها السميريّات ولكلّ نهر اسم ينسب به الى صاحبه الذي احتفره أو الى الناحية التى يصبّ اليها ويفرع ماؤه فيها وأشباه ذلك من الأسامى فجوّزت أن يكون ذلك كذلك فى طول هذه المسافة وعرضها ولم أستكثره، وهى من بين سائر العراق مدينة عشريّة ولها نخيل متّصلة من عبداسى الى عبّادان نيّف وخمسين فرسخا متّصلة لا يكون الإنسان منها بمكان إلّا وهو فى نهر ونخيل أو يكون بحيث يراهما، وهى فى مستواة لا جبل فيها ولا يكون بحيث يقع البصر على جبل بتّه، وبها آثار أمير المؤمنين صلوات الله عليه وغير موقف معروف مذ أيّام الجمل وقبر طلحة بن عبيد الله فى نفس المدينة وخارج المربد فى البادية قبر أنس بن مالك والحسن البصرىّ وابن سيرين والمشاهير من علماء البصرة وزهّادها الى يومنا هذا، ومن مشاهير أنهارها نهر الأبلّة وطوله أربعة فراسخ ما بين البصرة والأبلّة وعلى جانبى هذا النهر قصور وبساتين متّصلة كأنّها بستان واحد قد مدّت على خيط ورصفت بالمجالس الحسنة والمناظر الأنيقة والأبنية الفاخرة والعروش العجيبة والأشجار المثمرة والفواكه اللذيذة والرياحين الغضّة المركّب منها مثل الحيوان والبرك الفسيحة المرصوفة ولا تخلو من المتنزّهين بغرائب الملاذّ وتحفّ المتظرّفين منحدرين ومصعدين، ويتشعّب فوق البصرة ومن تحتها أنهار كثيرة فمنها ما يقارب هذا النهر فى الكبر ولا يدانيه فى الجمال وحسن المنظر الأنيق، وكأنّ نخيلها غرست ليوم واحد، وهذه الأنهار الكبار كلّها متخرّقة بعضها الى بعض وكذلك عامّة أنهار البصرة حتّى إذا جاءهم
مدّ البحر تراجع الماء فى كلّ نهر حتّى يدخل نخيلهم وحيطانهم وجميع أنهارهم من غير تكلّف وإذا جزر الماء عنها وانحطّ خلت منه البساتين والنخيل وبقيت أكثر الأنهار خالية فارغة، ويغلب على مياههم الملوحة وأكثر ما يستسقون الماء لشربهم إذا جزر الماء من آخر حدّ نهر معقل لأنّه يعذب هناك فلا يضرّه ماء البحر وعلى نهر معقل أيضا أبنية شريفة ومساكن حسنة عالية وقصور مشيّدة وبساتين وضياع واسعة غزيرة كبيرة عظيمة، وكان على ركن الأبلّة فى دجلة بين يدى نهرها خور عظيم الخطر جسيم الضرر دائم الغرر وكانت أكثر السفن تسلم من سائر الأماكن فى البحر حتّى ترده فيبتلعها وتغرق فيه بعد أن تدور على وجه الماء أيّاما وكان يعرف بكرداب الأبلّة وخورها فاحتالت له بعض نساء بنى العبّاس بمراكب اشترتها فأكثرت منها وأوسقتها بالحجارة العظام وبلّعتها ذلك المكان فابتلعها وقد توافت على مقدار فانسدّ المكان وزال الضرر فى وقتنا هذا عمّا كان عليه، وأكثر أبنيتها بالآجر وهى مدينة عظيمة جليلة خصبة بما حوته عامرة وافرة الأهل حسنة النظم [حتّى أنّ من طرف نهر معقل إذا سار الإنسان على خطّ مستقيم الى ناحية القبلة يكون بين السور وبين طرف النهر نحو فرسخ أو أكثر، قال كاتب هذه الأحرف دخلتها سنة سبع وثلثين وخمس مائة وقد خربت ولم يبق من آثارها إلّا الأقلّ وطمست محالها فلم يبق بها إلّا محالّ معلومة كالنحّاسين وقساميل وهذيل والمربد وقبر طلحة وقد بقى فى محلّة بيوت معدودة وباقى بيوتها إمّا خراب وإمّا غير مسكونة وجامعها باق فى وسط الخراب كأنّه سفينة فى وسط بحر لجّىّ وسورها القديم قد خرب وبينه وبين ما قد بقى من العمارة مسافة بعيدة وكان القاضى عبد السلام الجيلىّ ﵀ قد سوّر على ما بقى سورا بينه وبين السور القديم دون النصف فرسخ فى سنة ستّ عشرة وخمس مائة وسبب خرابها ظلم الولاة والجور وأيضا فى كلّ سنة مرّة أو مرّتين تشنّ عليهم البادية الغارات وأكثرهم خفاجة وابتدأ خرابها منذ خرج بها البرقعىّ وادّعى أنّه علوىّ وتحصّن بنهر الخصيب ومحاصرة أحمد الموفّق
ابن المتوكّل وسمعت جماعة من أهل البصرة يقولون كان بها فى زمن الرشيد بن المهدىّ أربعة آلاف نهر يجبى له فى كلّ يوم من كلّ نهر مثقال ذهب ودرهم نقرة وقوصرة تمر وسمعت الشيخ وهب بن العبّاس وكان من جملة الوعّاظ المعروفين بالبصرة يحكى عن والده العبّاس أنّه قال كان على باب المحلّة التى يسكنها دكّان بقّال منفرد عن السوق وأنّ ذلك البقّال شكا الى العبّاس قلّة المعاش وذكر أنّه كان يشترى من دكّانه فى كلّ سنة عشرة مكاكىّ خردل دون باقى الحوائج وفى سنتى هذه قد بقى من مكّوكى خردل بقيّة،] وللبصرة من استفاضة الذكر بالتجارة والمتاع والمجالب والجهاز الى سائر أقطار الأرض ما يستغنى بشهرته عن إعادة ذكر فيه، ولها من المدن عبّادان والأبلّة والمفتح والمذار فى مجارى مياه دجلة وهى مدن صغار متقاربة فى الكبر عامرة، والأبلّة أكبرها وأفسحها رقعة [وهى أحد حدود البصرة من جهة نهرها] والأبلّة من بينها عامرة وبها أسواق صالحة [ولها حدّ آخر من عمود دجلة مكان يتشعّب منها النهر المعروف بنهر الابلّة] وينتهى عمود دجلة الى البحر بعبّادان [بعد أن يضرب اليه نهر الابلّة]، وفى أضعاف قراها آجام كثيرة وبطائح الماء تسير فيها السفن بالمرادى لقرب قعرها كأنّها كانت على قديم الأيّام أرضا مسكونة ويشبه أن يكون لمّا بنيت البصرة وشقّت أنهارها وكثرت واستغلق بعضها على بعض فى مجاريها تراجعت المياه وغلبت على ما سفل من أرضها فصارت بطائح وآجاما، وللبصرة كتاب يعرف بكتاب البصرة ألّفه عمر بن شبّة قبل كتاب الكوفة ومكّة يغنى عن ذكر شىء من أوصافها وهذه الكتب موجودة فى جميع الأماكن، وأمّا ارتفاعها وقتنا هذا من وجوه أموالها
كلّها وجباياتها من أعشارها [وجماجمها] ومصالحها وضمان البحر بلوازم المراكب فإنّه زاد وكثر وغلا وغزر وحضرته سنة ثمان وخمسين فكان ذلك فى يد أبى الفضل الشيرازىّ ستّة آلف ألف درهم، ومدينة واسط على جانبى دجلة ودجلة تشقّها بنصفين والنصفان متقابلان بينهما جسر سفن يعبر عليه من أراد من أحد الجانبين الآخر وفى كلّ جانب مسجد جامع وهى مدينة محدثة فى الإسلام استحدثها الحجّاج ابن يوسف وبها حضر الحجاز وهى مدينة تحيط بحدّها الغربىّ البادية بعد مزارع يسيرة وهى خصبة كثيرة الشجر والنخل والزرع وأصحّ هواء من البصرة وليس لها بطائح ولها أرض واسعة ونواح فسيحة وعمارة متّصلة وبها قوام مدينة السلم إذا أسنتت نواحيها أو عيهت، ونواحى واسط عمل مفرد من أعمال العراق لعامل جليل نبيه خطير وحضرتها وقد جرى ذكر عقدها على أبى الفضل فى سنة ثمان وخمسين وكان ستّة آلف ألف درهم، ومدينة الكوفة قريبة الأوصاف من البصرة وهواؤها أصحّ وماؤها أعذب وهى على الفرات وبناؤها كبناء البصرة ومصّرها سعد بن أبى وقّاص وهى خطط لقبائل العرب إلّا أنّها خراج بخلاف البصرة لأنّ ضياع الكوفة قديمة أزليّة وضياع البصرة أحياء موات فى الإسلام، والقادسيّة والحيرة والخورنق على سيف البادية ممّا يلى المغرب ويحيط بها ممّا يلى المشرق النخيل والأنهار والزروع وهى والكوفة فى أقلّ من مرحلتين، والحيرة مدينة قديمة أزليّة طيّبة التربة مفترشة البناء وقد خفّ أهلها بل لم يبق منهم إلّا القليل بعمارة الكوفة وبينها وبين الكوفة نحو الفرسخ،
وبالكوفة قبر أمير المؤمنين علىّ صلوات الله عليه ويقال أنّه بموضع يلى زاوية جامعها وأخفى من أجل بنى أميّة خوفا عليه وفى هذا الموضع دكّان علّاف ويزعم أكثر ولده أنّ قبره بالمكان الذي ظهر فيه قبره على فرسخين من الكوفة وقد شهّر أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان هذا المكان وجعل عليه حصارا منيعا وابتنى على القبر قبّة عظيمة مرتفعة الأركان من كلّ جانب لها أبواب وسترها بفاخر الستور وفرشها بثمين الحصر السامان وقد دفن فى هذا المكان المذكور جلّة أولاده وسادات آل أبى طالب من خارج هذه القبّة وجعلت الناحية ممّا دون الحصار الكبير تربا لآل أبى طالب، والكوفة فى هذا الوقت وأعمالها وسوادها مضافة الى ضمان مدينة السلام ومرفوعة أعمالها الى دواوينها وحضرت ارتفاع السواد سنة ثمان وخمسين وقد ضمنه أيضا أبو الفضل وسائر طساسيج العراق دون زيادة الصنجة وحقّ بيت المال فكان ثلثين ألف ألف درهم، والقادسيّة مدينة على شفير البادية صغيرة ذات نخيل ومياه ويزرع بها الرطاب الكثيرة ويتّخذ منه القتّ علفا لجمال الحاجّ وغيرها وليس للعراق بعدها من ناحية البادية وجزيرة العرب ماء يجرى ولا شجر، ومدينة السلام محدثة فى الإسلام ابتناها أبو جعفر المنصور فى الجانب الغربىّ من دجلة وجعل حواليها قطائع لحاشيته ومواليه وأتباعه كقطيعة الربيع والحربيّة وغيرهما ثمّ عمرت وتزايدت فلمّا ملكها المهدىّ جعل معسكره فى الجانب الشرقىّ فسمّى عسكر المهدىّ وتزايد بالناس والبنيان وكثرت عمارتهم وانتقل اسم الخلافة الى الجانب الشرقىّ ودار من بيده حال من اسم المملكة وعمل الى أسفل هذا الجانب بالمخرّم واستحدث الدار التى فى أسفلها للسلطان وليس بما وراءها بنيان للعامّة متّصل، وتتّصل قصور السلطان وبساتينها من بغداذ الى نهر بين فرسخين على
جدار واحد ثمّ يتّصل من نهر بين الى شطّ دجلة [ويتّصل البنيان بدار خلافتهم مرتفعا على دجلة الى] الشمّاسيّة نحو خمسة أميال وتحاذى من الجانب الغربىّ الحربيّة فيمتدّ نازلا على دجلة البنيان الى آخر الكرخ، ويسمّى الجانب الشرقىّ منها جانب باب الطاق وجانب الرصافة ويسمّى عسكر المهدىّ لأنّه كان عسكر بحذاء مدينة أبى جعفر المنصور [وبنى هناك مسجد جامع حسن والآن فقد خرب ذلك المكان ولم يبق معمور غير الجامع ومقابر قريش والمحلّة المعروفة بقبر أبى حنيفة رضى الله عنه وانتقلت العمارة الى نهر معلّى وقد سوّر فى زماننا هذا وهو عشر الستّين وخمس مائة بسور حصين منيع وبين يديه خندق عميق محيط به يتخرّقه ماء الدجلة] ويسمّى الجانب الغربىّ جانب الكرخ، وبها مساجد للجمعة وصلاتها خاصّة فى أربعة مواضع منها فمنها [فى] الجانب الغربىّ الذي بمدينة أبى جعفر وبالرصافة جامع آخر لأهل باب الطاق وفى دار السلطان أيضا جامع يحضره الخاصّة والعامّة ومسجد براثا فى الجانب الغربىّ واستحدثه أمير المؤمنين علىّ صوات الله عليه، وتتّصل عمارة الجانب الشرقىّ فى أسفل دار الخلافة بكلواذى وهى أيضا مدينة قصدة فيها مسجد جامع ولو عدّ فى جملة بغداذ لجاز لأنّ كثيرا من أهلها يصلّون فيه، وبين الجانبين فى وقتنا هذا جسر بقرب باب الطاق وكانا اثنين لعبر المجتازين ولمّا بان النقص عليهما عطّل أحدهما لبيان الاختلال، وهلك أكثر محالّها وذلك أنّه كان من باب خراسان عمارة الى أن تبلغ الجسر وتمتدّ الى باب الياسريّة من الجانب الغربىّ وعرضها
فقد اختلّ أيضا من الجانبين جميعا [نحو خمسة أميال] ونقص وهلك منه الكثير وأعمر بقعة بها اليوم الكرخ وجانبه لأنّ أهل الياسريّة ومعظم مساكن التجّار هناك، وذكر بعض المؤلّفين أنّ الموفّق أمر بمساحتها فوجد الجانب الشرقىّ مائتى حبلا وخمسين حبلا وعرضه مائة حبل وخمسة أحبل ويكون ذلك ستّة وعشرين ألف جريبا ومائتين وخمسين جريبا وهذا حساب لا أعرفه، ووجد الجانب الغربىّ مائتين وخمسين حبلا والعرض سبعين حبلا سبعة عشر ألف وخمس مائة جريب الجميع ثلثة وأربعون ألف جريب وسبع مائة وخمسون جريبا، ويكون بفدّان مصر حساب كلّ جريبين ونصف فدّان سبعة عشر ألف فدّان وخمس مائة فدّان وكانت هذه مساحة رقعتها، فأمّا الأشجار والأنهار التى فى الجانب الشرقىّ ودار الخلافة فإنّها من ماء النهروان وتامرّا وليس يرفع اليها من دجلة إلّا شىء يقصر عن العمارة، وأمّا الجانب الغربىّ فيشقّ اليه من الفرات نهر عيسى من قرب الانبار تحت قنطرة دممّا وتتحلّب من هذا النهر صبابات تجتمع فتصير نهرا يسمّى الصراة يفضى أيضا الى بغداذ [عند المحلّة المعروفة بباب البصرة] وعليه عمارات كثيرة للجانب الغربىّ وتنفجر منه أنهار كثيرة لعمارات الناحية ويقع ما يبقى من ماء الصراة الصغيرة والكبيرة فيما يجاور نهر عيسى من بغداذ فى نحو نصف المدينة وعليها كثير من مساكنهم ودورهم وبساتينهم، فأمّا نهر عيسى فإنّ السفن تجرى فيه من الفرات الى أن يقع فى دجلة والصراة فيها حواجز وموانع من جرى السفن بسكور ودوال فيها فتنتهى السفن فيها الى قنطرتها ثمّ يحوّل ما يكون فيها فيجاوز به ذلك الحاجز الى سفن غيرها، وبين بغداذ والكوفة سواد مشتبك غير
متميّز تخترق اليه أنهار من الفرات فأولّها ممّا يلى بغداذ نهر صرصر عليه مدينة صرصر تجرى فيه السفن وعليه جسر من مراكب يعبر عليه ومدينة صرصر عامرة بالنخيل والزروع وسائر الثمار صغيرة من بغداذ على ثلثة فراسخ، ثمّ ينتهى على فرسخين الى نهر الملك وهو كبير أيضا أضعاف نهر صرصر فى غزر مائه وعليه جسر من سفن يعبر عليه ونهر الملك مدينة أكبر من صرصر عامرة بأهلها وهى أكثر نخلا وزرعا وثمرا وشجرا منها، ثمّ ينتهى الى قصر ابن هبيرة وليس بين بغداذ والكوفة مدينة أكبر منها وهى بقرب نهر الفرات الذي هو العمود [ويطلع] اليها هناك عن يمين وشمال أنهار مفترقة ليست بكبار إلّا أنّها تعمّهم لحاجتهم وتقوتهم وهى أعمر نواحى السواد، ثمّ ينتهى الى نهر سورا وهى مدينة [مقتصدة] ونهر كثير الماء وليس للفرات شعبة أكبر منه وينتهى الى سائر سواد الكوفة ويقع الفاضل منه الى بطائح الكوفة وسورا هذه بين تلك النواحى أكثرها كروما وأشربة، وكربلا من غربىّ الفرات فيما يحاذى قصر ابن هبيرة وبها قبر الحسين بن علىّ صلوات الله عليهما وله مشهد عظيم وخطب فى أوقات من السنة بزيارته وقصده جسيم، ومدينة سرّ من رأى فى وقتنا هذا مختلّة وأعمالها وضياعها مضمحلّة قد تجمّع أهل كلّ ناحية منها الى مكان لهم به مسجد جامع وحاكم وناظر فى أمورهم وصاحب معونة يصرفهم فى مصالحهم وكانت مدينة استحدثها أبو إسحاق المعتصم بن الرشيد طولها سبعة فراسخ على شرقىّ دجلة وكان شرب أهلها منها وليس بنواحيها ماء يجرى إلّا أنهار القاطول التى تنصبّ بالبعد منها الى سواد بغداذ والذي يحيط بها فبرّيّة وعمارتها ومياهها وأشجارها فى الجانب الغربىّ بحذائها ممتدّة والمواضع التى ذكرتها مدادا هى مدن
قائمة بأنفسها كدور العربايى والكرخ ودور الخرب وصينيّة سرّ من رأى نفسها فى وسطها ومن أوّل ذلك الى آخره عند دور الخرب نحو مرحلة لا ينقطع بناؤها ولا تخفى آثارها [وهى إسلاميّة] ولمّا ابتدأ بناءها المعتصم استتمّه المتوكّل وهواؤها وثمارها أصحّ من ثمار بغداذ وهوائها ولها نخيل وكروم وغلّات تحمل الى مدينة السلام [وهى الآن خراب أكثرها]، والنهروان مدينة يشقّها نهر النهروان بنصفين فى وسطها وهى صغيرة عامرة من بغداذ على أربعة فراسخ كثيرة الغلّات والخيرات والنخيل والكروم والسمسم خاصّة ونهرها يفضى الى سواد بغداذ أسفل من دار السلطان الى الإسكاف وغيرها من المدن والقرى، فإذا جزت النهروان الى الدسكرة الى حدّ حلوان خفّت المياه والنخيل وإن كانت من الدسكرة الى حدّ حلوان كالبادية منقطعة العمارة منفردة المنازل والقرى حتّى تفضى الى نهر تامرّا وحدود شهرزور والى تكريت، فأمّا المدائن فمدينة صغيرة جاهليّة أزليّة كسرويّة آثارها عظيمة ومعالمها قائمة وقد نقل عامّة أبنيتها الى بغداذ وهى من بغداذ على مرحلة وكانت مسكن الأكاسرة وبها ايوان كسرى المشهور ذكره بحديث سطيح وغيره الى يومنا هذا وهو إيوان معقود عظيم جسيم من آجرّ وجصّ وليس للأكاسرة أثر ولا بنية كهو، وينعت هذا الإقليم بأرض بابل وكانت مدينة النماردة والفراعنة وقرار ملكهم وحومة نعمهم وهى الآن قرية صغيرة وهى أقدم أبنية العراق عهدا استحدثها ملوك الكنعانيّين وسكنوها ومن كان بعدهم وكانت دار مقامهم وبها آثار أبنية تخبر أنّها كانت فى قدم الأيّام مصرا عظيما ويرى آخرون أنّ الضحّاك أوّل من بناها
وسكنتها التبابعة ودخلها إبراهيم عليه السلم، [وتجاهها حلّة ابن مزيد مدينة محدثة استحدثها منصور بن مزيد الأسدىّ فى سنى التسعين وأربعمائة غربىّ الفرات منغصّة بالناس كثيرة الأسواق دائمة الشرى والبيع وبها مسجد جامع حسن كبير وجبايتها ربّما زادت على ألف دينار،] وكوثى ربّا مدينة يزعم قوم أنّها كانت أكبر من بابل ويقال إنّ إبراهيم الخليل عليه السلم بها طرح فى النار وكوثى بلدان وناحيتان تعرف إحداهما بكوثى الطريق والأخرى بكوثا ربّا وبها تلال رماد عظيمة ويزعمون أنّها نار النمرود بن كنعان التى طرح فيها إبراهيم، والجامعان منبر صغير حواليها رستاق عامر خصب جدّا يحادّ نواحى المدائن، والمدائن من شرقىّ دجلة ومن بغداذ على مرحلة ويقال إنّه كان فى أيّام الفرس قد عقد بها على الدجلة جسر من آجرّ وليس لذلك أثر فى هذا الزمان وقد حكيت هذه الحكاية عن تكريت وأنّه كان على الدجلة بها عقد جسر من آجرّ يعبر عليه فى أيّام الهياطلة وأدركت أثرا من ذلك يشهد له فى سنى نيّف وعشرين وثلثمائة، فأمّا عكبرا والبردان والنعمانيّة ودير العاقول وجبّل وجرجرايا وفمّ الصلح ونهر سابس وسائر ما ذكرته على شطّ الدجلة من المدن فهى متقاربة فى الكبر وليس بها مدينة كبيرة وهى مشتبكة العمارة ولكلّ مدينة من ذلك كورة، [والبوازيج شرقىّ تكريت وهى على النهر الصغير الذي أخذ من
بلاد الدربند وشهرزور ولها نهر يأخذ من الزاب من أعلاها مسيرة أربعة أميال ويجئ اليها من قبليّها ويقسم بمقاسم عملت من الآجرّ أفواه الأنهار نهر الى شرقيّها ونهر الى غربيّها يسقى بساتينها وأقطانها ونهر يسمّى السنّ يدخل تحت السور من قبليّها ويشقّ فى وسطها وفى أسواقها وعليه مرابع بالآجرّ وربّما دخل واحد دكّانه واستقى الماء من طاقه ويخرج منها النهر فيسقى البساتين والأقطان الى شماليّها وشرقها وهو ماء كثير وفيها أيضا نهر صغير يشقّ وسط البلد ويروح الى غربىّ البلد يسقى الأقطان والبساتين وفى بساتينها فاكهة مليحة وأكثرها الرمّان والرطب وأهلها ليّنو العريكة محبّون الغريب ويتعصّبون له وربّما حمل من فاكهتها الى الموصل وينادى عليه باسمها وربّما أبيع فاكهة غيرها باسمها لشهرتها بالجيّد، ورؤساؤها قوم بنو يعرب من بجيلة من ولد جرير بن عبد الله البجلىّ ورؤساء نصفها الآخر قوم من بنى هود يقال لهم بنو هود بن قحطان وهؤلاء رؤساء الجانبين مختلفون فى المذهب فبنو يعرب شيعة وبنو هود سنّيّة ولكلّ منهم تبع عظيم وربّما يجرى بينهم شىء من القتال على ذلك إلّا أنّهم يزوّجون بعضهم من بعض ولا يزوّجون غريبا ولا يتزوّجون من غريب وكانوا قديما من عسكر علىّ بن ابى طالب رضى الله عنه لمّا فتح تكريت أخذوها وسكنوها بعد مقتله بالكوفة وهى مبنيّة بالطوب الّتى هو اللبن والجصّ مساكن مرتفعة جدّا أحسن من اربل،] وحلوان مدينة ليس بالعراق بعد البصرة والكوفة وواسط أعمر منها ولا أكثر خصبا وجلّ ثمارها التين وهى بقرب الجبل وليس للعراق مدينة تقرب من الجبل غيرها وربّما سقط بها الثلج فأمّا أعلى جبلها فالثلج يسقط به دائما، وبالدسكرة نخيل وزروع كثيرة وبخارجها حصن من طين داخله فارغ وهو مزرعة ويقال أنّ ملكها كان يقيم به فى بعض فصول السنة فسمّيت دسكرة الملك لذلك، وقد قدّمت القول بالتقويس الذي فى حدّ العراق من نحو تكريت الى [أن] يجاوز مشرقا عن دجلة الى قرب العلث بالطول على
مثال القوس الى الدسكرة ثمّ يتصوّب على مثال القوس الى حدّ عمل واسط من حدّ العراق الى حدّ الجبل فإنّه قليل العمارة وفيه قرى مفترشة والغالب عليها الأكراد والأعراب وهى مراع لهم، وكذلك من تكريت عن غربيّها الى أن تنتهى الى الانبار بين الدجلة والفرات قليل العمارة وإنّما العمارة منه ما يحاذى سرّ من رأى أميال يسيرة والباقى هى بادية، ولم أبالغ فى وصف العراق لإكثار الناس فيها ووصفهم المستفاض لها واشتهار عامّة ما يذكر منها وهذه صفة جامعة لها وإذ قصدى فيها وفى غيرها إثبات هيآتها فى الصورة وموقع بعضها من بعض، وأمّا ارتفاعها فبمعزل من ارتفاع البصرة وواسط فى وقتنا هذا وقد قدّمت ذكر ذلك فى غير موضع من قديم وحديث، [وحضرت عقد ضمانها من حدّ تكريت الى حدّ واسط بجميع طساسيجها وأعمال الكوفة المضمومة اليها من جميع وجوهها وأسبابها على أبى الفضل الشيرازىّ فى سنة ثمان وخمسين وثلثمائة وكان دون زيادة الصنجة وحقّ بيت المال ثلاثين ألف ألف درهم وقد تقدّم ارتفاع البصرة وواسط عند ذكرهما وأنّهما تضمّنا معا باثنى عشر ألف ألف درهم فى هذه السنة المذكورة،]
النص من طبعة ليدن، أعادت دار صادر ببيروت تصويرها، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع