تجاوز إلى المحتوى

من «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم» للمقدسي البشاري (ت نحو ٣٨٠هـ)

المفازة التي بين هذه أقاليم

اعلم ان بين أقاليم الأعاجم الّا الرحاب وخوزستان مفازة قد توسّطتها طولانيّة ليس بها نهر يجرى ولا بحيرة ولا رستاق ولا مدينة قليلة السكّان كثيرة الدّعار صعبة المسلك مبعّضة الأعمال وحشة الجبال متباعدة القرى مكامن ممتنعة وسبل منقطعة وعيون ضعيفة الّا ان الحياض والقباب في طرقها كثيرة وفراسخها قريبة وفي مواضع منها سباخ ورمال ومياه وغدران قفرة مخيفة أكثرها من خراسان وبعضها من كرمان وبعض من فارس والجبال ومن بلد السند وسجستان ومن أجل هذا كثر الدعّار بها لانهم إذا قطعوا في عمل هربوا الى آخر وكمنوا في جبل كركسكوه أو سياه كوه حيث لا يقدر عليهم ولا يمكن الوصول اليهم

وليس بها من المدن الّا سفيد وهي في حدود سجستان ويحيط بها من المدن المعروفة من كرمان خبيص زاور نرماسير كوه بيان ومن فارس يزد كثّة عقدة زرند ومن أصفهان أردستان ومن الجبال قمّ قاشان دزه ومن قهستان طبس كرى قاين خور ومن الديلم بيار ومثلها كمثل البحر كيف ما شئت فسر إذا عرفت السمك الّا ان الطرق التي قد مثّلناها في الشكل قد اشتهرت وسلكت من أجل الحياض والقباب المعمولة فيها ولو انّا ... حتّى نذكر جميع طرقها ومخارجها لتعجّب الناظر من ذلك وان منها لطرقا مخرج الى بيار وخسروجرد ومواضع لا يوبه بها ولقد خرجنا من طبس نريد فارس فمكثنا فيها سبعين يوما نعدل من ناحية الى ناحية مرّة نقع في طريق كرمان وتارة نقرب من أصفهان فرأيت من الطرق والمعارج ما لا أحصيه وهي جبال كلّها فيها رمال قليلة وعقاب هيّنة وسباخ صعبة وسرود وجروم ونخيل وزروع ورأيت أسهلها واعمرها طريق الرىّ وأصعبها طريق فارس وأقربها طريق كرمان وكلّها مخيفة من قوم يقال لهم القفص يسيرون اليها من جبال كرمان قوم لا خلاق لهم وجوه وحشة وقلوب قاسية وبأس وجلادة لا يبقون على أحد ولا يقنعون بالمال حتّى

يقتلوا من ظفروا به بالأحجار كما تقتل الحيّات تراهم يمسكون راس الرجل على بلاطة ويضربونه بالحجارة حتّى ينصدع وسألتهم عن ذلك قالوا لا تفسد سيوفنا ولا يفلت منهم أحد الّا ندر ولهم مكامن وجبال يمتنعون بها وكلّما قطعوا في عمل هربوا الى آخر قتالهم بالنشّاب ومعهم سيوف وكان البلوص اشرّ منهم حتّى أبادهم عضد الدولة وأنكى في هؤلاء أيضا وعند صاحب فارس منهم ابدا امّة رهائن يذهب قوم ويرجع آخرون وإذا كان مع القوافل بذرقة من قبل سلطان فارس لم يتعرّضوا لهم وهم اصبر خلق الله على الجوع والعطش زادهم شيء مثل الجوز يتّخذ من النبق يتقوّتون به يدّعون الإسلام وهم اشدّ على المسلمين من الروم والترك إذا أسروا الرجل أمروه بالعدو معهم نحو عشرين فرسخا حافى القدم جائع الكبد ولا يرغبون في الدوابّ ولا يتعاطون الركوب انّما هم رجّالة وربّما ركبوا الجمّازات، وحدّثنى رجل كان من أهل القرآن وقع في أيديهم قال وجدوا كتبا وطلبوا في الأسارى رجلا يقرأ فقلت انا فحملوني الى رئيسهم فلما قرأت الكتاب قرّبنى وجعل يسألنى عن أشياء الى ان قال ما تقولون في ما نحن فيه

من قطع الطريق والقتل قال قلت من فعل هذا استوجب من الله المقت والعذاب الأليم في الآخرة قال فتنفّس الصعداء وانقلب على الأرض وقد اصفر وجهه ثم أعتقني مع جماعة، وسمعت جماعة من التجار يقولون ان عندهم انهم لا يظفرون الّا بأموال لا تزكّى ويرون ان ما يأخذونه حقّ لهم واجب والجبال أعظمها وأمنعها كركسكوه اليه ينسب ما واجه الرىّ من هذه المفازة وليس هو بالكبير غير انه منقطع المرتقى ذو معاطف ومكامن ومخابي خفيّة، ويليه فيما ذكرناه سياه كوه وهو دونه في الكبر غير انه منيع ويقع طريق الرىّ بينهما عند قصر الجصّ وثمّ جوف وبها من العجائب على فرسخين من راس الماء نحو خراسان حجارة سود صغار نحو اربعة فراسخ، عند قبر الحاجّىّ نحو بارسك حصى صغار بعضها في لون الكافور بياضا وبعضها في لون الزجاج خضرة، بين خراسان وكرمان صورة لوز وتفّاح وعدس وباقلّى من حجارة وصورة عدّة من الناس وقصر عجيب فيه تماثيل وعقود دقيقة وهو اعجوبة لم أر مثله

واما صفة المنازل التي ابتدأنا بذكرها دير الجصّ وهو من آجرّ كلّ آجرّة مثل اللبنة العظيمة واسع كثير المرافق عليه أبواب حديد وعلى بابه

بقّال مقيم وحياض الماء خارج منه مدوّرة يجتمع فيها ماء المطر غير انّى رايته شعثا وكاج كانت قرية على رابية وقد خربت وانجلى أهلها اظنّ من القفص وتفترق منها الطرق واحدة هي التي ذكرنا وفيها عبرنا والأخرى الى قمّ مرحلة ثم الى قرية المجوس مرحلة وبدرة حصن لها

مزارع وبها نحو من خمسين دارا ورباط ابن رستم به ماء جار الى حوض في الرباط ودانجى قرية كبيرة عامرة، وهذه اعمر طرق المفازة لأنها على تخوم الجبال، ومن كركسكوه الى الدير اربعة فراسخ ومنه الى سياه كوه خمسة ولم اسلك طريق نيسابور الى أصفهان الّا انهم يذكرون انها انيسة مسلوكة وبها رمال صعبة ورباط كوران حصن به من يحفظه وخارج منه عين مالحة يشربونه وأرزمة ثلاثة آبار لا تفي بالقوافل الكبار والمهلّبيّ عين ضعيفة عندها رباط خرب ورباط آب شتران هو معدن الخوف ومأوى الكوج به قناة عذيبيّة تصبّ الى بركة والرباط حسن ما رأيت ببلدان الأعاجم أحسن منه من الحجارة والجصّ على عمل حصون الشام عليه أبواب حديد وهو شديد العمارة وفيه قوم يحفظونه بناه ابن سيمجور صاحب جيش ملك المشرق وبشت باذام شبه قرية كلّ شيء فيه موجود به مزارع واسعة وأغنام كثيرة وقناة غزيرة وجمال مسافر وفيه فرج ومغوثة وساغند قرية عامرة آهلة وخزانة قرية فيها حصن ومزارع وزرع وضرع ونحو مائتي رجل وبساتين والزاور قرية عامرة عليها حصن وبها ماء جار

من حدّ كرمان ودركوجوى بها عين ضعيفة وليس بها عمارة وشور دوازده رباط قد خرب وثمّ واد فيه أشجار ونخيل بلا ساكن مخوف جدّا ودر بردان صحراء بها آبار بلا أنيس وبعده منزل به حوض يمتلئ من الامطار بلا أنيس ونابند رباط يسكن وحوله بيوت عدّة وماء يدير رحى صغيرة ومزرعة ونخيل وبئر شك بها بئر حلوة بلا أنيس وقباب متّصلة وحياض عامرة وقبل نابند نخيلات وخرب قباب ودارستان قرية فيها نخيل بلا عمارة ونيمة رباط فيه من يحفظه وقرية سلم بها

ابنية مدّ البصر متهدّمة ليس بها عين ولا حوض ولا أنيس وهي من كرمان وراس الماء به عين تنزّ الى حوض وتسقى مزرعة وكوكور قرية عامرة من قهستان وبيرة قرية صغيرة بها نفر من الناس ومعزل عين ماء ولا ترى به ديّارا ولا عمارة وجاه بر بئر عندها قباب مثل بئر شك وثمّ حوض ومعزل اخرى وهي قباب وحوض ماء واما اسفيد فإنها من مدن سجستان في الدواوين غير انها في حدود هذه المفازة بها قنىّ ومزارع كثيرة عامرة آهلة فهذا المعروف من المنازل المشهورة في الطرق المذكورة وان ذكرنا البنيّات وما فيها من القرى والمياه طال الكتاب واقلّ مرحلة ممّا ذكرنا الّا وفيها حياض وقباب على كلّ فرسخ منها حوض أو قباب على بيوت يلجأ اليها في الامطار ولا ترى في هذه المفازة رباطا غير ما ذكرنا وليس بها أهل غير بشت باذام والخبز والعلف في غيره متعذّر وانّما يجب ان يحمل ويتزوّد لها زاد ستّة أيّام وطولها على السواء ستّون فرسخا أو نحوها وفي طريق الرىّ نهر يخاض عظيم ينحدر الى خوزستان وموضع شديد البرد في جميع السنة

فهذا ما عرفنا من أقاليم الإسلام وشاهدنا وسمعنا وصحّ عندنا من وصف البلدان نسأل الله العفو والغفران انه رحيم منّان فرحم الله عبدا نظر في كتابنا فاستحسنه أو رضيه واستصوبه الّا دعا لنا بنيّة صادقة وطلبة خالصة ان لا يجعله علينا وبالا يوم نسأل عن الصغير والكبير والدقيق والجليل، حين لا ينفع عذر ولا تذليل، ولا يغنى صديق ولا خليل،، إلّا من أتى الله بقلب سليم، وعمل لذلك الموقف العظيم، وخاف من ذلك الخطب الجسيم،، يوم يجثو الأنبياء على الركب، وينقطع كلّ سبب ونسب،،

وقال مصنّفه في وداعه

كتاب كاللّآلى والرّبيعوكالعقيان والرّوض المريع
كذلك فيه ذكر الأرض طرّابديعا ثم سمّى بالبديع
أقاليم البلاد وكلّ أرضوكلّ جزيرة مثل الصّديع
فجاج الأرض من عدن وشاموسوس الغرب بالنّبإ الرّفيع
منابعها وغدران القيافىوما في الأرض من طود منيع
وأثمار الأقالم بعد نخلمع الحرف العجائب بالجميع
فمنها ما رأيت وجست فيهاودخت نهارها بعد الهزيع
ومنها ما أثرت له حديثاعن الشّعبيّ يؤثر أو وكيع
ذكرت بدائع الأمصار شتّىوكلّ مدينة مثل الصّديع
وميّزت البحور بفضل علموتجربة كتمييز القطيع
وألسنة الورى جيلا فجيلالغات العرب عن لغة الشّنيع
متاجر كلّ إقليم وأرضوهيئات الرّقيق المستبيع
مشاكل كلّ إقليم وأرضوهيئات الرّقيق المستبيع
مشاكل كلّ إقليم مثاللقد جاءوا بطوق المستطيع
لينظر في أعاجيب البراياوما في الأرض بالوشي الوليع
ويعلم قدرة الدّيّان حقّاوإبداع المهيمن والسّميع
ويعبده عبادة مستكينوعبد في عبادته مطيع
يذيع أيادي الرّحمن طرّالمفضال الورى دأب المذيع
فإنّ إذاعة الإحسان تنموالى الرّحمن من قول المشيع
وصغت أجيل فيه الفكر جهديرجاء الخلد في يوم فظيع
وغفران الذّنوب بعفو ربّىومن نار ومن فزع وجيع
فدونك حكمة كالدّرّ حسناأبا حسن وزير ابن الرّفيع
مقدّسة تبصّ بصيص شذرمن الياقوت ألّف للقريع

تم والحمد للَّه وحده

النص من طبعة مكتبة مدبولي بالقاهرة (١٤١١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.