تجاوز إلى المحتوى

من «تحقيق ما للهند من مقولة» لأبي الريحان البيروني (ت ٤٤٠هـ)

مج- في خواصّ الجوكات الأربعة وذكر كلّ المنتظر في آخر رابعها

كانت اليونانيّة تعتقد في اسم الأرض وليكن المثال بواحدة منها، انّ الآفات التي تنتابها من فوق ومن تحت مختلفة في الكيفيّة وفي الكمّيّة وإنّه ربّما غشيها منها ما يفرط في احداهما او كلتيهما فلا ينفع معه حيلة ولا عنه هرب واحتراس، فيأتي عليها وذلك كالطوافين المغرقة والرواجف المهلكة بالخسف او التغريق والتحريق بما يفور منها من المياه او يرمي به من الصخور المحمّاة والرماد ثمّ الصواعق والهدّات والعواصف ثمّ الأوبية والأمراض والموتان وما اشبه ذلك، فإذا خلت بقعة عريضة عن امّتها ثمّ انتعشت بعد هلكتها عند انكشاف تلك الآفة عنها اجتمع اليها قوم متفرّقون كأمثال الوحوش المتعصمين قبل ذلك بالمخابىء ورؤوس الجبال، وتمدّنوا متعاونين على الخصم سواء كان من السباع او كان من الإنس ومساعدين بعضهم بعضا على تزجية العيش في أمن وسرور الى ان يكثروا، فينغض التنافس المرفرف عليهم بجناحي الغضب والحسد طيبة عيشهم، وربّما انتمت جماعة من تلك الجماعات في النسب الى واحد كان اوّل من حضر منهم او مختصّا بحال تميّزه منهم فلا يعرفون على مرّ الأيّام غيره، ويذكره «فلاطن» في

«كتاب النواميس» لليونانيّين» زوس» وهو المشتري وينتهي اليه نسب «بقراط» المثبت في آخر فصوله خارج الكتاب، إلّا انّه نفرون يسيره فإنّها اربعة عشر، وذلك انّه قيل فيه: «بقراط بن غنوسيذيقوس بن نبروس بن سسطراطس بن ثيوذورس بن قليوميطادس بن قريسامس ابن دردنس بن سسطراس بن املوسوس بن ابولوخس بن بوذاليرس ابن ماخاون بن اسقليبيوس بن افلّون بن زوس بن قرونس» وهو زحل؛ وأخبار الهند قريبة من ذلك في «جترجوك» فإنّهم يرون الطيبة والأمن، والخصب والبركة والصحّة والقوّة وغزارة العلم وكثرة البراهمة في اوّله اعني اوّل «كريتاجوك»، حتى يكون الثواب فيه تامّا اربعة ارباع والعمر اربعة آلاف عام بالتساوي بين الجميع في جميع ذلك، ثمّ يتناقص ذلك ويخالطه اضداده الى ان يكون الخير في اوّل «تريتاجوك» على ثلاثة اضعاف الشرّ الهاجم والثواب على ثلاثة ارباع، والكثرة في «كشتر» دون البراهمة والقمر كما تقدّم اوّلا على ما في «بشن دهرم» وكان القياس يوجب نقصانه بقدر نقصان الثواب، وفيه في قرابين النار يأخذون في قتل الحيوان وقطف النبات من غير ان تناولوا ذلك قبله، وكذلك يتزايد الشرّ الى ان يكون في اوّل «دوابر» مع الخير على قسمة متساوية وينتصف الثواب وفيه يختلف الأهواء ويكثر القتل ويتباين

الأديان، فيقلّ الأعمار وتصير على ما في الكتاب المذكور اربع مائة سنة، وفي اوّل «تشى» الذي هو «كلجوك» يكون الشرّ ثلاثة اضعاف الباقي من الخير، وقد مرّ لهم في «تريت» ودوابر اخبار معروفة مثل «رام» الذي قتل «راون» ومثل «برش رام» البرهمن الذي قتل من ظفر به من كشتر اذ كان موتورا منهم بأبيه، وعندهم انّه حيّ في السماء وقد جاء احدى وعشرين مرّة وسيعود، ومثل حرب اولاد «باندو» مع اولاد «كورو»؛ وأمّا في كلجوك فإنّ الشرّ يزداد الى ان يمخض في آخره بفناء الخير اصلا، وذلك وقت هلاك ساكني الأرض وعود النسل من اجتماع المتفرّقين في الجبال والمختفين في المغارات للعبادة هاربين من شياطين الانس الأشرار، ولهذا سمّي ذلك الوقت «كريتاجوك» اي الفراغ من الأعمال للذهاب، وفي خبر «شونك» ناقلة الزهرة من «براهم» انّ الله تعالى اسمعه قوله: اذا دخل كلجوك ارسلت «بدّهودن بن شدّهودن» الصالح لبثّ الخير في الخلق، فيبدّل «المحمّرة» المعتزون اليه ما اورد ويذهب قدر البراهمة من حينئذ حتى يجترئ عليهم «شودر» خادمهم ويقاسمهم و «جندال» الهبات والأعطية، وينصرف همم الناس الى الجمع من الجرام والادّخار لا يبالون باجتراح السيّئات فيها والآثام، وأوردهم ذلك الى عصيان الأصاغر اكابر هم والأولاد آباءهم والخدم مواليهم وأربابهم، ويتهارج الألوان حتى تفسد الأنساب وتبطل الطبقات الأربع وتكثر الأديان والمذاهب، والكتب المعمولة فيها كثرة يتفرّق بها الجماهير المجتمعة قبله على امر واحد اشخاصا افرادا ويهدم الديوهرات ويخرب المدارس، ويرتفع العدل حتى لا يعرف الملوك غير الظلم والهضم والأخذ والقصم كأنّهم يأكلون الناس أكلا مغترّين بالآمال الطوال غير معتبرين بقاصر الأعمار بحسب الأوزار واستيلاء الأوبية بقدر فساد النيّة، وزعموا انّ اكثر الحكم فيه على النجوم تخلف وتكذب؛ فأخذ ذلك «ماني» وقال: اعلموا انّ امور العالم قد تبدّلت وتغيّرت وكذلك الكهانة قد تغيّرت لتغيّر

«اسفيرات» السماء اي افلاكها ولا يتهيّأ للكهّان من معرفة النجوم في دائرتها ما كان يتهيّأ لآبائهم، ولكنّهم يضلّلون بالخدع، وبما يتّفق ما يقولون وربّما لا يكون؛ والذي في كتاب «بشن دهرم» ما هو زيادة على ما ذكرنا انّهم يجهلون مائيّة الثواب والعقاب وينكرون معرفة الملائكة بالحقيقة، ويختلف اعمارهم فيخفي عليهم مقاديرها، ويموت بعضهم جنينا وبعض طفلا وشابّا، ويخترم المخلصون ولا يعمرون ومن عمل السيّئات وكفر بالدين بقي اكثر، ويصير الملوك في «شودر» فيكونون كالذئاب الخاطفة يسلبون غيرهم ما يرونه، ويشابههم البراهمة في الفعل ويكون الكثرة في شودر وفي اللصوص، ويحبس حقوق البراهمة، ويشار الى من اتعب نفسه بالتقشّف بالأنامل لعزّته ويستخفّ بهم، ويتعجّب ممّن يخدم «بشن» بعد ان كانوا كذلك جملة، ولذلك يسرع الاجابة ويعظم الاثابة على يسير العمل وينال المكان والمكرمة بقليل العبادة والخدمة، وتكون عقبي الأمر في آخر «جوك» عند بلوغ الشرّ غاية مداه خروج «كرك بن جشو» البرهمن وهو «كل» الذي لقّب جوك به بقوّة لا يقاومها احد وبحدّة بكلّ سلاح يكون الفرد فيها، فيجرّد سيفه على الأخلاف الخلف ويطهّر وجه الأرض من دنسهم ويخليها منهم، ويجمع الأطهار البررة للانسال، ويعيد منهم «كريتاجوك» ويعود الزمان والعالم الى النزهة والخير المحض والطيبة، فهذه احوال الجوكات دائرة في «جترجوك»؛ وفي كتاب «جرك» حكاية عليّ بن زين الطبريّ عنه: انّ الأرض لم تزل في قديم الدهر خصبة سليمة و «مهابوت» الاسطقسات معتدلة، والناس متحابّون مؤتلفون لا حرص فيهم ولا تنازع ولا تباغض ولا تحاسد ولا شيء ممّا يسقم النفس والبدن، فلمّا جاء الحسد عقبه الحرص، وحين حرصوا اجتهدوا في الجمع فاشتدّ على بعضهم وسهل على بعض ودخلت عليهم الأفكار والمتاعب والغموم ودعت الى الحرب والمخادعات والكذب، فقست القلوب وتغيّرت الطبائع، وحلّت الأسقام وشغلت عن عبادة الله وإحياء العلم، فاستحكم الجهل وعظمت البليّة، فاجتمع الصلحاء الى ناسكهم

«فبرس بن اطري» حتى صعد الجبل وتضرّع فعلّمه الله علم الطّب. وما حكيناه عن اليونانيّين مماثل لذلك، فانّ، «اراطس» يقول في ظاهراته ورموزه على البرج السابع: تأمّل تحت رجلي البقّار اي العوّاء في الصور الشمالية العذراء التي تأتي وبيدها السنبلة المنيرة يعني السماك الأعزل، وهي امّا من الجنس الكوكبيّ الذي يقال انّه ابو الكواكب وإمّا متولّدة من جنس آخر لا نعرفه، وقد يقال انّها كانت في الزمن الأوّل مع الناس في حيّز النساء غير ظاهرة للرجال واسمها عندهم «العدل» وكانت تجمع المشيخة والقوّام في المجامع والشوارع وتحثّهم بصوت عال على الحقّ، وتهب الأموال التي لا تحصى وتعطي الحقوق، والأرض حينئذ تسمّى «ذهبيّة»، وما كان احد من اهلها يعرف المراء المهلك في فعل او قول ولا كان فيهم فرقة مذمومة، بل كانوا يعيشون عيشا مهملا وكان البحر مرفوضا غير مركوب بسفن، وإنّما كانت البقر تأتي بالمير، فلمّا انقرض الجنس الذهبيّ وجاء الجنس الفضّيّ عاشرتهم غير منبسطة واختفت في الجبال غير مخالطة للنساء كما كانت قبل، ثمّ كانت تأتي عظام المدن وتنذر اهلها وتعيّرهم على سوء الأعمال وتلومهم على افساد الجنس الذي خلّفه الآباء الذهبيّون، ويخبرهم بمجيء جنس شرّ منهم وكون حروب ودماء ومصايب عظيمة، فإذا فرغت غابت عنهم إلى الجبال ان انقرض الفضّيّون وصار الناس من جنس نحاسيّ، فاستخرجوا السيف الفاعل للشرّ وذاقوا لحم البقر وهم اوّل من فعل ذلك، فأبغضت العدل جوارهم وطارت الى الفلك؛ وقال مفسّر كتابه: انّ هذه العذراء هي بنت «زوس»، وكانت تخبر الناس في المجامع بالشرائع العامّيّة والناس حينئذ خاضعون للحكّام غير عارفين بالشرّ والخلاف، لا يخطر ببال احدهم شغب ولا

حسد، يعيشون من الحرث ولا يسلكون البحر في تجارة او حرص، وهم على طبيعة في الصفاء كالذهب، فلمّا انتقلوا من تلك السيرة وصاروا غير حافظين للحقّ لم تعاشرهم العدل ولكنّها كانت تشاهدهم وتسكن الجبال، فإذا اتت محافلهم بكراهة هدّدتهم لأنّهم كانوا ينصتون لقولها كآبائهم ومن اجل ذلك لم تكن تظهر للذين يدعونها كما كانت تفعل اوّلا، فلمّا اتى الجنس النحاسيّ بعد الفضّي واشتبكت الحروب وفشا الشرّ عزمت على أن لا تكون معهم البتّة وأبغضتهم وصارت الى الفلك، وقد قيل فيها اقوال كثيرة منها انّها «ديميطر» لانّ معها سنبلة وبعض يقول انّها «البخت والاتّفاق»، فهذا ما ذكر «ارطس»؛ وفي المقالة الثالثة من «نواميس افلاطن»: قال الأثينيّ: انّه كان في الأرض طوفانات وامراض وشدائد لم يتخلّص فيها من البشر إلّا رعاة وجبليّون هم الباقون من النوع غير متدرّبين بالمكر ومحبّة الغلبة، قال الاقنوسي، انّهم في اوّل الأمر يتحابّون عن خلوص لوحشة خراب للعالم ولأن عراءهم لا يضيق بهم ولا يحوج الى الجهد، فالفقر عندهم معدوم ولا قنية لهم ولا عقاد، فليس فيهم شحّ ولا فضّة لهم ولا ذهب، فليس منهم اغنياء ولا فقراء؛ ولو وجدنا لهم كتبا لكثرت الشواهد.

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «تحقيق ما للهند من مقولة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.