تجاوز إلى المحتوى

من «تحقيق ما للهند من مقولة» لأبي الريحان البيروني (ت ٤٤٠هـ)

له- في أصناف الشهور والسنين

«الشهر الطبيعيّ» هو من الاجتماع الى الاجتماع، وإنّما صار طبيعيّا لمشابهة أحواله أحوال الطبيعيّات التي لا تخلو من مبدإ لها كأنّه من العدم ومن تزايد وارتفاع في النشوء والنموّ وكالوقوف عند الاعتلاء ثمّ انحطاط يتبعه نحو البلى والدثور وتناقض في النشوء والنموّ الى أن يعود الى ذلك العدم، كذلك نور القمر في جرمه على هذا النهج اذا بدا من المحاق هلالا ثمّ قمرا ثمّ بدرا وتراجع منه كذلك الى السرار الذي هو كالعدم بالإضافة الى الحسّ، فأمّا المكث في المحاق فمعلوم عند الكافّة وأما في الامتلاء فربّما اشتبه على بعض الخاصّة حتى إذا عرف صغر جرم القمر وعظم الشمس علم أنّ القطعة المنيرة منه تربى على المظلمة وذلك ممّا يوجب مدّة مكث ما على الامتلاء بدرا بالضرورة، وأيضا فمن جهة تأثيره في الرطوبات وظاهر انفعالها به حتى يدور معه أمور الزيادة في المدّ والجزر والنقصان فيهما لا يخفى ذلك على ساكني السواحل وركّاب البحر، كما لا يخفى على الأطبّاء تأثيره في اخلاط المرضى ودوران بحارينهم معه، وعلى الطبيعيّين تعلّق أمور الحيوان والنبات به، وعلى أصحاب التجارب أثره في المخاخ والأدمغة والبيض ودرديّ الشراب في دنانه وخوابيه وما يهيجه في رؤوس النيام في فخته ويجلبه على ثياب الكتّان الموضوع في ضوءه، وعلى الفلّاحين ما يظهره في المقاثئ والمباطخ والمقاطن وأمثال ذلك حتى يتجاوزونها الى معرفة أوقات البذر

والزرع والغرس والإلقاح والإنتاج وأشباه ذلك، وعلى المنجّمين من أحداث الجوّ بأشكاله في حركاته، فهذا هو الشهر واثنا عشر منه سنة بالاصطلاح تسمّى «قمريّة»؛ وأمّا «السنة الطبيعيّة» فإنّها مدّة عودة الشمس في فلك البروج لأنّها تشتمل على أكوان الحرث والنسل الدائرة في الفصول الأربعة وبها تعود أشعّة الشمس من الكرى وأظلال المقاييس بعينها الى مقاديرها وأوضاعها وجهاتها التي تأخذ فيها أو منها، فهذه هي السنة وتسمّى «شمسيّة» لأجل القمريّة؛ وكما أنّ الشهر القمريّ كان نصف سدس سنته كذلك الجزء من اثني عشر من سنة الشمس شهر لها بالوضع اذا كان المأخذ من حركتها الوسطى، وإن كان من حركتها المختلفة فشهرها هو مدّة كونها في برج، فهذه هي الشهران والسنتان المشهورة؛ والهند يسمّون الاجتماع «أواماس» والاستقبال «يورنمه» والتربيعين «آتوه»، فمنهم من يستعمل في السنة القمريّة شهوره القمريّة وأيّامه، ومنهم من يستعمل الشهور الشمسيّة برءوس البروج، ويسمّى الانتقال فيها «سنكرانت»، وذلك على وجه التقريب لأنّه لو استمرّ عندهم لاستعملوا سنة الشمس نفسها وشهورها فاستغنوا بذلك عن كبس السنة بالشهور؛ ومستعملو شهور القمر منهم من يفتتحها بالاجتماع وهو المذهب المرضيّ، ومنهم من يفتتحها بالاستقبال، وسمعت أنّ «براهمهر» يفعل ذلك ولم أتحقّقه من كتبه بعد، وذلك منهيّ عنه، وكأنّه قديم فإنّ في «بيذ»: أنّ الناس يقولون تمّ البدر وتمّ بتمامه الشهر، وذلك من جهلهم بي وبتفسيري فإنّ خالق العالم ابتدأ به من النصف الأبيض دون الأسود، وقد يجوز أن يكون هذا المحكيّ من قول الناس؛ ثمّ الشهر من جهة أنّ العدد بعد الاجتماع مفتتح باسم «بربه» من الأيّام القمريّة كافتتاحه به بعد الاستقبال، وكلّ

يومين بعداهما عنهما واحد فإنّ اسمهما أيضا واحد، ويكون فيهما النور والظلمة في جرم القمر متكافئين وساعات الطلوع في أحدهما والغروب في الآخر متساويتين، ولهم حساب لها وهو أن يضرب الأيّام القمريّة الماضية من الشهر ان كانت أقلّ من خمسة عشر أو زيادتها على الخمسة عشر ان كانت أكثر منها في عدد «كهري» تلك الليلة ويزاد على المبلغ اثنان أبدا ويقسم المجتمع على خمسة عشر فيخرج كهري وما يتبعها لما بين أوّل الليل وبين غروب القمر في الأيّام البيض أو بين طلوعه في الأيّام السود، وهذا لأنّ تفاضل هذه المدّة في الليالي بدقيقتين ومقادير الليالي حائمة حول الثلاثين دقيقة فإذا أخذ لكلّ يوم ثلاثون دقيقة وقسم المبلغ على نصفها خرج لكلّ واحد دقيقتان إلّا أنّه وفق لاختلاف الليالي فضرب في مقدار الليلة وكان أدقّ أن يضرب في نصف مجموع هذه الليلة والأولى من الشهر، ولا فائدة في زيادة الدقيقتين فإنّها مقام رؤية الهلال ولو كان الشهر مأخوذا منها لانتقل بهما الى الاجتماع؛ ولأنّ الشهور تتركّب من الأيّام فإنّ أنواع الشهور تكون بحسب أنواع أيّامها، وكلّ واحد منها ثلاثون، وأمّا بالطلوعيّة التي هي المعيار فإنّ الشهر القمريّ بحسب ادوار النيّرين في «كلب» عندهم تسعة وعشرون يوما و من من يوم، وهو ما يخرج من قسمة أيّام كلب على شهور القمر فيه، وشهور القمر فيه هو فضل ما بين ادوار النيّرين فيه وذلك، وأمّا الشهر بأيّام القمر فهو ثلاثون لأنّ هذا هو العدد الموضوع للشهر كما أنّ العدد الموضوع للسنة ثلاث مائة وستّون، والشهر الشمسيّ بأيّامها ثلاثون وبالأيّام الطلوعيّة ثلاثون يوما و من، وشهر الآباء ثلاثون شهرا من شهورنا وأيّامها الطلوعيّة و من، وشهر الملائكة ثلاثون سنة وأيّامها الطلوعيّة و من، وشهر «براهم» ستّون كليا وأيّامها الطلوعيّة

، وشهر «پورش» هو ألفا ألف ومائة وستّون ألف «كلب» وذلك بالأيّام الطلوعيّة بعد تسعة أصفار عن اليمين، وأيّام شهر «كأ» الطلوعيّة بعد ثلاثة وعشرين صفرا عن اليمين؛ فإذا ضربنا كلّ واحد من هذه الشهور في اثنى عشر اجتمعت أيّام سنتها، أمّا السنة القمريّة فإنّها تحصل بالأيّام الطلوعيّة ثلاث مائة وأربعة وخمسين يوما و من، وأمّا السنة الشمسيّة فيحصل أيّامها ثلاث مائة وخمسة وستّين يوما و من، وأمّا سنة الآباء فهي ثلاث مائة وستّون شهرا قمريّة وأيّامها الطلوعيّة و من، وأمّا سنة الملائكة فهي من سنينا ثلاث مائة وستّون وأيّامها الطلوعيّة و من، وأمّا سنة «براهم» فإنّها سبع مائة وعشرون كلپاوأيّامها الطلوعيّة بعد ستّة أصفار عن اليمين، وأمّا سنة «پورش» فإنّها كلپاوأيّامها الطلوعيّة بعد تسعة أصفار، وأمّا سنة كأ فإنّ أيّامها الطلوعيّة بعد ثلاثة وعشرين صفرا، على أنّه ذكر في كتبهم أنّه لا يتركّب من يوم پورش شيء لأنّه الأوّل والآخر الذي لا أوّل لأوّليّته ولا آخر لأبديّته، وسائر الأيّام التي يتركّب منها الشهور والسنون لمن دونه من المحدودي المدّة، وهذا منهم على وجه التنزيه لما فوق النفس فإنّهم لا يفرقون بينه وبينها إلّا في الترتيب، ويذكرونه بشبه أقاويل الصوفيّة أنّه ليس بالأوّل وليس غيره، لكنّ المدّة إذا قدّرتها من عند الآن الموجود الى كلّ واحدة من جنبتيه أعني الماضي المفقود والمستأنف الذي في القوّة لم يأباه الوهم وإذا احتمل بعضها تقديرا باليوم لم يمتنع الوهم في أضعافه من سمة الشهر والسنة، وإنّما غرضهم أنّا نضيف سنيهم الى

أعمار لهم مبتدئة بالكون ومختتمة بالفساد والموت، والبارئ سبحانه يتعالى عنهما وكذلك الجواهر البسيطة فلذلك نقتصر على يومه ولا نتجاوزه؛ ثمّ نقول:

أنّ ما لا يكون ضروريّا فإن للاختلاف والتفريع الاصطلاحيّ اليه مساغ فيكثر فيه الأقاويل، فمنها ما يتّفق له نظام وقانون ومنها ما لا يكون ذلك له، ومن ذلك كلام وقع إليّ وقد أنسيت معدنه قال: انّ ثلاثا وثلاثين ألف سنة من سني الناس تكون سنة لبنات نعش وستّا وثلاثين ألف سنة من سني الناس تكون سنة لبراهم وتسعا وتسعين ألف سنة من سني الناس تكون سنة للقطب، فأمّا سنة «براهم» فقد قال «باسديو» لأرجن في المعركة بين الصفّين أنّ يوم براهم هو كلپان، وفي «براهم سدّهاند» حكاية عن «بياس بن پراشر» وعن كتاب «سمرت»: انّ «كلب» نهار لديبك وهو براهم ومثله ليل له؛ فإذن هذا القول ظاهر البطلان، وإنّما الستّ والثلاثون ألف سنة مدّة دور الثوابت في فلك البروج دورة واحدة إذا كان قطعها كلّ درجة في مائة سنة وبنات نعش منها إلّا أنّهم من جهة الأخبار يميّزونها منها ويجعلون لها من الأرض بعدا مخالفا لبعدها فلذلك تختصّ بحالات غير حالاتها، فإن كان عنى بسنتها دورة لها فما أسرعها وأكذبها للوجود وليس للقطب دورة تجعل له سنة، وإنّما اتخيّل من ذلك أنّ قائله كان بعيدا جدّا عن العلوم ومتصدّرا في جملة النوكي وأنّه أضاف هذه السنين الى من ذكرهم على وجه التعظيم، فكان يجب أن يكثر العدد ليكون أبلغ في التفخيم.

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «تحقيق ما للهند من مقولة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.