من «تحقيق ما للهند من مقولة» لأبي الريحان البيروني (ت ٤٤٠هـ)
كز- في الحركتين الأوليين عند منجّميهم وعند أصحاب البرانات
أمّا عند المنجّمين منهم فالأمر كما نذهب إليه نحن في أكثر الأمر، ونحن نحكي أوّلا أقاويلهم فيه وإن كان ما وجدناه من ذلك نزرا جدّا، قال «بلس»:
الريح تدير فلك الكواكب الثابتة ويحفظه القبطان وحركته التي إلى المغرب يراها سكّان جبل «ميرو» من اليسار الى اليمين ويراها سكّان «بروامخ» من اليمين إلى اليسار، وقال في موضع آخر: إن سأل سائل عن جهة حركة الكواكب معما يراه من طلوعها من المشرق ودورانها نحو المغرب إلى أن تغيب، فليعلم أنّ الحركة التي نراها لها نحو المغرب مختلفة الوجهة بحسب إدراك أهل المساكن إيّاها فسكّان جبل «ميرو» يرونها من اليسار إلى اليمين وأهل جزيرة «بروامخ» يجدونها بعكس ذلك من اليمين إلى اليسار وسكّان خطّ الاستواء نحو المغرب فقط ومن فيما بين هذه المواضع منحطّة بحسب عروض المساكن، وهي في الجملة صادرة عن الريح التي تدير الأفلاك حتى تلزم الكواكب وغيرها طلوعا من المشرق وغروبا في المغرب بالعرض وأمّا بالذات فإنّ حركاتها نحو المشرق، وهذه الحركة هي التي تكون من الشّرطين نحو البطين فإنّ البطين عن الشرطين في جهة المشرق، فإن لم يعرف السائل منازل القمر وعجز عن قياس الحركة الشرقيّة عليها فليتأمّل القمر نفسه في تباعده عن الشمس أوّلا فأوّلا ثمّ اقترابه منها كذلك إلى أن يجامعها ليتصوّر من ذلك حركته الثانية؛ وقال «برهمكوبت»: إنّ الفلك خلق متحرّكا على قطبين بأسرع
حركة تمكن فلا يلحقها فتور، وخلقت الكواكب حيث لا بطن حوت ولا شرطين أي في الفصل المشترك بينهما وهو الاعتدال الربيعيّ؛ وقال «بلبهدر» المفسّر:
إنّ جميع العالم معلّق بقطبين ومتحرّك باستدارة تبتدىء من «كلب» وتنتهي إلى كلب فلا يجوز أن يقال في العالم بسبب اتصال حركته: إنه لا أوّل له ولا آخر؛ وقال «برهمكوبت»: الموضع الذي لا عرض له وهو المقسوم بستّين كهريا هو أفق لمن في «ميرو» ويكون الشرق فيه غربا ووراء هذا الموضع في الجنوب «بروامخ» والبحر يحيط به، فإذا دارت الأفلاك والكواكب صار معدّل النهار أفقا مشتركا للملائكة ولديت يرونه معا، واختلفت جهة الحركة بينهم فما رآه الملائكة منها متيامنا رآه «ديت» متياسرا وبالعكس على مثال من كان بيمناه شيء فإنّه إذا نظر في الماء رآه في يسراه، وسبب هذه الحركة المستوية التي لا تزيد ولا تنقص هي ريح وليست بالريح المشاهدة عندنا فإنّ هذه تسكن وتهتاج وتختلف وتلك لا تسكن؛ وقال أيضا في موضع آخر: والريح تدير جميع الكواكب الثابتة والسيّارة نحو المغرب دورة واحدة، والسيّارة تتحرّك نحو المشرق حركة يسيرة على مثال ذرّة تتحرّك على دوّارة الخزّاف في خلاف جهة التحريك فإنّ الذي يرى من حركتها هو التحريك ولا يحسّ بحركتها الذاتيّة، وهذا قول أجمع عليه «لات» و «آرجبهد» و «بسشت» إلّا قوما رأوا الحركة للأرض والسكون للسماء، فأمّا الحركة التي يعتبرها الناس من المشرق إلى المغرب فإنّ الملائكة يرونها من اليسار الى اليمين وديت من اليمين إلى اليسار. فهذا ما طالعته من كتبهم فيها، فأمّا الريح التي يشيرون إليها في التحريك فما أظنّها إلّا للتقريب من الافهام فإنّها مشاهدة في تحريك الآلات ذوات الأجنحة والديدانجات إذا هبّت عليها، وإذ كانت الاشارة إلى المحرّك الأوّل عادوا في نفي التشبيه عنها بالريح الطبيعيّة التي تختلف باختلاف
أسبابها فإنّها وإن كانت محرّكة للأشياء فليست من ذاتها ولا بغير مماسّة لأنّها جسم ولها حوافز من خارج تكون حركتها بحسب حفزها إيّاها، ونفيهم السكون عنها إشارة منهم إلى دوام التحريك لا إلى السكون والحركة اللذين يكونان للجسم، وكذلك نفي الفتور عنها دلالة على تبرّئها عن الأحوال المختلفة فإنّ الفتور واللغوب لا يكون إلّا للمركّب من المتضادّات في الكيفيّة، وأمّا حفظ القطبين لفلك الثوابت فمعناه على النظام لا عن أن يسقط، وكان حكى عن بعض قدماء اليونانيّين أنّه رأى في المجرّة أنّها كانت في بعض الأزمنة طريقة للشمس ثمّ انتقلت عنها، وهذا هو زوال الحركات عن النظام الجائز أن يضاف إلى حفظ الأقطاب؛ وأمّا قول «بلبهدر» في تناهي الحركة فمعناه أنّ الخارج إلى الوجود الواقع تحت العدد لا محالة متناه من جهة مبدئه لأنّ العدد كائن من تراكيب الواحد وتضاعيفه وهو يتقدّمها لا محالة، ومن جهة الموجود منه في الآن من الزمان، وذلك ضرورة فإن كانت الأيّام والليالي متزايدة العدّة بدوام الكون فلها أوّل منها ابتدأت، وإن جحد جاحد وجودها في الفلك فزعم أنّ النهار والليل كائنان بالاضافة إلى الأرض وسكّانها وأنّها إذا رفعت عن وسط العالم وهما ارتفع الليل والنهار بارتفاعهما وزال التعديد عن المركّبات من مجموعاتهما وهي الأيّام عدل بلبهدر عن الاستدلال بموجب الحركة الأولى إلى موجب الثانية وهو أدوار الكواكب فإنّها بحسب الفلك دون الأرض وعبّر عنها بكلب لأنّه الجامع لها والذي يبتدئ جميعها من أوّله، وأمّا قول «برهمكوبت» في معدّل النهار: إنّه المقسوم بستّين، فهو بمنزلة قول قائل لو كان من أصحابنا: إنّه المقسوم بأربعة وعشرين، وذلك أنّه الكائل للأزمنة والعادّ لها ودوره مشتمل على أربع وعشرين ساعة كما يشتمل عند الهند على ستّين كهريا ولهذا حسبوا مطالع البروج بالكهريات دون أزمان معدّل النهار؛ وأمّا قوله
في الريح المديرة للكواكب الثابتة والسيّارة ثمّ تخصيصه السيّارة بالحركة اليسيرة نحو المشرق فهو موهم منه أنّه لا يرى للثابتة حركة وإلّا فهي تتحرّك أيضا حركة يسيرة نحو المشرق كالسيّارة، لا يباينها فيها إلّا بالمقدار وبالتحيّر العارض لتلك في الرجوع؛ وقد حكى قوم عن القدماء: أنّهم لم يكونوا يفطنون لحركاتها إلى أن دلّتهم الأزمنة المتطاولة عليها، ويؤكّد ذلك الوهم خلوّ الأدوار في كتبه عن ذكر أدوار للثوابت وتعليقه ظهورها واختفاءها بدرجات للشمس لا تتغيّر؛ وأمّا نفيه التيامن والتياسر عن الحركة الأولى على من يسكن خطّ الاستواء فليعلم أنّ الساكن تحت أحد القطبين أينما توجّه فإنّه يستقبل المتحرّكات، ولأنّها إلى جهة واحدة فإنّها بالضرورة آخذة من محاذاة إحدى يديه نحو وجهة وجهه ومنها إلى محاذاة اليد الأخرى، ويتبادل الأمر في اليدين عند الساكنين تحت كلا القطبين بسبب تقابلهما تبادله في الماء والمرآة فإنّ البصر إذا انعكس منهما صار كإنسان آخر مقابل لهذا الناظر يدرك بأيمنه أيسره وبأيسره أيمنه، وكذلك سائر المساكن ذوات العروض الشماليّة يستقبلها أهلها المتحرّكات نحو الجنوب، والجنوبيّة يستقبل أهلها المتحرّكات نحو الشمال فيكون أمر الحركة عندهم على قياس ساكني «ميرو» و «بروامخ» وأمّا الكائن على خطّ الاستواء فإنّ المتحرّكات تدور عليه بالتقريب فلا يستقبلها في جهة وأمّا بالتحقيق فإنّها تبعد عنه قليلا، فإن استقبلها في الجهتين على صورة واحدة كانت حركة الشماليّات عليه من اليمين إلى اليسار والجنوبيّات بخلاف ذلك، فجمع خاصيّة القطبين معا وحصل التبادل له مع نفسه دون غيره، وأمّا ما دار على سمت رأسه فهو الذي أومى إليه «برهمكوبت» من الأقسام. وأمّا أقاويل أصحاب البرانات فقد صيّروا السماء قبّة على الأرض ساكنة والكواكب بذواتها من المشرق إلى المغرب سائرة، فمتى يكون لهم علم
بالحركة الثانية وإن كان فمتى يجوّز لهم الخصم تحرّك شيء واحد إلى جهتين مختلفتين حركتين بالذات؟ ونحن نذكر ما وقع إلينا من جهتهم لا لإفادة فلا فائدة فيها، فقد قيل في «مج بران»: إنّ الشمس والكواكب تمرّ نحو الجنوب في سرعة السهم، تدور حول ميرو، ودوران الشمس على مثال خشبة ملتهبة الطرف إذا أسرعت إدارتها، وهي لا تغيب في ذاتها وإنّما تخفى عن قوم دون آخرين من المدن الأربع التي في الجهات الأربع من الجبل، وهي تدور حوله عن شمال جبل «لوكالوك» لا تجاوزه ولا تنير جانبه الجنوبيّ، وخفاؤها بالليل لبعدها، وقد يراها الإنسان من ألوف «جوزن» ثمّ يخفيها عنه شيء صغير إذا كان الشيء قريبا من العين. فإذا سامتت الشمس «بشكرديب» تحرّكت في ثلاثة أخماس ساعة جزءا من ثلاثين من الأرض فيكون لهذه المدّة أحد وعشرون لكشا وخمسون ألف جوزن وذلك، ثمّ تميل إلى الشمال فيصير مسيرها ثلاثة أضعاف ما كانت ولذلك يطول النهار، ودوران الشمس في اليوم الجنوبيّ تسعة «كورتي» وعشرة آلاف وخمسة وأربعون جوزن، فإذا عادت إلى الشمال ودارت على «كشير» أي البحر اللبنيّ كان يومه ثلاثة كورتي وأحدا وعشرين «لكش»؛ فانظر إلى اضطراب هذه الأقاويل في الموضوع، لأنّ قوله في مرور الكواكب: إنّها تسرع كالسهم وإن كان على وجه المبالغة في الصفة للفهم العامّيّ فإنّ الجنوب لا تختصّ بها دون الشمال، وإذا كانت لها في الجهتين غايتان للتردّد وتساوي زمان مرورها من الغاية الجنوبيّة إلى الغاية الشماليّة زمان مرورها بينهما بالعكس كان مرورها إلى الشمال أيضا في سرعة السهم، ولكنّ ذلك دليل على اعتقاده في
القطب الشماليّ أنّه العلو وجهة الجنوب متسافل عنه فالكواكب تمرّ إليها كالصبيان في الزحلوقات، فإن كان يعني بهذا المرور الحركة الثانية وذلك هو الأولى فإنّ الكواكب بها لا تمرّ حول «ميرو» وإنّما تميل عن أفقه قريبا من نصف سدس الدور؛ ثمّ ما أبعد مثاله في حركة الشمس بالخشبة الملتهبة، ولو كنّا نرى الشمس المتحرّكة طوقا مستديرا متّصلا لكان مثاله نافعا في تعريفنا أنّه ليس كذلك، فأمّا ونرى الشمس قطعة في السماء كالواقفة فإنّ مثاله هذر، وإن كان يعني بذلك أنّها تعمل مدارا مستديرا فالالتهاب في خشبته حشو فإنّ الحجر المعلّق من رأس خيط يعمل مدارا مثله إذا أدير فوق الرأس، وطلوع الشمس على قوم وغيبتها عن آخرين حقّ لولا ما ذكرناه من عقيدته، ويشهد عليه جبل «لوكالوك» ووقوع شعاع الشمس عليه من جانبه الإنسيّ الذي سمّاه شمالا والوحشيّ جنوبا، وليس خفاء الشمس بالليل للبعد وإنّما هو بساتر هو الأرض عندنا وجبل ميرو عنده ولكنّه تصوّر المدار حول الجبل ونحن منه في جانب فاختلف الأبعاد منّا إليه. وما بعد ذلك من الكلام يشهد أنّه في الأصل هكذا وخفاؤها بالليل ليس لبعدها، فأمّا الأعداد التي ذكرت فأظنّها فاسدة متغيّرة وليس لنا معها عمل ولكنّه جعل مسير الشمس في الشمال ثلاثة أضعاف مسيرة في الجنوب وصيّر ذلك علّة طول النهار وقصره ومجموع النهار وليله أبدا على حاله وهما في الشمال والجنوب يتكافئان، فيجب أن يكون ما ذكر مقولا على العرض الذي نهاره الصيفيّ خمسة وأربعون كهريا والشتويّ خمسة عشر، ومع ذلك فإسراع الشمس في الشمال محتاج إلى إيراد علّة له فإنّ أوضاعه تضيق المدارات الشماليّة لاقترابها من القطب وتوسّع الجنوبيّة لاقترابها من الذيل، وإذا أسرعت الشمس في المسافة الصغرى قصر زمانها عن زمان المسافة الكبرى وقد أبطأت فيها أيضا والأمر بالعكس، ثمّ قوله: إنّها إذا دارت على «بشكرديب» عبارة عن مدار المنقلب الشتويّ وقد صيّر النهار فيه
أكثر مقدارا ممّا عداه سواء كان المنقلب الصيفيّ أو غيره، فجميع الكلام غير مفهوم، ومثله ما في «باج بران» أنّ النهار في الجنوب اثنا عشر «مهورت» وفي الشمال ثمانية عشر وهي تميل فيما بين الشمال والجنوب «جوزن» في يوم فيكون حصّة اليوم جوزن، فأمّا مهورت فهو أربعة أخماس ساعة والقضيّة مقولة على عرض أطول نهاره أربع عشرة ساعة وخمسا ساعة، وما ذكر من عدد الجوزنات فإنّ ظاهر الأمر يقتضي أن تكون حصّة ضعف الميل من الفلك والميل عندهم أربعة وعشرون جزءا فجوزنات كلّ الفلك إذن ونصف جوزن، والأيّام التي تقطع فيها الشمس ضعف الميل هي نصف سنتها مجبور الكسر فإنّه قريب من خمسة أثمان يوم، وفي باج بران أنّ الشمس في الشمال تبطئ بالنهار وتسرع بالليل وفي الجنوب بعكس ذلك ولهذا يطول النهار في الشمال ويبلغ ثمانية عشر مهورتا، وهذا كلام من لا يعرف الحركة الشرقيّة أصلا ولا يهتدي لتقدير قوس النهار بالعيان؛ وفي كتاب «بشن دهرم» أنّ مدار بنات نعش دون القطب وتحته مدار زحل ثمّ المشترى ثمّ المرّيخ ثمّ الشمس ثمّ الزهرة ثمّ عطارد ثمّ القمر وهي تدور نحو المشرق كالرحا بحركة مستوية المقدار في كلّ كوكب لأنّ منها سريع ومنها بطيء وقد تكرّر الموت والحياة عليها في القديم ألوف مرّات، وهذا الكلام إن أريد إجراءه على مناهج الصواب مضطرب لأنّا إذا ذهبنا في تحتيّة بنات نعش عن القطب إلى أنّ موضع القطب هو العلو سفل بنات نعش عن سمت رؤوس أهل «ميرو» وصدق فيه ثمّ كذب في السيّارة فإنّ تحت فيها مقول على القرب والبعد من الأرض، ولن يطّرد على ذلك إلّا إذا كان زحل أعظم الكواكب ميل مجرى عن معدّل النهار ثمّ المشترى ثمّ باقيها الأوّل فالأوّل ومع ذلك ثابتة على ذلك المقدار من الميل، وليس ذلك في الوجود كذلك، وإن حملنا
الجميع على أمر واحد صدق فإنّ الثوابت فوق السيّارة لكنّ القطب لا يعلوها؛ وأمّا الدور الرحاويّ فإنّه بالحركة الأولى نحو المغرب دون الثانية التي أشار اليها، والكواكب عنده أنفس أشخاص نالت العلو بالكسب وعادت إليه عند تمام المدّة، وأظنّ أنّه أشار الى العدد بالألوف من أحد وجهين إمّا بسبب الوجود والخروج من القوّة إلى الفعل وإمّا بسبب أنّ منها ما تخلّص وفيها ما يتخلّص فعددها يتناقص وكلّ ما قبل النقصان فمتناه.
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع