من «تحقيق ما للهند من مقولة» لأبي الريحان البيروني (ت ٤٤٠هـ)
كد- في ذكر الديبات السبعة بالتفصيل من جهة البرانات
يجب أن لا يلتفت إلى اختلاف الأسامي والمعاني التي أوردها، أمّا ما في الأسامي فسهل الاصلاح لاختلاف اللغات، وأمّا ما في المعاني فامّا أن يحصل منه شيء يرغب في فهمه وموضوعه وإمّا أن يعرف به تناقض كلّ ما لا أصل له، وقد ذكرنا حال الجزيرة الوسطى حيث ذكرنا ما حول الجبل الذي في وسطها، وسمّيت «جنب ديب» باسم شجرة فيها تمتدّ فروعها مائة «جوزن»، وعند ذكر المعمورة وتقسيمها يكون تمام صفتها. وسنذكر الآن سائر الجزائر المحيطة بها ونعتمد في ترتيب الأسامي ما في «مجّ بران» للعلّة التي ذكرناها بعد أن نذكر في الوسطى شيئا هو في «باج بران» وهو أن في «مدّدش» زعم جنسان يسمّى احدهما «كينبرش» ويعرف رجالهم بلون الذهب ونساؤهم «سرينيا» يعيشون عيشا طويلا لا يمرضون مدّة حياتهم ولا يرتكبون وزرا ولا يتحاسدون وغذاؤهم ما يعصرونه من ثمرة نخل يسمّى «مدبه»، والجنس الآخر «هربرش» على لون الفضّة يعمرون أحد عشر ألف سنة لا يلتحون وطعامهم قصب السكّر. فمن جهة ما ذكر من عدم اللحية ولون الذهب والفضّة ذهب الخاطر إلى الترك ولكن من جهة التغذّي
بالتمر والقصب انحرف عنهم الى نواحي الجنوب وأنّى يوجد هذان اللونان في أهلها إلّا لون السيمسختج، وفي الزنج شيء من ذلك وهو أن لا غمّ لهم ولا تحاسد فيهم إذ لا يملكون شيئا به يقع ذلك، والعمر فيهم لا محالة أطول منه في بلادنا ولكن قليلا لا يبلغ الأضعاف، وإن كان الزنج ببلادتهم لا يعرفون موتا طبيعيّا وإنّما ينسبونه الى السمّ فقط ويتبعونه بالتهم إن لم يكن الميّت مقتولا بسلاح وهذه متى نفثه مصدور؛ فلنجيء الآن إلى «شاك ديب» وفيه على ما في «مج بران» أنهار عظام سبعة واحد منها مواز في الطهارة لكنك وفي البحر الأوّل سبعة جبال ذوات جواهر يسكن بعضها «ديو» وبعضها شياطين ومنها ذهبيّ شامخ منه يرتفع السحاب ثم يأتينا فيمطر ومنها ذو الأدوية كلّها ومنه يأخذ «اندر» الرئيس المطر ومنها واحد يسمّى «سوم» ومن قصّته: انّه كان لكشب امرأتان إحداهما «كدر» أمّ الحيّات والأخرى «بنت» أمّ الطيور وكانتا في الصحراء وبها فرس أشهب، فقالت أمّ الحيّات: هو أدهم وتراهنتا على استرقاق الكاذبة وأخرتا الفحص إلى الغد فوجّهت أمّ الحيّات بالليل أولادها السود حتى التووا عليه وستروا لونه فاسترقّت أمّ الطيور زمانا، ولها ولدان احدهما «انور» حافظ رخّ الشمس المجرور بالأفراس والآخر «كرر» فقال هذا لأمه: سلي أولاد ضرّتك بماذا يمكن إعتاقك، ففعلت، وقالوا لها: بالهناءة التي عند «ديو»، وحينئذ طار «كرر» الى ديو وطلبها منهم، فأجابوه بأنّ الهناءة من خصائصهم وإذا حصلت لغيرهم بقي بقاءهم، فتضرّع إليهم في تمكينه منها ريث ما يعتق بها أمّه ثمّ يردّها، فرحموه ودفعوها إليه فأتى جبل «سوم» وهم به فأعطاهم إيّاها واعتق أمّه ثم قال
لهم: لا تقربوا من الهناءة حتى تغتسلوا في نهر «كنك» فذهبوا لذلك فتركوها مكانها، فردّها كرر على ديو ونال الكرامة بذلك حتى ملك الطيور وصار مركب «بشن»؛ قال: وأهل تلك الأرض أخيار معمّرون قد استغنوا بترك التحاسد والتنازع عن سياسة الملوك، وزمانهم كلّه «تريتا جوك» لا يتحوّل، وفيهم الألوان الأربعة أعني الطبقات المتمايزة لا يتصاهرون ولا يتخالطون وهم دائما فرحون لا يحزنون؛ وفي «بشن بران»: انّ اسماء الطبقات فيهم «ارجك» علياها ثمّ «كرر» ثمّ «ببنش» ثمّ «بها نشجت»، وأنّهم يعبدون «باسديو»؛ ثمّ الجزيرة الثالثة «كش» وفيها على ما في «مج بران» جبال سبعة ذوات جواهر وفواكه وأنوار ورياحين وزروع، واحدها يسمّى «درون» فيه أدوية جليلة خاصّة «بشلّكرّن» وهو يلحم كلّ جراحه من ساعته، و «مرد سنجيبن» وهو يحيى الموتى، وجبل آخر يسمّى «هر» مثل السحاب الأسود وفيه نار تسمّى «مهش» خرجت من الماء وسكنته إلى وقت فناء العالم وهي التي تحرقه، وفيها سبع ممالك وأنهار لا تحصى تسيل الى البحر فيأخذها «اندر» للامطار ومن عظامها «جون» مطهر من الآثام، ولم يذكر فيه من أهلها شيء؛ وفي «بشن بران»: انّهم ابرار لا يأثمون يعمر كلّ واحد منهم عشرة آلاف سنة وأنّهم يعبدون «جناردن»، وأسماء الطبقات فيهم «دمن ششمن، سين، منديه»؛ ثمّ الجزيرة الرابعة «كرونج ديب»، فيها على ما في «مج بران» جبال ذوات جواهر، وأنهار هي شعب من «كنك» وممالك اهلها بيض الألوان اخيار اطهار؛ وفي بشن بران: انّ الناس بها مجتمعون في موضع واحد لا يتمايزون، ثمّ قيل في اسماء الطبقات: إنّها
پشكر، بشكل، دهنّ، تشاكه»، وهم يعبدون جناردن، ثمّ الجزيرة الخامسة «شالمل ديب»، فيها على ما في مج پران جبال وانهار وساكنوها اطهار معمّرون حلماء لا يغضبون ولا يجدبون، يأتيهم الطعام بارادتهم من غير زرع أو كد ويحصلون من غير تناسل، لا يمرضون ولا يغتمّون، قد استغنوا عن الملوك برفض التنافس في القنية وقنعوا فأمنوا واختاروا الحسن واحبّوا الخير، لا يتغيّر الهواء عندهم بحرّ او برد فيحوجهم إلى وقاية ولا يمطرون وإنّما يفور عندهم الماء من الأرض ويرشح من الجبال، وهكذا حال ما وراءها من الديبات، وهم جنس واحد لا يتمايزون بالطبقات ويعمر كلّ واحد منهم ثلاثة آلاف سنة؛ وفي بشن بران: انّهم حسان الوجوه، يعبدون «بهكبنت» ويقرّبون للنار ويعمر كلّ واحد عشرة آلاف سنة، وأسماء الطبقات فيهم «كبل، آرن، بيت، كرشن»؛ ثمّ الجزيرة السادسة «كوميذ ديب»، فيها على ما في «مج بران» جبلان عظيمان يسمّى احدهما «سمنا» أسود حالك يحيط بأكثر الجزيرة، والآخر «كمد» ذهبيّ اللون شامخ جدّا وفيه كلّ الأدوية، وفيها أيضا مملكتان؛ وفي بشن بران»: انهم أبرار لا يأثمون ويعبدون «بشن» وأسماء الطبقات فيهم «مك، ماكد، مانس، مندك»، ويبلغ من نزهتها أنّ أهل الجنّة ينتابونها للطيبة، ثمّ الجزيرة السابعة «بشكرديب»، وفي شرقها على ما في مج بران جبل «جترسان» أي منقّش السطح، له قرون من جواهر وارتفاعه «جوزن» وإحاطته، وفي غربه جبل «مانس» مضيء كالبدر، ارتفاعه، وله ابن يحفظ أباه من جهة المغرب، وفي شرقه مملكتان يعمر كلّ واحد من أهلهما عشرة آلاف سنة، تفور مياههم من الأرض وترشح من الجبال فلا يمطرون ولا يجري عندهم نهر ولا يصيفون ولا يشتون، وهم جنس واحد لا يتباينون ولا يجدبون ولا يشيخون،
يأتيهم ما يريدون، فهم في راحة واستئناس لا يعرفون غير الخير فكأنّهم في ربض الجنّة قد اعطوا الحسن مع طول العمر وزوال التفاضل فلا خدمة ولا ملك ولا إثم ولا حسد ولا خلاف ولا قيل ولا قال ولا كدّ في زرع ولا جهد في تجارة؛ وفي «بشن بران»: انّ «بشكر ديب» سمّيت باسم شجرة عظيمة بها تسمّى أيضا «نكرذ» وتحتها «براهم روب» أي صورته ويسجد لها «ديو» و «دانب»، وأهلها متساوون لا يتفاضلون سواء كانوا ناسا أو كانوا مع ديو، وليس فيها غير جبل واحد يسمّى «مانسوتن» يستدير على استدارتها ويرى سائر الديبات من قلّته فإنّ ارتفاعها «جوزن» وعرضه كذلك.
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع