تجاوز إلى المحتوى

من «تحقيق ما للهند من مقولة» لأبي الريحان البيروني (ت ٤٤٠هـ)

يز- في ذكر علوم لهم كاسرة الأجنحة على أفق الجهل

السحر هو إظهار شيء للاحساس على خلاف حقيقته بوجه من وجوه التمويه، فإن نظر إليه من هذا الوجه وجد في الناس شائعا، وإن اعتقد فيه اعتقاد العوامّ أنّه إيجاد الممتنعات فقد خرج أمره عن التحقيق فإذا امتنع الشيء لم يوجد أيضا فالكذب ظاهر في حدّه فالسحر إذن غير داخل في العلم بتّة؛ ومن أنواعه «الكيمياء» وإن لم يسمّ به ألا ترى أنّ أحدا لو تناول قطنة وأراها غيره نقرة لم ينسب إلّا إلى السحر وليس بينه وبين أن يتناول فضّة ويريها ذهبا فرق إلّا من جهة العادة؛ ولم يختصّ الهند بالخوض في أمر الكيمياء فليس يخلو منه أمّة وإنّما يزيد بعضها على بعض في الولوع به، وذلك غير محمول منها على عقل أو جهل فإنّا نجد كثيرا من العقلاء مستهترين به وكثيرا من الجهلاء مستهزئين به وبهم، أمّا أولئك العقلاء فهم غير مذمومين بتعاطيه وإن أشروا فيه لأنّ حاملهم عليه فرط الحرص على اجتلاب الخير واجتناب الضير، وقد سئل بعض حكماء عن سبب غشيان العلماء أبواب الأغنياء وإعراض الأغنياء عن قصد أبواب العلماء فأجاب بأنّه علم هؤلاء بمنافع المال وجهل أولئك بشرف العلم، وأمّا أولئك الجهلاء فهم غير محمودين على النفور عنه وإن أصمّوا لأنّ بواعثهم عليه أسباب هي موادّ الشرّ

ومخرجات نتائج الجهل من القوّة إلى الفعل؛ وأصحاب هذه الصناعة مجتهدون في إخفائها ومنقبضون عمّن ليس من أهلها فلذلك لم يتّفق لي من جهة الهند الوقوف على طرقهم فيها وإلى أيّ أصل يرجعون منها من المعدنيّات أو الحيوان أو النبات إلّا أنّي كنت أسمع منهم التصعيد والتكليس والتحليل وتشميع الطلق وهو بلغتهم «تالك» فأتفرّس فيها أنّهم يميلون إلى الطريق المعدنيّ؛ ولهم فنّ شبيه بهذا الباب قد اختصّ الهند به ويسمّونه «رساين» وهو اسم مشتقّ من الذهب فإنّه «رس» وهو لصناعة مقصورة على تدابير ومعاجين وتراكيب أدوية أكثرها من النبات وأصوله تعيد الصحّة إلى مرضى قد أيس منهم والشباب إلى المشايخ الفانين حتى يصيروا في حال المراهقين من اسوداد الشيب وذكاء الحواسّ والقوّة على البطش والجماع بل نيلهم البقاء في الدنيا أزمنة طويلة ولم لا وقد حكينا فيما تقدّم عن «باتنجل» أنّ أحد وجوه الخلاص هو رساين ومن الذي يسمع هذا ويصغي إلى صدقه ثمّ لا يخرؤ في سراويله فرحا وطربا ولا يزقم أستاذه من طريّه لقما، ومن المذكورين في هذا الباب «ناكارجن » من قلعة تسمّى «ديهك» بالقرب من موضع «سومنات» وكان فيه مبرّزا عمل كتابا موفيا على غيره نادرا وعهده لا يتقدّم زماننا إلّا بقريب من مائة سنة، وقد كان في أيّام «بكرمادت» الملك وسيجيء ذكر تأريخه بمدينة «أوجين » رجل يسمّى «بياري» صرف إلى هذا الفنّ همّته وأفنى فيه عمره وقنيته ولم يجد عليه جهده بما يسهل عليه مقصده فلمّا اضطرّ في النفقة تبرّم بما تقدّم له فيه الاجتهاد وجلس على شطّ نهر متحسّرا مغتمّا ضجرا وبيده قراباذينه الذي منه كان يأخذ نسخ الأدوية وجعل يطرح في

الماء منه ورقة بعد ورقة واتّفق أن كان على شطّ ذلك النهر في أسافله بعض الزواني وممرّ الأوراق عليها فكانت تجمعها وتطّلع منها على «رساين» وهو لا يراها إلى أن فنيت الأوراق فأتته سائلة عن سبب فعله بكتابه فأجابها لأنّي لم أنتفع به ولم أصل إلى شيء من أربي وأفلست بسببه بعد الذخائر الجمّة وشقيت بعد الأمل الطويل في نيل السعادة، قالت الزانية: لا تعرض عمّا أفنيت فيه عمرك ولا تيأس عن وجود شيء قد أثبته الحكماء قبلك فربّما كان الحائل بينك وبين الوصول إلى حقيقته أمرا اتّفاقيّا يتّفق زواله أيضا ولي أموال كثيرة معتقدة وكلّها لك مبذولة لتنفقها على ارتياد مطلوبك، فعاد الرجل إلى عمله، وكتب أمثال هذه الفنون مرموزة فكان يقع له في نسخة الدواء غلط من جهة اللغة في الدهن ودم الإنسان يحتاج إليهما فيه فإنّ المكتوب «ركتامل» ويظنّهما أملجا أحمر ويستعمله فيخلف الدواء ولا ينجح فلمّا أخذ في طبخ الأدوية أصابت النار رأسه ويبست دماغه فتدهّن بدهن أكثر صبّه على الهامة وقام من عند المستوقد لشغل فوافق سمت رأسه من عوارض السقف وتد ناتئ فشجّه بالصدمة وأدماه وعاد مطرقا للألم الذي عراه وتقطّر من يافوخه إلى الطنجير قطرات دم ممزوجة بدهن وهو لا يفطن لذلك إلى أن أدرك الطبيخ واطّلى به للامتحان هو والمرأة فطارا في الهواء وأخبر «بكرمادت» بذلك فخرج من قصره إلى الميدان ليعاينهما فناداه الرجل: أفتح فمك لبزاقي، فلم يفعل الملك ذلك أنفة ووقع البزاق عند الباب فامتلأت السدّة ذهبا وذهب هو مع المرأة إلى حيث أراد طائرا وعمل في هذا الفنّ كتبا مشهورة وهو معها إلى الآن حتى لم يمت زعموا؛ ومن مشابه هذا الحديث أنّ في مدينة «دهار» قصبة «مالوا» التي يملكها في زماننا «بجديو» على باب الوالي في دار الامارة قطعة فضّة خالصة مربّعة مستطيلة فيها تخاييل أعضاء الإنسان وقد ذكروا في أمرها أنّ رجلا قصد ملكا كان لهم في مواضي الأزمنة برساين إذا عملها بقي حيّا لا يموت مظفّرا لا يغلب قادرا على ما يروم

ويطلب فاستخلى الملك موعده وأمر بإحضار جميع ما طلبه وأخذ الرجل في إغلاء دهن أيّاما حتى بلغ قوامه وقال للملك: ارم بنفسك فيه حتى أتمّم لك الأمر، فهال الملك ما رأى وكاع عن الغرر بنفسه فلمّا أحسّ الرجل بفشله قال له: فإن كنت لا تجترىء عليه ولا تريده لنفسك فهل ترضاه لي حتى أفعله بنفسي، قال الملك:

ذاك إليك، فأخرج الرجل صرر أدوية وعرّفه علامات تظهر منه ليلقي عليه عند ظهور كلّ واحدة صرّة منها معيّنة وقام الرجل إلى الدهن وتردّى فيه فتفسّخ وتهرّأ وأخذ الملك يفعل ما مثّله له إلى أن قرب التمام وبقيت صرّة غير ملقاة فأشفق الملك منه على ملكه إذا انبعث كما ذكر فتوقّف عن إلقاء الصرّة وبرد القدر والرجل مجتمع فيها وهو تلك النقرة؛ ويتحدّثون في «بلب» ملك مدينة «بلبه» وقد ذكرنا تأريخه في بابه أنّ رجلا ممّن نال مرتبة «السدّيّة» كان سأل بعض الرعاة عن نبات يسمّى «توهر» وهو من جملة اليتوعات التي تسيل لبنا عند القطف هل شاهد منه ما يسيل دما بدل اللبن؟ فقال: نعم، ورضخه الرجل بشيء ليدلّه عليه ففعل وحين رآه أشعل النار فيه ورمى بكلب الراعي إليها فحرد الراعي وأخذ الرجل وفعل به وفعله بكلبه وتربّص إلى خمود النار ووجد كليهما ذهبيّين فأخذ كلبه وترك الرجل فعثر عليه بعض الرستاقيّة وقطع إصبعه وأتى بها إلى بقّال كان يلقّب برنك أي الفقير إذ كان أشدّ المقترين إقتارا وأظهرهم إدبارا واشترى منه ما احتاج إليه وعاد إلى الرجل الذهبيّ فوجد إصبعه قد نبتت وعادت إلى حالها فأخذ يقطعها ويشتري بها من ذلك البقّال ما يريد حتى استعلمه البقّال أمرها فدلّه بحماقته عليها وعمد «رنك » إلى بدن «السدّ» فحمله على عجلة إلى داره واستغنى بمكانه حتى أنّه استولى على أملاك البلد وطمع «بلب» الملك فيه وطالبه بمال فامتنع عليه ثمّ خاف احتقاده فلجأ إلى صاحب «المنصورة» وبذل له أموالا واستنجده بجيش الماء في السفن فأجابه إلى ذلك وأنجده فبيّت بلب الملك وقتله وأتى على قومه وخرّب بلده فيقال

إنّه إلى الآن يوجد في أرضه ما يوجد في البقاع المخرّبة بالبيات والمغافصة؛ ويبلغ من حرص جهّال ملوكهم على هذا الباب أنّ بعضهم ربّما رام أمرا فعرض له قتل عدّة من الصبيان الصغار الصباح فلا يبالي بالعظيمة فيهم ويعكف على إلقائهم في النار، ومثل هذا المطلب النفيس لو أحيل من الأمكنة إلى ما لا ينتهى إليه لكان أصوب فمن جملة كلام «أسفندياذ» عند موته كان «كاووس» أوتي المقدرة والأمور المعجبة المذكورة في كتاب الدين إذ ذهب إلى جبل قاف هرما قدحناه الكبر فانصرف منه شابّا طربا معتدل القامة ممتلئا من القوّة قد اتّخذ السحاب مركبا بإذن الله؛ فأمّا العزائم والرّقي فإيمانهم بها صادق وجمهورهم إليها مائلون والكتاب الذي لها مسند إلى «كرد » وهو من بين الطيور مركب «ناراين» فبعضهم يصفه بصفات تدلّ على الصفرد ويستدلّ على فعله وذلك أنه عدوّ السمك بالصيد وفي طباع الحيوانات النفار عن الضدّ والاحتراس من العدوّ ثمّ إنّه إذا رفرف فوق الماء وصاح برز السمك من قرار الماء إلى وجهه وسهّلت عليه صيدها كأنّه ربطها بسحره، ومنهم من يصفه بصفات لا تعدو القلق، ووصف في «باج بران» بالصفرة وهو أقرب إلى اللقلق من الصفرد لما هو مجبول عليه من إهلاك الحيّات؛ وأكثر الرّقى ينصرف إلى السليم ويبلغ من إفراطهم في هذا الباب أنّي سمعت بعضهم يزعم أنّه رأى ملسوعا مات فرقي بعد موته حتى عاش وبقي في العالم حيّا يتردّد كغيره، وسمعت آخر يزعم أنّه رأى ملسوعا ميّتا قام بالرقية وتكلّم وأوصى ودلّ على الودائع وعرّف الأشياء ولمّا استنشق رائحة الطعام خرّ ميّتا هامدا، ومن رسمهم أنّ اللّسعة إذا نكأت في صاحبها ولم يظفر براق أن يشدّوا السليم على حزمة قصب ويضعون عليه ورقة مكتوبا فيها «دعاء لمن عثر عليه وأنقذه بالرقية من الورطة»؛ ولست أدري ماذا أقول على عدم تصديق هذه الفنون وقد سمّ بعض من يسوء ظنّه بالحقائق فضلا عن الخرافات فحدّثني أنّه وجّه إليه بهنود موصوفين بهذا الشأن

يلحنون عليه بالرقي فكان يستروح إلى ذلك ويحسّ بالشفاء في إشاراتهم بالأيدي والقضبان، وقد رأيتهم أنا في صيد الظباء وأخذها باليد، وادّعى بعضهم أنّه يسوقها من غير أخذ ويقودها إلى المطبخ، فلم أجد عندهم فيه غير التعويد والتدريج والثبات على التلحين الواحد ونجد قومنا كذلك في صيد الأيائل وهي أشمس من الظباء إذا رأوها رابضة أخذوا في الدوران عليهم يلحنون بصوت واحد لا يتغيّر إلى أن تعتاده ثمّ يأخذون في تضييق الدارة إلى أن تبلغ مقدار التمكّن من الضربة وهي ساكنة، بل صيّادوا القطا بالليل يضربون أواني الصفر بإيقاع لا يتغيّر فيصيدونها به باليد وإذا تغيّر الإيقاع طارت كلّ مطار؛ وهذه خواصّ ليس للرقي فيها مدخل، وربّما نسب السحر إليهم من جهة الخفّة في الملاعب على الخشب المنصوبة والحبال الممدودة، فقد تساوى في هذا المعنى جميع الأمم.

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «تحقيق ما للهند من مقولة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.