تجاوز إلى المحتوى

من «تحقيق ما للهند من مقولة» لأبي الريحان البيروني (ت ٤٤٠هـ)

ط- في ذكر الطبقات التي يسمّونها ألوانا وما دونها

كلّ أمر صدر عن مستهتر طبعا بالسياسة، مستحقّ بفضله وقوّته للرئاسة، ثابت الرأي والعزيمة، معان بدولة في الأخلاف بتركهم الخلاف بالأسلاف فقد تأكّد ذلك الأمر عند مأمور به تأكّد الجبال الرواسي وبقي فيهم مطاعا في الأعقاب على كرور الأيّام ومرور الأحقاب، ثمّ إن استند ذلك إلى جانب من جوانب ملّة فقد توافى فيه التوأمان وكمل الأمر باجتماع الملك والدين وليس وراء الكمال غاية تقصد؛ وقد كان الملوك القدماء المعنيّون بصناعتهم يصرفون معظم اهتمامهم إلى تصنيف الناس طبقات ومراتب يحفظونها عن التمازج والتهارج ويحظرون الاختلاط عليهم بسببها ويلزمون كلّ طبقة ما إليها من عمل أو صناعة وحرفة ولا يرخّصون لأحد في تجاوز رتبته ويعاقبون من لم يكتف بطبقته؛ وسير أوائل الأكاسرة تفصح بذلك فلهم فيه آثار قويّة لم يقدح فيه تقرّب بخدمة ولا توسّل برشوة حتى أنّ «أردشير بن بابك» عند تجديده ملك فارس جدّد الطبقات وجعل الأساورة وأبناء الملوك في أولاها، والنسّاك وسدنة النيران وأرباب الدين في ثانيتها، والأطبّاء والمنجّمين وأصحاب العلوم في ثالثتها، والزرّاع والصنّاع في رابعتها، على مراتب في كلّ واحدة منها تميّز الأنواع في أجناسها على حدة بحيالها، وكلّ ما كان على هذا المثال صار كالنسب إن ذكرت أوائله ونشبا إن

نسيت أسبابه وقواعده، والنسيان لا محالة بتطاول الأمد وتراخي الأزمنة وتكاثر القرون مقرون، وللهند في أيّامنا من ذلك أوفر الحظوظ حتى أنّ مخالفتنا إيّاهم وتسويتنا بين الكافّة إلّا بالتقوى أعظم الحوائل بينهم وبين الإسلام، وهم يسمّون طبقاتهم «برن» أي الألوان ويسمّونها من جهة النسب «جاتك» أي المواليد، وهذه الطبقات في أوّل الأمر أربع، علياها «البراهمة» قد ذكر في كتبهم أنّ خلقتهم من رأس «براهم» وأنّ هذا الاسم كناية عن القوّة المسمّاة «طبيعة» والرأس علاوة الحيوان فالبراهمة نقاوة الجنس ولذلك صاروا عندهم خيرة الإنس، والطبقة التي تتلوهم «كشتر» خلقوا بزعمهم من مناكب براهم ويديه ورتبتهم عن رتبة البراهمة غير متباعدة جدّا ودونهم «بيش» خلقوا من رجلي براهم، وهاتان المرتبتان الأخيرتان متقاربتان، وعلى تمايزهم تجمع المدن والقرى، أربعتهم مختلطي المساكن والدور، ثمّ أصحاب المهن دون هؤلاء غير معدودين في طبقة غير الصناعة ويسمّون «أنتز» وهم ثمانية أصناف بالحرف ويتمازجون بما يشابهها من الحرف الأخر سوى القصّار والإسكاف والحائك فإنّه لا ينحطّ إلى حرفتهم سائرهم وهم القصّار والإسكاف واللعّاب ونسّاج الزنابيل والأترسة والسفّان وصيّاد السمك وقنّاص الوحوش والطيور والحائك فلا يساكنهم الطبقات الأربع في بلدة وإنّما يأوون إلى مساكن تقربها وتكون خارجها، وأمّا «هادي» و «دوم» و «چندال» و «بدهتو» فليسوا معدودين في شيء وإنّما يشتغلون برذالات الأعمال من تنظيف القرى وخدمتها، وكلّهم جنس واحد يميّزون بالعمل كولد الزناء فقد ذكر أنّهم يرجعون إلى أب «شودر» وأمّ «برهمن» خرجوا منهما بالسفاح فهم منفيّون منحطّون، ويلحق كلّ واحد من أهل الطبقات سمات وألقاب بحسب فعله وطريقته كالبرهمن مثلا فإنّ هذه سمته مطلقة إذا لزم بيته في عمله فإذا لزم خدمة نار واحدة لقّب «آيشتهي» وإذا خدم ثلاثا من النيران فهو «آكن هو تري» وإذا قرّب للنار مع ذلك فهو «ديكشت»، فكذلك هؤلاء إلّا أنّ «هادي» أحمدهم

لأنّه يترفّع عن القاذورات ويتلوه دوم لأنّه يجنكي ويطرب ومن بعدهما يترشّح للقتل والعقوبات صناعة ويتولّاها وشرّهم «بدهتو » فإنّه لا يقتصر بأكل الميتة المعهودة ولكنّه يتجاوزها إلى الكلاب وأمثال ذلك، وكلّ طبقة من الأربع فإنّها تصطفّ في المؤاكلة على حدة ولا يشتمل صفّ على نفرين مختلفي الطبقة فإن كان في صفّ البراهمة مثلا نفران منهم متنافران وتقارب مجلساهما فرق بين المجلسين بلوح يوضع فيما بينهما أو ثوب يمدّ أو شيء آخر بل إن خطّ بينهما تمايزا، ولأنّ الفضلة من الطعام محرّمة فإنّها توجب الانفراد بالمأكول لأنّه إذا تناوله أحد المؤاكلين في قصعة واحدة صار ما بقي بتناول الآخر وانقطاع أكل الأوّل فضلة محرّمة. فهذه حال الطبقات الأربع وقد قال «باسديو» حين سأله «آرجن » عن طباع الطبقات الأربع وما يجب أن يتخلّقوا به من الأخلاق: يجب أن يكون «البرهمن» وافر العقل، ساكن القلب، صادق اللهجة، ظاهر الاحتمال، ضابطا للحواسّ، مؤثرا للعدل، بادي النظافة، مقبلا على العبادة، مصروف الهمّة إلى الديانة، وأن يكون «كشتر» مهيبا في القلوب، شجاعا، متعظّما، ذلق اللسان، سمح اليد غير مبال بالشدائد حريصا على تيسير الخطوب وأن يكون «بيش» مشتغلا بالفلاحة واقتناء السوائم والتجارة؛ و «شودر» مجتهدا في الخدمة والتملّق، متحبّبا إلى كلّ أحد بها؛ وكلّ من هؤلاء إذا ثبت على رسمه وعادته نال الخير في إرادته إذا كان غير مقصّر في عبادة الله، غير ناس ذكره في جلّ أعماله، وإذا انتقل عمّا إليه إلى ما إلى طبقة أخرى وإن شرفت عليه كان إثما بالتعدّي في الأمر؛ وقال أيضا لأرجن مشجّعا إيّاه على قتال العدوّ: أما تعلم يا

طول الباع أنّك «كشتر» وجنسك مجبول على الشجاعة والاقدام وقلّة الاكتراث لنوائب الأيّام ومخالفة النفس في حديثها بالاهتمام إذ لا ينال الثواب إلّا بذلك فإن ظفر فإلى الملك والنعمة وإن هلك فإلى الجنّة والرحمة، ووراء ما تظهره من الرقّة للعدوّ والجزع على قتل هذه الطائفة انتشار خبرك بالجبن والفشل وذهاب صيتك عمّا بين الجبابرة والشجعان البزّل وسقوطك عن أعينهم واسمك عن جملتهم، ولست أعرف عقابا أشدّ من هذا الحال فالموت خير من التعرّض لما يورث العار، فإن كان الله أمرك وأهّل طبقتك بالقتال وخلقك له فاصدع بأمره وانفذ بمشيئته بعزيمة مجرّدة عن الأطماع ليكون عملك له؛ وأمّا الخلاص فقد اختلفوا فيمن هو معدّ له من هذه الطبقات فقال بعضهم: إنّه ليس لغير «البراهمة» و «كشتر» ما لا يمكنهم فقط من تعلّم «بيذ»، وقال المحققون منهم: إنّ الخلاص مشترك الطبقات ولجميع نوع الإنس إذا حصلت لهم النيّة بالتمام، وذلك بدلالة قول «بياس»: أعرف الخمسة والعشرين معرفة تحقيق ثمّ انتحل أيّ دين شئت فإنّك متخلّص لا محالة، وبدلالة مجيء «باسديو» من نسل «شودر» وقوله لأرجن: إنّ الله مليّ بالمكافاة من غير حيف ولا محاباة يحتسب بالخير شرّا إذا نسي فيه وبالشرّ خيرا إذا ذكر فيه ولم ينس وإن كان فاعله «بيشا» أو «شودرا» أو امرأة فضلا أن يكون «برهمنا» أو «كشترا».

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «تحقيق ما للهند من مقولة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.