من «تحقيق ما للهند من مقولة» لأبي الريحان البيروني (ت ٤٤٠هـ)
ب- ذكر اعتقادهم في الله سبحانه
إنّما اختلف اعتقاد الخاصّ والعامّ في كلّ أمّة بسبب أنّ طباع الخاصّة ينازع المعقول ويقصد التحقيق في الأصول، وطباع العامّة يقف عند المحسوس ويقتنع بالفروع ولا يروم التدقيق وخاصّة فيما افتنّت فيه الآراء ولم يتّفق عليه الأهواء؛ واعتقاد الهند في الله سبحانه أنه الواحد الأزلي، من غير ابتداء ولا انتهاء المختار في فعله القادر الحكيم الحيّ المحيي المدبّر المبقي الفرد في ملكوته عن الأضداد والأنداد لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء؛ ولنورد في ذلك شيئا من كتبهم لئلا تكون حكايتنا كالشيء المسموع فقط، قال السائل في كتاب «باتنجل»: من هذا المعبود الذي ينال التوفيق بعبادته؟ قال المجيب: هو المستغني بأوّليّته ووحدانيّته عن فعل لمكافاة عليه براحة تؤمّل وترتجي أو شدّة تخاف وتتّقي، والبريء عن الأفكار لتعاليه عن الأضداد المكروهة والأنداد المحبوبة، والعالم بذاته سرمدا إذ العلم الطارئ يكون لما لم يكن بمعلوم وليس الجهل بمتّجه عليه في وقت ما أو حال؛ ثمّ يقول السائل بعد ذلك: فهل له من الصفات غير ما ذكرت؟ ويقول المجيب: له العلوّ التامّ في القدر لا المكان فإنّه يجلّ عن التمكّن، وهو الخير المحض التامّ الذي يشتاقه كلّ موجود، وهو العلم الخالص
عن دنس السهو والجهل؛ قال السائل: أفتصفه بالكلام أم لا؟ قال المجيب:
إذا كان عالما فهو لا محالة متكلم؛ قال السائل: فإن كان متكلّما لأجل علمه فما الفرق بينه وبين العلماء الحكماء الذين تكلّموا من أجل علومهم؟ قال المجيب:
الفرق بينهم هو الزمان فإنّهم تعلّموا فيه وتكلّموا بعد أن لم يكونوا عالمين ولا متكلّمين ونقلوا بالكلام علومهم إلى غيرهم فكلامهم وإفادتهم في زمان، وإذ ليس للأمور الإلهية بالزمان اتّصال فالله سبحانه عالم متكلّم في الأزل، وهو الذي كلّم «براهم» وغيره من الأوائل على أنحاء شتّى، فمنهم من ألقى إليه كتابا ومنهم من فتح لواسطة اليه بابا ومنهم من أوحى إليه فنال بالفكر ما أفاض عليه؛ قال السائل: فمن أين له هذا العلم؟ قال المجيب: علمه على حاله في الأزل، وإذ لم يجهل قطّ فذاته عالمة لم تكتسب علما لم يكن له، كما قال في «بيذ» الذي أنزله على براهم: احمدوا وامدحوا من تكلّم ببيذ وكان قبل بيذ: قال السائل: كيف تعبد من لم يلحقه الإحساس؟ قال المجيب: تسميته تثبت إنّيّته فالخبر لا يكون إلا عن شيء والاسم لا يكون إلّا لمسمّى، وهو وإن غاب عن الحوسّ فلم تدركه فقد عقلته النفس وأحاطت بصفاته الفكرة وهذه هي عبادته الخالصة وبالمواظبة عليها ينال السعادة؛ فهذا كلامهم في هذا الكتاب المشهور. وفي كتاب «كيتا» وهو جزوء من كتاب «بهارت» فيما جرى بين «باسديو» وبين «آرجن»: إنّي أنا الكلّ من غير مبدأ بولادة أو منتهى بوفاة، لا أقصد بفعلي مكافاة ولا اختصّ بطبقة دون أخرى لصداقة او عداوة، قد اعطيت كلّا من خلقي حاجته في فعله، فمن عرفني بهذه الصفة وتشبّه بي في إبعاد الطمع عن العمل انحلّ وثاقه وسهل خلاصه، وعتاقه، وهذا كما قيل في حدّ الفلسفة:
إنّها التقيّل بالله ما أمكن، وقال في هذا الكتاب: أكثر الناس يلجئهم الطمع في الحاجات إلى الله، وإذا حقّقت الأمر لديهم وجدتهم من معرفته في مكان سحيق
لأن الله ليس بظاهر لكلّ أحد يدركه بحواسّه فلذلك جهلوه؛ فمنهم من لم يتجاوز فيه المحسوسات، ومنهم من إذا تجاوزها وقف عند المطبوعات، ولم يعرفوا أنّ فوقها من لم يلد ولم يولد ولم يحط بغير إنّيّته علم احد وهو المحيط بكلّ شيء علما. ويختلف كلام الهند في معنى الفعل فمن اضافه إليه كان من جهة السبب الأعمّ لأنّ قوام الفاعلين إذا كان به كان هو سبب فعلهم فهو فعله بوساطتهم، ومن أضافه إلى غيره فمن جهة الوجود الأدنى. وفي كتاب «سانك» قال الناسك:
هل اختلف في الفعل والفاعل أم لا؟ قال الحكيم: قد قال قوم إنّ النفس غير فاعلة والمادّة غير حيّة فالله المستغني هو الذي يجمع بينهما ويفرق فهو الفاعل والفعل واقع من جهته بتحريكهما كما يحرّك الحيّ القادر الموات العاجز؛ وقال آخرون: إنّ اجتماعهما بالطباع فهكذا جرت العادة في كل ناش بال، وقال آخرون: الفاعل هو النفس لأنّ في «بيذ» أنّ كلّ موجود فهو من «پورش» وقال آخرون: الفاعل هو الزمان فإنّ العالم مربوط به رباط الشاة بحبل مشدود بها حتى تكون حركتها بحسب انجذابه واسترخائه، وقال آخرون: ليس الفعل سوى المكافاة على العمل المتقدّم؛ وكلّ هذه الآراء منحرفة عن الصواب وإنّما الحقّ فيه أنّ الفعل كلّه للمادّة لأنّها هي التي تربط وتردّد في الصور وتخلّي فهي الفاعلة وسائر ما تحتها أعوان لها على إكمال الفعل، ولخلّو النفس عن القوى المختلفة هي غير فاعلة. فهذا قول خواصّهم في الله تعالى ويسمّونه «ايشفر» أي المستغنى الجواد الذي يعطي ولا يأخذ لأنهم رأوا وحدته هي المحضة ووحدة ما سواه بوجه من الوجوه متكثرة ورأوا وجوده حقيقيّا لأنّ قوام الموجودات به ولا يمتنع توهم ليس فيها مع «أيس» فيه كما يمتنع توهّم ليس فيه مع «أيس» فيها، ثمّ إن تجاوزنا طبقة الخواصّ من الهند إلى عوامّهم اختلف الأقاويل عندهم وربّما سمجت كما
يوجد مثله في سائر الملل بل وفي الاسلام من التشبيه والإجبار وتحريم النظر في شيء وأمثال ذلك ويوجب التهذّب، مثاله أنّ بعض خواصّهم يسمى الله تعالى «نقطة» ليبرئه بها عن صفات الأجسام، ثمّ يطالع ذلك عامّيّهم فيظنّ أنه عظمه بالتصغير ولا يبلغ به فهمه إلى تحقيق النقطة فيتجاوز سماجة التشبيه والتحديد بالتعظيم إلى قوله: إنّه يطول اثنى عشر إصبعا في عرض عشر أصابع تعالى عن التحديد والتعديد، ومثل ما حكيناه من إحاطته بالكل حتى لا يخفى عليه خافية فيظن عامّيّهم أنّ الإحاطة تكون بالبصر والبصر بالعين والعينان أفضل من العور فيصفه بألف عين عبارة عن كمال العلم؛ وأمثال هذه الخرافات الشنعة عندهم موجودة وخاصّة في الطبقات التي لم يسوّغ لهم تعاطي العلم على ما يجيء ذكرهم في موضعه.
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع