تجاوز إلى المحتوى

من «تحقيق ما للهند من مقولة» لأبي الريحان البيروني (ت ٤٤٠هـ)

مقدّمة المؤلّف

بسم الله الرحمن الرحيم إنّما صدق قول القائل «ليس الخبر كالعيان» لأنّ العيان هو إدراك عين الناظر عين المنظور إليه في زمان وجوده وفي مكان حصوله، ولولا لواحق آفات بالخبر لكانت فضيلته تبين على العيان والنظر لقصورهما على الوجود الذي لا يتعدّى آنات الزّمان وتناول الخبر إيّاها وما قبلها من ماضي الأزمنة وبعدها من مقتبلها حتّى يعمّ الخبر لذلك الموجود والمعدوم معا. والكتابة نوع من أنواعه يكاد أن يكون أشرف من غيره، فمن أين لنا العلم بأخبار الأمم لولا خوالد آثار القلم؟

ثمّ إنّ الخبر عن الشيء الممكن الوجود. في العادة الجارية يقابل الصدق والكذب على صورة واحدة وكلاهما لاحقان به من جهة المخبرين لتفاوت الهمم وغلبة الهراش والنّزاع على الأمم. فمن مخبر عن أمر كذب يقصد فيه نفسه فيعظّم به جنسه لأنّها تحته أو يقصدها فيزري بخلاف جنسه لفوزه فيه بإرادته، ومعلوم أنّ كلا هذين من دواعي الشهوة والغضب المذمومين. ومن مخبر عن كذب في طبقة يحبّهم لشكر أو يبغضهم لنكر، وهو مقارب للأوّل فإنّ الباعث على فعله من دواعي المحبّة والغلبة. ومن مخبر عنه متقرّبا إلى خير بدناءة الطبع أو

متّقيا لشرّ من فشل وفزع. ومن مخبر عنه طباعا كأنّه محمول عليه غير متمكّن من غيره وذلك من دواعي الشرارة وخبث مخابىء الطبيعة. ومن مخبر عنه جهلا، وهو المقلّد للمخبرين وإن كثروا جملة أو تواتروا فرقة بعد فرقة فهو وهم وسائط فيما بين السامع وبين المتعمّد الأوّل، فإذا أسقطوا عن البين بقي ذاك الأوّل أحد من عددناه من التخرّصين والمجانب للكذب المتمسّك بالصدق هو المحمود الممدوح عند الكاذب فضلا عن غيره، فقد قيل «قولوا الحقّ ولو على أنفسكم » وقال المسيح ﵇ في الإنجيل ما هذا معناه: لا تبالوا بصولة الملوك في الإفصاح بالحقّ بين أيديهم فليسوا يملكون منكم غير البدن، وأمّا النفس فليس لهم عليها يد وهذا منه أمر بالتشجّع الحقيقيّ، فالخلق الذي تظنّه العامّة شجاعة إذا رأوا إقداما على المعارك وتهوّرا في خوض المهالك هو نوع منها، فأمّا جنسها العالي على أنواعها فهو الاستهانة بالموت، ثم سواء كانت في قول أو كانت في فعل، وكما أنّ العدل في الطباع مرضيّ محبوب لذاته مرغوب في حسنه كذلك الصدق إلّا عند من لم يذق حلاوته أو عرفه وتحاماه كالمسؤول من المعروفين بالكذب: هلّ صدقت قطّ؟ وجوابه: لولا أنّي أخاف أن أصدق لقلت لا، فإنّه العادل عن العدل والمؤثّر للجور وشهادة الزور وخيانة الأمانة واغتصاب الأملاك بالاحتيال والسرقة وسائر ما به فساد العالم والخليقة. وكنت ألفيت الأستاذ أبا سهل عبد المنعم بن عليّ ابن نوح التفليسيّ أيّده الله مستقبحا قصد الحاكي في كتابه عن المعتزلة الإزراء عليهم في قولهم: «إنّ الله تعالى عالم بذاته»، وعبارته عنه في الحكاية أنّهم يقولون إنّ الله لا علم له تخييلا إلى عوامّ قومه أنّهم ينسبونه إلى الجهل، جلّ وتقدّس عن ذلك وعمّا لا يليق به من

الصفات، فأعلمته أنّ هذه طريقة قلّ ما يخلوا منها من يقصد الحكاية عن المخالفين والخصوم، ثم إنّها تكون أظهر فيما كان عن المذاهب التي يجمعها دين واحد ونحلة لاقترابها واختلاطها، وأخفى فيما كان عن الملل المفترقة وخاصّة ما لا يتشارك منها في أصل وفرع وذلك لبعدها وخفاء السّبيل إلى تعرّفها، والموجود عندنا من كتب المقالات وما عمل في الآراء والدّيانات لا يشتمل إلّا على مثله، فمن لم يعرف حقيقة الحال فيها اغترف منها ما لا يفيده عند أهلها والعالم بأحوالها غير الخجل إن هزّت بعطفه الفضيلة أو الإصرار واللجاج إن رخّت فيه الرذيلة، ومن عرف حقيقة الحال كان قصارى أمره أن يجعلها من الأسمار والأساطير يستمع لها تعلّلا بها والتذاذا لا تصديقا لها واعتقادا؛ وكان وقع المثال في فحوى الكلام على أديان الهند ومذاهبهم فأشرت إلى أنّ أكثرها هو مسطور في الكتب هو منحول وبعضها عن بعض منقول وملقوط مخلوط غير مهذّب على رأيهم ولا مشذّب، فما وجدت من أصحاب كتب المقالات أحدا قصد الحكاية المجرّدة من غير ميل ولا مداهنة سوى أبي العبّاس الإيرانشهريّ، إن لم يكن من جميع الأديان في شيء بل منفردا بمخترع له يدعو إليه ولقد أحسن في حكاية ما عليه اليهود والنصارى وما يتضمّنه التوراة والإنجيل وبالغ في ذكر المانويّة وما في كتبهم من خبر الملل المنقرضة، وحين بلغ فرقة الهند والشمنيّة صاف سهمه عن الهدف وطاش في آخره إلى كتاب زرقان ونقل ما فيه إلى كتابه، وما لم ينقل منه فكأنّه مسموع من عوامّ هاتين الطائفتين ولمّا أعاد الأستاذ أيّده الله مطالعة الكتب ووجد الأمر فيها على الصّورة المتقدّمة حرّص على تحرير ما عرفته من جهتهم ليكون نصرة لمن أراد مناقضتهم وذخيرة لمن رام مخالطتهم، وسأل ذلك ففعلته غير باهت على الخصم ولا متحرّج عن حكاية كلامه وإن باين الحقّ واستفظع سماعه عند أهله فهو اعتقاده وهو أبصر به. وليس الكتاب كتاب حجاج وجدل حتّى استعمل فيه

بإيراد حجج الخصوم ومناقضة الزائغ منهم عن الحقّ، وإنّما هو كتاب حكاية فأورد كلام الهند على وجهه وأضيف إليه ما لليونانيّين من مثله لتعريف المقاربة بينهم، فإنّ فلاسفتهم وإن تحرّوا التّحقيق فإنّهم لم يخرجوا فيما اتّصل بعوامّهم عن رموز نحلتهم وموضعات ناموسهم، ولا أذكر مع كلامهم كلام غيرهم إلّا أن يكون للصوفية أو لأحد أصناف النصارى لتقارب الأمر بين جميعهم في الحلول والاتّحاد، وكنت نقلت إلى العربيّ كتابين أحدهما في المبادىء وصفة الموجودات، واسمه «سانك» والآخر في تخليص النفس من رباط البدن ويعرف «بياتنجل» وفيهما أكثر الأصول التي عليها مدار اعتقادهم دون فروع شرائعهم، وأرجوا أنّ هذا ينوب عنهما وعن غيرهما في التقرير ويؤدّي إلى الإحاطة بالمطلوب بمشيئة الله.

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «تحقيق ما للهند من مقولة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.