تجاوز إلى المحتوى

من «تحقيق ما للهند من مقولة» لأبي الريحان البيروني (ت ٤٤٠هـ)

ز- في كيفيّة الخلاص من الدنيا وصفة الطريق المؤدّي إليه

إذا كانت النفس مرتبطة في العالم ولرباطها سبب فإنّ خلاصها من الوثاق يكون بضدّ ذلك السبب لكنّا حكينا مذهبهم في أنّ سبب الوثاق هو الجهل فخلاصها إذن بالعلم إذا أحاطت بالأشياء إحاطة تحديد كلّيّ مميّز مغن عن الاستقراء ناف للشكوك لأنّها إذا فصلّت الموجودات بالحدود عقلت ذاتها وما لها من شرف الديمومة وللمادّة من خسّة التغيّر والفناء في الصور فاستغنت عنها وتحقّقت أنّ ما كانت تظنّه خيرا ولذّة هو شرّ وشدّة فحصلت على حقيقة المعرفة وأعرضت عن تلبّس المادّة فانقطع الفعل وتخلّصتا بالمباينة؛ قال صاحب كتاب «پاتنجل»: إفراد الفكرة في وحدانيّة الله يشغل المرء بالشعور بشيء غير ما اشتغل به ومن أراد الله أراد الخير لكافّة الخلق من غير استثناء واحد بسبب، ومن اشتغل بنفسه عمّا سواها لم يصنع لها نفسا مجذوبا ولا مرسلا، ومن بلغ هذه الغاية غلبت قوّته النفسية على قوّته البدنية فمنح الاقتدار على ثمانية أشياء بحصولها يقع الاستغناء، فمحال ان يستغني أحد عمّا يعجزه، واحد تلك الثمانية التمكّن من تلطيف البدن حتى يخفى عن الأعين والثاني التمكن من تخفيفه حتّى يستوي عنده وطئ الشوك والوحل والتراب والثالث التمكّن من تعظيمه حتّى يريه في صورة

هائلة عجيبة والرابع التمكّن من الإرادات والخامس التمكّن من علم ما يروم والسادس التمكّن من الترؤس على أيّة فرقة طلب والسابع خضوع المرؤوسين وطاعتهم والثامن انطواء المسافات بينه وبين المقاصد الشاسعة وإلى مثل هذا إشارات الصوفيّة في العارف إذا وصل إلى مقام المعرفة فإنّهم يزعمون أنّه يحصل له روحان، قديمة لا يجري عليها تغيّر واختلاف بها يعلم الغيب ويفعل المعجز، وأخرى بشريّة للتغيّر والتكوين؛ ولا يبعد عن مثله أقاويل النصارى: قالت الهند: فإذا قدر على ذلك استغنى عنه وتدرّج إلى المطلوب في مراتب، أولاها معرفة الأشياء اسما وصفة وتفاصيل غير معطية للحدود والثانية تجاوز ذلك إلى الحدود الجاعلة جزئيّات الأشياء كلّيّة إلا إنّه لا تخلو فيها من التفصيل والثالثة زوال ذلك التفصيل والإحاطة بها متّحدة ولكن تحت الزمان والرابعة تجرّدها عنده عن الزمان واستغناؤه فيها عن الأسماء والألقاب التي هي آلات الضرورة، وفيها يتحد العقل والعاقل بالمعقول حتى تكون شيئا واحدا، فهذا ما قال «پاتنجل» في العلم المخلص للنفس ويسمّون خلاصها بالهنديّة «موكش» أي العاقبة، وبه يسمّون أيضا تمام الأنجلاء في الكسوفين لأنّه عاقبة الكسوف ووقوع المباينة بين المتشبّثين؛ وعندهم أنّ المشاعر والحواسّ جعلت للمعرفة وجعلت اللذّة فيها باعثة على البحث كما جعلت لذّة الأكل والشرب في الذوق لتبقية الشخص بالغذاء ولذّة الباءة لتبقية النوع بالإيلاد فلولا الشهوة لما فعلهما الحيوان أو الانسان لهذين الغرضين؛ وفي كتاب «كيتا»: إنّ الإنسان مخلوق ليعلم ولاستواء العلم أعطي الآلات بالسويّة، ولو كان مخلوقا ليعمل لتفاوتت الآلات كاختلاف الأعمال باختلاف القوى الثلاث الأول، لكنّ الطباع الجسداني يسرع إلى العمل لما فيه من مضادّة العلم فيروم ستره بملاذّ هي بالحقيقة آلام والعلم هو الذي يترك هذا الطباع منجدلا ويجلّي النفس من الظلام جلاء الشمس من الكسوف او الغمام؛ وهذا مثل قول سقراط: إنّ النفس إذا كانت مع الجسد وأرادت ان تفحص عن

شيء خدعت حينئذ منه وبالفكرة يستبين لها شيء من الهويّات ففكرتها في الوقت الذي لا يؤذيها فيه شيء من سمع أو بصر أو وجع أو لذة ما إذا صارت بذاتها وتركت الجسد ومشاركته بقدر الطاقة، فنفس الفيلسوف خاصّة هي التي تتهاون بالبدن وتريد مفارقته، فلو أنّا في حياتنا هذه لم نستعمل الجسد ولم نشاركه إلّا عن ضرورة ولم نقتبس طبيعته بل تبرأنا منه لقاربنا المعرفة بالاستراحة من جهله ولصرنا أطهارا لعلمنا بذواتنا إلى أن يطلقنا الله، وخليق أن يكون هذا هو الحقّ، ثمّ نعود نحن إلى سياقة الكلام فنقول: كذلك سائر المشاعر هي للمعرفة ويلتذّ العارف بتصريفها في المعارف حتى تكون جواسيسه، والشعور بالأشياء مختلف الأوقات، فالحواس التي تخدم القلب تدرك الشيء الحاضر فقط، والقلب يتفكّر في الحاضر ويتذكّر الماضي، والطبيعة تستولي على الحاضر وتدّعيه لنفسها في الماضي وتستعدّ لمغالبته في المستأنف، والعقل يعرف مائيّة الشيء غير متعلّق بوقت وزمان ويستوى عنده الغابر والمستقبل، وأقرب أعوانه إليه الفكرة والطبيعة وأبعدها الحواسّ الخمس، فمتى ما اوصلت إلى الفكرة شيئا من المعارف جزئيّا هذّبته من الأغلوطات الحسّية وسلّمته إلى العقل فجعله كلّيّا وأوقف النفس عليه فصارت به عالمة؛ وعندهم أنّ العلم يحصل للعالم على أحد ثلاثة أوجه، أحدها بإلهام وبلا زمان بل مع الولادة والمهد مثل «كپل» الحكيم فإنّه ولد مع العلم والحكمة والثاني بالهام بعد زمان كأولاد «براهم» فإنّهم ألهموا لمّا بلغوا أشدّهم والثالث بتعلّم وبعد زمان كسائر الناس الذين يتعلّمون إذا أدركوا؛ والوصول الى الخلاص بالعلم لا يكون إلّا بالاتّزاع عن الشرّ، ففروعه على كثرتها راجعة إلى الطمع، والغضب ولجهل وبقطع الأصول تذبل الفروع، ومدار ذلك على إمامة قوّتي الشهوة والغضب اللّتين هما أعدى عدوّ وأوتغه للإنسان تغرّانه باللذّة في المطاعم والراحة في الانتقام وهما بالتأدية إلى الآلام والآثام أولى وبهما يشابه

الإنسان السباع والبهائم بل الشياطين والأبالسة، وعلى إيثار القوة النطقيّة العقلية التي بها يشابه الملائكة المقرّبين، وعلي الإعراض عن أعمال الدنيا وليس يقدر على تركها إلّا برفض أسبابها من الحرص والغلبة وبذلك تنخزل القوّة الثانية من الثلاث الاول، إلّا أنّ ترك العمل يكون على وجهين، أحدهما بالكسل والتأخير والجهل على موجب القوّة الثالثة وليس هذا بالمطلوب فإنّه مذموم المغبّة والثاني بالاختيار والتبصرة وإيثار الأفضل للخيرورة وهو المحمود العاقبة، وترك الأعمال لا يتمّ إلّا بالعزلة والانفراد عن الشاغلات ليتمكّن من قبض الحواسّ عن المحسوسات الخارجة حتى لا يعرف أنّ وراءه شيء وتسكين الحركات والتنفّس، فقد علم أنّ الحريص ساع والساعي تعب والتعب ضابح فالضبح إذن نتيجة الحرص وبانقطاعه يصير التنفّس على مثال تنفّس المستغني عن الهواء في قرار الماء وحينئذ يستقرّ القلب على شيء واحد وهو طلب الخلاص والخلوص إلى الوحدة المحضة؛ وفي كتاب «كيتا»: كيف ينال الخلاص من بدّد قلبه ولم يفرده لله ولم يخلص عمله لوجهه؟ ومن صرف فكرته عن الأشياء إلى الواحد ثبت نور قلبه كثبات نور السراج الصافي الدهن في كنّ لا يزعزعه فيه ريح وشغله ذلك عن الإحساس بمؤلم من حرّ أو برد لعلمه أنّ ما سوى الواحد الحقّ خيال باطل؛ وفيه أيضا: إنّ الألم واللذّة لا يؤثران في العالم الحقيقي كما لا يؤثر دوام انصباب الأنهار إلى البحر في مائه، وهل يقدر على تسنّم هذه الثنيّة إلّا من قم؟؟؟ الشهوة والغضب وأبطلهما؟ ولأجل هذا الذي ذكر يجب ان تتّصل الفكرة اتّصالا يزول عنها العدد لأنّ العدد يقع على المرّات والمرّات لا تكون إلّا بسهو يتخلّلها فيفصل ما بينها ويمنع عن اتّحاد الفكرة بالمتفكّر فيه، وليست هذه هي الغاية المطلوبة إنّما هي اتّصال الفكرة وإليها يتدرّج إمّا في القالب الواحد وإمّا في القوالب بالتزام السيرة الفاضلة وتعويد النفس فيها حتّى تصير لها طبيعة وصفة ذاتيّة، والسيرة الفاضلة هي التي يفرضها الدين، وأصوله بعد كثرة الفروع عندهم راجعة إلى جوامع عدة هي أن لا يقتل ولا يكذب ولا يسرق ولا يزني ولا يدّخر ثم يلزم القدس

والطهارة ويديم الصوم والتقشّف ويعتصم بعبادة الله تسبيحا وتمجيدا ويديم إخطار «اوم» التي هي كلمة التكوين والخلق على قلبه دون التكلّم به، وذلك أنّ ترك الإماتة في الحيوان هو نوع جنسه الكفّ عن الإيذاء والإضرار، ويدخل فيه اغتصاب ما للغير والكذب بعد ما فيه من القبح والنذالة، وفي ترك الادّخار نفض التعب والأمان من طالب الفضلة وحصول الراحة من ذلّ الرّقّ بعزّ الحرّيّة، وفي لزوم الطهارة وقوف على قذر البدن وداعية إلى بغضه وحبّ النفس الطاهرة، وفي تعذيب النفس بالتقشّف تلطيفه وتسكين شرّته وتذكية حواسّه، كما قال «فيثاغورس» لرجل ذي عناية بإخضاب بدنه وإنالته الشهوات: إنك غير مقصّر في تشييد محبسك وتقوية رباطك وإيثاقه، وفي الاعتصام بذكر الله تعالى والملائكة تألّف معهم ففي كتاب «سانك»: إنّ كلّ شيء يظنّه الإنسان غاية له فإنّه لا يتعدّاه، وفي كتاب «كيتا»: كلّ ما أدام الإنسان التفكّر فيه والتذكّر له فمنطبع فيه حتى أنّه يهدى به من غير قصد ولأنّ وقت الموت هو وقت التذكّر لما يحبّه فإذا فارق الروح البدن اتّحد بذلك الشيء واستحال إليه، وكلّ ما له ذهاب وعود فالاتّحاد به ليس بالخلاص الخالص، على أنه قيل في هذا الكتاب: إنّ من عرف عند موته أنّ الله هو كلّ شيء ومنه كلّ شيء فإنّه متخلّص وإن قصرت رتبته عن رتب الصدّيقين، وفيه أيضا: اطلب النجاة من الدنيا بترك التعلّق بجهالاتها وإخلاص النّية في الأعمال وقرابين النار لله من غير طمع في جزاء ومكافاة واعتزال الناس الّذي حقيقته أن لا تفضل واحدا لصداقة على آخر لعداوة وتخالف الغفلة في النوم وقت انتباههم والانتباه وقت رقادهم فإنّه عزلة عنهم على شهادة معهم، ثم حفظ النفس عن النفس فإنّها العدوّ إذا اشتهت ونعم الولي إذا عفّت، وقد قال سقراط عند قلّة اكتراثه بالقتل وفرحه بالوصال إلى ربّه: ينبغي ان لا تنحطّ رتبتي عند أحدكم عن رتبة «قوقنس» الّذي يقال إنّه طائر «آبلون الشمس» وإنّه يعلم الغيب لذلك وإنّه إذا

أحسّ بموته أكثر الإلحان طربا وسرورا بالمصير إلى مخدومه ولا أقلّ من أن يكون فرحي كفرح هذا الطائر بوصولي الى معبودي، ولهذا قالت الصوفيّة في تحديد العشق: إنّه الاشتغال بالخلق عن الحقّ، وفي كتاب «پاتنجل»: نقسم طريق الخلاص إلى أقسام ثلاثة، أحدها العملي بالتعويد ومداراة على قبض الحواسّ من خارج الى داخل حتى لا تشتغل إلّا بك، وقد اطلق لمن رام هذا الكفاف، ففي كتاب «بشن دهرم»: إنّ «پريكش» الملك الّذي من نسل «پرك» سأل «شتانيك» رئيس جماعة من الحكماء حضروه عن معنى من المعاني الإلهيّة؟

فأجابه بأنّه لا يقول فيه إلّا ما سمعه من «شونك» وهو عن «اوشن» وهو عن «براهم»: إنّ الله هو الّذي لا أوّل له ولا آخر لم يتولّد عن شيء ولم يولد شيئا إلّا ما لا يمكن ان يقال إنّه هو لا يمكن ان يقال إنّه غيره، وأنّى يكون لي طاقة بذكر من الخير المحض في رضاءه والشرّ المحض في سخطه؟ وهل يمكن إدراك معرفته حتى يعبد حقّ عبادته إلّا بالاشتغال به عن الدنيا بالكلّيّة وإدامة الفكرة فيه؟ فقيل له: إنّ الإنسان ضعيف وعمره نزر طفيف ولا تكاد نفسه تطاوعه على ترك الضروريّات في معاشه فيمنعه ذلك عن طريق الخلاص فلو كان في الزمان الأوّل حين امتدّت الأعمار إلى آلاف السنين وطابت الدنيا بعدم الشرور لكان يؤمّل عمل الواجب فأمّا في آخر الزمان فمادا تراه له في الدنيا الدائرة حتى يتمكّن من عبور البحر وينجو من الغرق؟ قال براهم: لا بدّ للإنسان من الغذاء والكنّ واللباس فلا بأس به فيها ولكّن الراحة ليست إلّا في ترك ما عداها من الفضول ومتاعب الأعمال فاعبدوا الله خالصا واسجدوا له وتقرّبوا إليه في موضع العبادة بالتحف من الطيب والزهر وسبّحوه وألزموه قلوبكم حتى لا تزايله وتصدّقوا على البراهمة وغيرهم وانذروا إليه النذور الخاصّة كترك اللحم والعامّة كالصوم، والحيوانات له فلا تميّزوها عنكم فتقتلوها واعلموا أنّه كلّ شيء فما تعملونه فليكن لأجله وإن تنعّمتم بشيء من زخارف الدنيا فلا تنسوه في النيّة وإنّ غرضكم فيه التقوى والاقتدار

على عبادته فبهذا تنالون الخلاص دون غيره، وقد قيل في «كيتا»: من أمات شهوته لم يتجاوز الحاجات الاضطراريّة ومن لزم الكفاف لم يختز ولم يسترذل، وقيل فيه أيضا: إن كان الإنسان غير مستغن عمّا تضطرّ الطبيعة إليه من مطعوم يسكّن نائرة المسغبة ونوم يزيل عادية الحركات المتعبة ومجلس يهدأ فيه فمن شريطته النظافة والوثارة والتوسّط في الارتفاع عن وجه الأرض والكفاية من انبساط البدن عليه وموضع معتدل المزاج غير مؤذ ببرد أو وهج مأمون فيه اقتراب الهوامّ فإن ذلك معين على تحديد القلب لإدامة الفكرة في الوحدانيّة لأنّ ما عدا الضروريّات في المأكول والملبوس ملاذّ وهي شدائد مستورة والاسترواح إليها منقطع وإلى أشقّ مشقّة مستحيل وما اللّذة إلّا لمن أمات العدوّين اللذين لا يطاقان أعني الشهوة والغضب في حياته دون مماته واستراح من داخله دون خارجه فاستغنى عن حواسّه، وقال «باسديو، لأرجن»: إنّ كنت تريد الخير المحض فاحرس أبواب بدنك التسعة واعرف الوالج فيها والخارج واحبس فؤادك عن نشر أفكاره وسكّن النفس بتذكّر كوّة اليافوخ التي انسدّت واشتدّت بعد لينها فلم يحتج اليها ولا تر الإحساس إلّا طباعا في آلات الحواسّ حتى لا تتبعه، والقسم الثاني الغفليّ بمعرفة سوءة الموجودات المتغيّرة والصور الفانية حتى ينفر القلب عنها وينقطع الطمع دونها ويحصل الاعتلاء على القوى الثلاث الأول التي هي سبب الأعمال واختلافها، وذلك أنّ المحيط بأحوال الدنيا يعلم أنّ خيرها شرّ وراحتها مستحيلة في المكافاة إلى شدة فيعرض عمّا يؤكّد الارتباك ويولد المقام، وفي كتاب «كيتا»: إنّ الناس قد ضلّوا في الأوامر والنواهي ولم يهتدوا لتمييز الخير من الشرّ في الأعمال فتركها والتخلّي عنها هو العمل، وفيه أيضا: إنّ طهارة العلم تفوق طهارة سائر الأشياء لأنّ بالعلم استئصال الجهل واستبدال اليقين بالشكّ الذي هو مادّة العذاب فلا راحة لشاكّ؛ ومعلوم من ذلك أنّ القسم الأوّل آلة للقسم الثاني ثم القسم الثالث أولى أن يكون آلة لكليهما وهو العبادة ليوفّق الله لنيل الخلاص ويؤهّل لقالب ينال فيه التدرّج إلى السعادة، وقد قسم العبادة صاحب كيتا على

البدن والصوت والقلب، فعلى البدن الصوم والصلاة وموجبات الشريعة وخدمة الملائكة وعلماء البراهمة وتنظيف البدن والتبرّؤ من القتل أصلا ومن ملاحظة ما للغير من النساء وغيرهنّ، وعلى الصوت القراءة والتسبيح ولزوم الصدق وملاينة الناس وإرشادهم وأمرهم بالمعروف، وعلى القلب تقويم النيّة وترك التعظّم ولزوم التأنّي وجمع الحواسّ مع انشراح الصدر، ثمّ اتّبعها بقسم رابع خرافيّ ويسمّى «رساين» وهي تدابير بأدوية تجري مجرى الكيمياء في تحصيل الممتنعات بها، وسيجيء لها ذكر وليس لها بهذا الفنّ اتّصال إلّا من جهة العزيمة وتصحيح النيّة بالتصديق لها والسعي في تحصيلها. وإنّما ذهبوا في الخلاص إلى الاتّحاد لأنّ الله مستغن عن تأميل مكافاة أو خشية مناواة، بريء عن الأفكار لتعاليه عن الأضداد المكروهة والأنداد المحبوبة، عالم بذاته لا بعلم طاريء لما لم يكن له بمعلوم في حال ما، وهذا أيضا صفة المتخلّص عندهم فلا ينفصل عنه فيها إلّا بالمبدإ فإنه لم يكن في الأزل المتقدّم كذلك من أجل أنّه كان قبله في محلّ الارتباك عالما بالمعلوم وعلمه كالخيال مكتسب بالاجتهاد ومعلومه في ضمان الستر، وأمّا في محلّ الخلاص فالستور مرفوعة والأغطية مكشوفة والموانع مقطوعة والذات عالمة غير حريصة على تعرّف شيء خفي منفصلة عن المحسوسات الداثرة متّحدة بالمعقولات الدائمة، ولذلك سأل السائل في خاتمة كتاب «پاتنجل» عن كيفيّة الخلاص؟ فقال المجيب: إن شئت فقل هو تعطّل القوى الثلاث وعودها إلى المعدن الذي صدرت عنه، وإن شئت فقل هو رجوع النفس عالمة إلى طباعها؛ وقد اختلف الرجلان فيمن حصلت له رتبة الخلاص، فسأل الناسك في كتاب «سانك» لم لا يكون الموت عند انقطاع الفعل؟ قال الحكيم: من أجل أنّ الموجب للانفصال حالة نفسانيّة والروح بعد في البدن ولا يفرّق بينهما إلّا حال طبيعيّ مفرّق للالتئام وربّما بقي التأثير بعد زوال المؤثر مدّة يفتر فيها ويتراجع إلى

أن يفني مثل الحرّار الذي يدير دوّارته بخشبة حتى يحتدّ دورانها ثمّ يتركها وليست تسكن مع إزالة الخشبة المديرة عنها وإنّما يفتر حركتها قليلا قليلا إلى أنّ تبطل فكذلك البدن بعد ارتفاع الفعل يبقى فيه الأثر حتى ينصرف في الشدّة والراحة إلى انقطاع القوّة الطبيعية وفناء الأثر المتقدّم فيكون كمال الخلاص عند انجدال البدن، وأمّا في كتاب «پاتنجل» فالذي يشهد لمثل ما تقدّم قوله فيمن قبض حواسّه ومشاعره قبض السلحفاة اعضاءها عند الخوف: إنّه ليس بموثوق لأنّه حلّ الرباط ولا متخلّص لأنّ بدنه معه، والذي يخالفه من كلامه قوله: إنّ الأبدان شباك الأرواح لاستيفاء المكافاة والمنتهي الى درجة الخلاص. قد استوفاها في قالبه على ماضي الفعل ثمّ تعطّل عن الاكتساب للمستأنف فانحلّ عن الشبكة واستغنى عن القالب وتقلقل فيه غير مشتبك فهو قادر على الانتقال الى حيث أحبّ ومتى اراد لأعلى وجه الموت فإنّ الأجسام الكثيفة المتماسكة غير ممانعة لقالبه فكيف جسده لروحه؛ وإلى قريب من هذا يذهب الصوفيّة فقد حكى في كتبهم عن بعضهم: إنّه وردت علينا طائفة من الصوفيّة وجلسوا بالبعد عنّا وقام أحدهم يصلّي فلمّا فرغ التفت وقال لي يا شيخ تعرف هاهنا موضعا يصلح لأن نموت فيه؟ فظننت أنّه يريد النوم فأومأت إلى موضع وذهب وطرح نفسه على قفاه وسكن فقمت إليه وحرّكته وإذا أنّه قد برد، وقالوا في قول الله تعالى «إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ»

: إنّه إن شاء طويت له وإن شاء مشى على الماء والهواء يقاومانه فيه ولا تقاومه الجبال في القصد. وأمّا من تخلّف عن رتبة الخلاص مع اجتهاده فتختلف درجاتهم، وقيل في «سانك»: إنّ المقبل على الدنيا مع حسن السيرة الجواد بما يملك منها مكافى في الدنيا بنيل الأمانّي والإرادة والتردّد فيها على السعادة مغبوطا في البدن والنفس

والحال فإنّ حقيقة الدولة أنّها مكافاة على الأعمال السابقة في ذلك القالب او غيره، والزاهد في الدنيا من غير علم يفوز بالاعتلاء والثواب ولا يتخلّص لعوز الآلة، والقانع المستغني إذا اقتدر على الثمانية الحال المذكورة واغترّ بها وتنجّح وظنّها الخلاص بقي عندها، وضرب مثل للمتفاضلين في درجات المعرفة برجل غلّس مع تلاميذه في حاجة فاعترض لهم في الطريق شخص منتصب حجز ظلام الليل عن معرفة حقيقته فالتفت الرجل إلى تلاميذه وسألهم عنه واحدا بعد آخر، فقال الأوّل: لا أدري ما هو وقال الثاني: لا أدريه ولا قدرة لي على درايته، وقال الثالث: لا فائدة في معرفته فإنّ طلوع النهار يبديه فإن كان مخفيا انصرف بالاصباح وإن كان غيره اتّضح لنا أمره، فجميع الثلاثة قاصرون عن المعرفة، أوّلهم بالجهل والثاني بالعجز وآفة في الآلة والثالث بالتراخي والرضاء بالجهل وأمّا الرابع فلم يجد جوابا قبل التّثبّت فقصده وحين قاربه رأى يقطينا عليه ملتفّ فعلم أنّ الانسان الحيّ المختار لا يبقى في موضعه قائما إلى أن يحصل عليه ذلك الالتفات وتحقّق أنّه موات منصوب، ثم لم يأمن أن يكون مخبئا لمزبلة شيء فدنا منه وركله برجله حتى سقط وزالت الشبهة في أمره وعاد إلى أستاذه بالخبر اليقين وقد فاز من يديه بالمعرفة. وأمّا مشابه كلام اليونانيّين لهذه المعاني فإنّ «امّونيوس» حكى عن فيثاغورس قوله: ليكن حرصكم واجتهادكم في هذا العالم على الاتّصال بالعلّة الأولى التي هي علّة علّتكم ليكون بقاؤكم دائما وتنجون من الفساد والدثور، وتصيرون إلى عالم الحسّ الحقّ والسرور الحقّ والعزّ الحقّ في سرور ولذّات غير منقطعة، وقال فيثاغورس: كيف ترجون الاستغناء مع لبس الأبدان وكيف تنالون العتق وأنتم فيها محبوسون؟ وقال «امونيوس»: أمّا «انباذقلس» ومن تقدّمه إلى «هرقل» فإنّهم رأوا أنّ الأنفس الدنسة تبقى بالعالم متشبّثة حتى تستغيث بالنفس

الكلّيّة فتتضرّع لها إلى العقل والعقل إلى البارئ فيفيض من نوره عليه ويفيض العقل منه على النفس الكلّية وهي في هذا العالم فتستضيء به حتى تعاين الجزئيّة الكلّيّة وتتصل بها فتلحق بعالمها إلّا أنّ ذلك بعد دهور كثيرة تمرّ عليها ثمّ تصير الى حيث لا مكان ولا زمان ولا شيء ممّا في هذا العالم من تعب او سرور منقطع؛ وقال سقراط: النفس بذاتها تصير إلى القدس الدائم الحياة الثابت على الأبد بما فيها من المجانسة عند ترك التحيّز فتصير مثله في الدوام لأنّها منفعلة منه بشبه التماسّ ويسمّى انفعالها عقلا، وقال ايضا: النفس مشابهة جدّا للجوهر الإلهي الذي لا يموت ولا ينحلّ والمعقول الواحد الثابت على الأزل، والجسد على خلافها، فإذا اجتمعا أمرت الطبيعة البدن أن يخدم والنفس ان ترأس، فإذا افترقا ذهبت النفس إلى غير مكان الجسد وسعدت بما يشبهها واستراحت من التحيّز والحمق والجزع والعشق والوحشة وسائر الشرور الإنسيّة، وذلك أنّها إذا كانت نقيّة وللجسد باغضة، وأمّا إذا انتجست بموافقة الجسد وخدمته وعشقه حتى تسخّر الجسد منها بالشهوات واللذّات فإنّها لا ترى شيئا أحقّ من النوع الجسميّ وملامسته؛ وقال «ابروقلس»: الجرم الذي حلّته النفس الناطقة قبل الشكل الكريّ كالأثير وأشخاصه والذي حلّته وغير الناطقة قبل الاستقامة كالانسان، والذي حلّته غير الناطقة فقط قبل الاستقامة بانحناء كالحيوانات غير الناطقة، والذي خلا عنهما ولم يوجد فيه غير القوّة الغاذية قبل الاستقامة وتمّ انحناؤه بالانتكاس وانغرس رأسه في الأرض كالحال في النبات، وإذ صار على خلاف الانسان فالانسان شجرة سماويّة أصلها نحو مبدئها وهو السماء كما صار أصل النبات نحو مبدئه وهو الأرض؛ وذهب الهند في الطبيعة إلى شبه من ذلك قال «ارجن»: كيف مثال براهم في العالم؟ قال «باسديو»: توهّمه شجرة «اشوت» وهي معروفة

عندهم من كبار الأشجار وأحرارها معكوسة الوضع، عروقها في العلوّ وغصونها في السفل قد غزر غذاؤها حتى غلظت وانبسط فروعها وتشبّثت بالأرض فعلقت بها وتشابه في الجهتين فروعها وعروقها فاشتبهت، فبراهم من هذه الشجرة عروقها العليا وساقها «بيذ» وغصونها الآراء والمذاهب وأوراقها الوجوه والتفاسير وغذاؤها بالقوى الثلاث واستغلاظها وتماسكها بالحواسّ، وليس للعاقل سوى قطعها نفاس وقيع هو الزهد في الدنيا وزخارفها فإذا تمّ له قطعها طلب من عند منشئها موضع القرار الذي يعدم فيه العود، وإذا ناله فقد خلّف أذى الحرّ والبرد وراءه ووصل من ضياء النيّرين والنيران إلى الأنوار الإلهية؛ وإلى طريق «پاتنجل» ذهبت الصوفيّة في الاشتغال بالحقّ فقالوا: ما دمت تشير فلست بموحّد حتى يستولى الحقّ على إشارتك بافنائها عنك فلا يبقى مشير ولا إشارة، ويوجد في كلامهم ما يدلّ على القول بالاتّحاد كجواب احدهم عن الحقّ: وكيف لا أتحقّق من هو «أنا» بالإنّيّة و «لا أنا» بالأينيّة، إن عدت فبالعودة فرقت وإن أهملت فبالاهمال خففت وبالاتّحاد ألفت، وكقول ابي بكر الشبلي: اخلع الكلّ تصل إلينا بالكلّيّة فتكون ولا تكون إخبارك عنّا وفعلك فعلنا، وكجواب ابي يزيد البسطامي وقد سئل بم نلت ما نلت: إنّي انسلخت من نفسي كما تنسلخ الحيّة من جلدها ثمّ نظرت الى ذاتي فإذا أنا هو، وقالوا في قول الله تعالى «فقلنا اضربوه ببعضها»: إنّ الأمر بقتل الميّت لاحياء الميّت إخبار أنّ القلب لا يحيى بأنوار المعرفة إلّا بإماتة البدن بالاجتهاد حتى يبقى رسما لا حقيقة له وقلبك حقيقة ليس عليه أثر من المرسومات، وقالوا: إنّ بين العبد وبين الله ألف مقام من النور والظلمة وإنّما اجتهاد القوم في قطع الظلمة الى النور فلمّا وصلوا إلى مقامات النور لم يكن لهم رجوع.

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «تحقيق ما للهند من مقولة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.