تجاوز إلى المحتوى

من «تحقيق ما للهند من مقولة» لأبي الريحان البيروني (ت ٤٤٠هـ)

د- في سبب الفعل وتعلّق النفس بالمادّة

الأفعال الإراديّة الموجودة من بدن الحيوان لا تصدر عنه إلا بعد وجود الحياة فيه ومجاورة الحيّ إيّاه، وقد زعموا أنّ النفس بالفعل جاهلة بذاتها وبما تحتها من المادّة توّاقة إلى الإحاطة بما لا تعرف ظانّة أن لا قوام لها إلا بالمادّة فتشتاق إلى الخير الذي هو البقاء وتروم الاطّلاع على ما هو منها مستور فتنبعث للإتحاد بها لكنّ الكثيف واللطيف إذا كانا على أقصى أفق صفتيهما امتنع تقاربهما وامتزاجهما إلا بالوسائط التي تناسبهما كتوسّط الهواء فيما بين النار والماء المتضادّين بكلتي الكيفيّتين فإنّه يناسب كلّ واحد منهما باحدى الكيفيّتين فيمكّنه بها من مخالطته، ولا تباين أشدّ بعدا ممّا بين الجسم واللاجسم ولذلك لن تبلغ النفس مرامها كما هي إلا بأمثال تلك الوسائط وهي ارواح ناشئة من الأمّهات البسيطة في عوالم «بهورلوك» و «بهوبرلوك» و «سفرلوك» سمّوها بازاء الأبدان الكثيفة الكائنة من العناصر «أبدانا لطيفة» تشرق النفس عليها فتصير مراكب لها بذلك الاتّحاد كانطباع صورة الشمس وهي واحدة في عدة مرايا منصوبة على محاذاتها أو مياه مصبوبة في أوان موضوعة على موازاتها ترى في كلّ واحد منها بالسواء ويوجد فيه أثرها بالحرّ والضياء فإذا حصلت الأبدان الأمشاجيّة المختلفة وتركّبت من الذكر والأنثى، أمّا من الذكر فما

فيها من العظام والعروق والمني، وأمّا من الأنثى فما فيها من اللحم والدم والشعر واستعدّت لقبول الحياة اقترنت بها تلك الأرواح وكانت لها كالقصور المهيّأة لصنوف مصالح الملوك، وداخلتها الرياح الخمسة التي باثنتين منها جذب النفس وإرساله، وبالثالثة اختلاط الأغذية في المعدة، وبالراعبة طفرة البدن من موضع إلى آخر، وبالخامسة انتقال الإحساس من طرف البدن إلى آخر؛ والأرواح عندهم غير مختلفة في الجوهر مطبوعة على التساوي وإنّما يختلف أخلاقها وآثارها من جهة اختلاف الأجساد التي تقترن بها بسبب القوى الثلاث التي تتغالب فيها وتفاسدها بالحسد والغيظ، فهذا هو السبب الأعلى في الانبعاث للفعل؛ وأمّا السبب الأسفل من جهة المادّة فهو طلبها الكمال وإيثارها الأفضل الذي هو الخروج من القوة إلى الفعل، وبما في سنخ الطبيعة من المباهاة ومحبّة الغلبة تعرض ما فيها من أصناف الممكن على من تعلّم وتردّد النفس في ضروب النبات وأنواع الحيوان، وشبهّوها برقّاصة حاذقة بصناعتها عارفة بأثر كل وصل وفصل فيها حضرت مترفا شديد الحرص على مشاهدة ما معها فأخذت في أنواع صناعتها تبرزها واحدا بعد آخر وصاحب المجلس يطالعها إلى أن فنى ما معها وانقطع ولوع الناظر فانخزلت باهتة إذ ليس معها غير الإعادة والمعاد مرغوب عنه فسرحها وارتفع الفعل على مثال رفقة في مفازة قطع عليها وتهارب أهلها سوى ضرير كان فيها ومقعد بقيا بالعراء آيسين من النجاء ولمّا التقيا وتعارفا قال الزّمن للضرير أنا عاجز عن الحركة وقادر على الهداية وأمرك فيهما بخلاف امري فمكّني من عاتقك واحملني لأدلّك على الطريق ونخرج معا من الهلكة ففعل وتمّت الإرادة بتعاونهما وانفصلا عند الخروج من الفلاة؛ ثم تختلف العبارة عندهم في الفاعل

كما ذكرنا فقد قيل في «بشن پران»: إنّ المادّة أصل العالم وفعلها فيه بالطباع على مثال فعل البذر للشجرة بالطباع من غير قصد واختيار وكتبريد الريح للماء من غير قصد لغير الهبوب، إنّما الفعل الإرادي لبشن؛ وهذه إشارة منه إلى الحيّ الذي يعلو المادة وبه تصير المادّة فاعلة تسعى له سعي الصديق لصديقه من غير طمع، وقد بنى عليه «ماني» قوله: سأل الحواريّون عيسى ﵇ عن حياة الموات فقال لهم إنّ الميّت إذا فارق الحيّ المخالط إياه وبان على حدته عاد ميّتا لا يحيى والحيّ الذي فارقه حيّا لا يموت، وأما في كتاب «سانك» فإنه ينسب الفعل إلى المادّة من أجل أنّ ما يعرض من الصور مختلفة في اختلافها بسبب القوى الثلاث الأول وغلبتها فرادي ومزدوجة أعني الملكيّة والإنسيّة والبهيمية وهذه القوى لها دون النفس، والنفس لتعرف أفعالها بمنزلة النّظّارة على مثال أحد السابلة؟؟؟ قعد في قرية للاستراحة وكلّ واحد من أهلها ساع في غير ما يسعي فيه الآخر فهو ينظر إليهم ويعتبر أحوالهم فيكره بعضها ويحبّ بعضها ويعتبر بها فهو مشتغل من غير أن يكون له حظّ فيها ولا سبب في إثارتها: وإنّما ينسب الفعل إلى النفس مع تبرّئها منه على مثال رجل اتّفقت له مرافقة مع جماعة لم يعرفهم وكانوا لصوصا راجعين من قرية قد كبسوها وخرّبوها ولم يسر معهم إلّا قليلا حتّى لحقهم الطلب واستوثق من الجماعة وحمل ذلك البريء في جملتهم وعلى مثل حالهم قد أصابه ما أصابهم من غير مشاركة إيّاهم في فعلهم؛ وقالوا: إن مثال النفس مثال ماء المطر النازل من السماء على حاله وكيفيّة واحدة فإذا اجتمع في أوان له موضوعة مختلفة الجواهر من ذهب وفضّة وزجاج وخزف وطين وسبخة فإنّه بها يختلف في المرأى والمذاق والمشمّ كذلك النفس لا تؤثر في المادة سوى الحياة بالمجاورة فإذا اخذت المادّة في الفعل اختلف ما يظهر منها بسبب القوة الغالبة من القوى الثلاث ومعاونة الأخريين

المستترتين إيّاها على صنوف الأنحاء تعاون الدهن الرطب والذّبالة اليابسة والنار المتدّخنة على الإضاءة، فالنفس في المادّة كراكب العجلة يخدمها الحواسّ في سوقها على إرادته ويهديها العقل الفائض عليها من الله سبحانه فقد وصفوه بأنّه ما ينظر به إلى الحقائق ويؤدّي إلى معرفة الله تعالى، ومن الأفعال إلى كلّ محبوب إلى الجملة ممدوح عند الكافّة.

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «تحقيق ما للهند من مقولة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.