تجاوز إلى المحتوى

من «تحقيق ما للهند من مقولة» لأبي الريحان البيروني (ت ٤٤٠هـ)

و - في ذكر المجامع ومواضع الجزاء من الجنّة وجهنّم

المجمع يسمّى «لوك» والعالم ينقسم قسمة أوّليّة إلى علوّ وسفل وواسطة فيسمّى العالم الأعلى «سفر لوك» وهو الجنّة والعالم الأسفل «ناكلوك» أي مجمع الحيّات وهو جهنّم ويسمّى أيضا «نزلوك» وربّما سمّوه «پاتال» أي أسفل الأرضين، وأمّا الأوسط الذي نحن فيه فيسمّى «مات لوك» و «مانش لوك» أي مجمع الناس وهو للاكتساب والأعلى للثواب والأسفل للعقاب فيهما يستوفي جزاء العمل من استحقّهما مدّة مضروبة بحسب مدّة العمل والكون في كلّ واحد منهما للروح وحده مجرّدة عن البدن، وللقاصر عن السموّ إلى الجنّة أو الرسوب إلى جهنّم لوك آخر يسمّى «ترجكلوك» وهو النبات والحيوان غير الناطق يتردّد الروح في أشخاصها بالتناسخ إلى أن تنتقل إلى الإنس على تدريج من أدون مراتب النامية إلى عليا مراتب الحسّاسة، وكونها فيه على أحد وجهين إمّا لقصور مقدار المكافاة عن محلّى الثواب والعقاب وإمّا لرجوعها من جهنّم، فعندهم أنّ العائد إلى الدنيا متأنّس في أوّل حالته والعائد إليها من جهنّم متردّد في النبات والحيوان إلى أن يبلغ مرتبة الإنسان؛ وهم من جهة الأخبار يكثرون عدد جهنّمات وصفاتها وأساميها ويفردون لكل ذنب منها محلا، وقيل في «بشن پران»: إنّها ثمانية وثمانون ألفا

ونحكي منه ما ذكر فيه، قال: إنّ المدّعي بالكذب والشاهد بالزور والمعاون لهما والمستهزئ بالناس يصيرون إلى «رورو» من الجهنّمات، وسافك الدم بغير حقّ وغاصب حقوق الناس والمغير عليهم وقاتل البقر يصيرون إلى «روده» منها وإليه أيضا يصير الحنّاق، وقاتل البرهمن وسارق الذهب ومن صحبهم والأمراء الذين لا ينظرون لرعاياهم ومن يزني بأهل أستاذه أو يضاجع صهرته يصيرون إلى «سبّت كنب »، والذي يغضي على فاحشة زوجته طمعا والذي يزني بابنته أو زوجة ابنه أو يبيع ولده أو يبخل على نفسه بما يملك فلا ينفقه يصيرون إلى «مهاجال»، والذي يردّ على أستاذه ولا يرضى به ويستخفّ بالناس والذي يأتي البهائم والذي يستهين ببيذ والپرانات أو يكتسب بها في الأسواق يصيرون إلى «شول» والسارق والمحتال والمخالف طريقة الناس المستقيمة والذي يبغض أباه ولا يحبّ الله والناس والذي لا يكرم الجواهر التي عزّزها الله ويسوى بينها وبين سائر الأحجار يصيرون إلى «كرمش»، الذي لا يعظّم حقوق الآباء والأجداد ولا يوجب للملائكة والذي يعمل السهام والنصول يصيرون إلى «لارپكش»، وصانع السيف والسكّين يصير إلى «بشسن»، والذي يخفي ما يملك طمعا في صلات الولاة والبرهمن إذا باع لحما أو دهنا أو سمنا أو صبغا أو خمرا يصيرون إلى «أذومك» والذي يسمّن الدّجج والسنانير والأغنام والخنازير والطير يصير إلى ردهراند»، أصحاب الملاعب ومنشدو الشعر في الأسواق وحافرو الآبار للاستقاء ومن يجامع امرأته في الأيّام المعظّمة والذي يرمي بيوت الناس بالنار والذي يغدر برفيقه فيقبله طمعا في ماله يذهبون إلى «رودر»، والذي يشتار العسل يصير إلى «بيترن»، وغاصب الأموال والنساء بسكر شبابه يصير إلى «كرشن»، وقاطع الأشجار يصير إلى «أسپتربن»، والصيّاد وعامل الفخاخ والحبائل يصير إلى «بهنجال»، ومهمل الرسوم والسنن ومبطل الشرائع وهو شرّهم يصير إلى

«سندنشك»؛ وإنّما عددنا هذا لنعرّف من الذنوب ما يكره عندهم من الأفعال، ومنهم من يرى الواسطة التي للاكتساب هي الإنسانيّة والتردّد فيها بالمكافاة القاصرة عن الثواب والعقاب ثمّ يرى الجنّة عالية عليها للنعيم المستوجب مدّة على حسن الصنيعة، والتردّد في النبات والحيوان سافلا عنها للعذاب والعقاب المستأهل مدّة على سوء الصنيعة ولا يرى جهنّم إلّا هذا الانحطاط عن البشريّة؛ وهذه كلّها من أجل أنّ طلب الخلاص من الرباط ربّما لم يكن على طريقه المستقيم المؤدّي إلى العلم اليقين بل على طرق مظنونة وبالتقليد مأخوذة، ولن يضيع عمل عامل هو خاتمة أعماله بعد الموازنة بين نوعي الاكتساب ولكنّ الجزاء يكون بحسب المقصود فينا له على مراتب إمّا في قالبه الذي هو فيه وإمّا في الذي ينتقل إليه وإمّا بعد خروجه عن قالبه وقبل أن يحصل في غيره، وهذا موضع انقلابهم عن البحث النظري إلى الخبر الملّىّ من أمر معدني الثواب والعقاب والكون فيهما غير متجسّم ببدن والعود بعد استيفاء أجر العمل إلى التجسّد والتأنّس ليستعدّ لما هو له، ولهذا لم يعدّ صاحب كتاب «سانك» ثواب الجنّة خيرا بسبب الانقضاء وعدم التأبّد وبسبب مشابهة الحال فيها حال الدنيا من التنافس والتحاسد لأجل تفاضل الدرجات والمراتب فإنّ الغلّ والحسرة لا يزول إلّا بالتساوي، والصوفيّة لا يعدّونها خيرا من جهة اخرى وهي التلهّي بغير الحقّ والاشتغال عن الخير المحض بما سواه. وقد قلنا: إنّهم يرون الروح في هذين المحلّين مجرّدة عن الجسميّة؛ لكنّ هذا رأي خاصّتهم الذين يتصوّرون النفس قائمة الذات وأمّا من ينحطّ عن رتبتهم ولا يكاد يتصوّر قوامها بغير جسد فإنّهم يرون في ذلك آراء مختلفة، فمنها أنّ سبب النزع هو انتظار الروح قالبا معدّا فلا تفارق البدن إلّا بعد وجود متعلّق يشبه فعله وكسبه ممّا أعدتّه الطبيعة جنينا في الأرحام أو بزرا نابتا في بطن الأرض فحينئذ تترك البدن الذي هي فيه، ومنهم من يقول من جهة الأخبار إنها ليست تنتظر ذلك وإنّما تفارق قالبها لرقّته وقد هيّئ لها من العناصر بدن يسمّى «آت باهك» وتفسيره «الكائن بسرعة، لأنّه لا يحصل على وجه الولاد فيكون فيه سنة

جرداء في أشدّ شدّة سواء كان مثابا أو كان معاقبا فهو كالبرزخ بين الكسب وبين نيل الأجر، ولذلك يقيم وارث الميّت عندهم رسوم السنة على الميّت ولا تنقضي إلّا بانقضائها لأنّ الروح تذهب حينئذ إلى المحلّ المعدّ لها؛ ونحن نذكر هاهنا أيضا من كتبهم ما يصرّح بهذه المعاني، ففي «بشن پران»: إنّ «ميتري» سأل «پراشر» عن الغرض في جهنّم والعقاب به؟ فأجابه بأنّ ذلك لتمييز الخير من الشرّ والعلم من الجهل وإظهار العدل، وما كلّ مذنب يدخل جهنّم فإنّ منهم من ينجو بتقديم التوبة والكفّارات وعظماها التزام ذكر «بشن» في كلّ عمل، ومنهم من يتردّد في النبات وخشاش الطير ومرذول الهوامّ وقذرها من القمل والدود إلى مدّة الاستحقاق؛ وفي كتاب «سانك»: أمّا من استحقّ الاعتلاء والثواب فإنّه يصير كأحد الملائكة مخالطا للمجامع الروحانيّة غير محجوب عن التصرّف في السماوات والكون مع أهلها أو كأحد أجناس الروحانيّين الثمانية، وأمّا من استحقّ السفول بالأوزار والآثام فإنّه يصير حيوانا أو نباتا ويتردّد إلى أن يستحقّ ثوابا فينجو من الشدّة أو يعقل ذاته فيخلّي مركبه ويتخلّص وقال بعض من مال إلى التناسخ من المتكلّمين: إنّه على أربع مراتب هي النسخ وهو التوالد بين الناس لأنّه ينسخ من شخص إلى آخر، وضدّه المسخ ويخصّ الناس بأن يمسخوا قردة وخنازير وفيلة، والرسخ كالنبات وهو أشدّ من النسخ لأنّه يرسخ ويبقى على الأيّام ويدوم كالجبال؛ وضدّه الفسخ وهو للنبات المقطوف والمذبوحات لأنّها تتلاشى ولا تعقب؛ وذهب أبو يعقوب السجزي الملقّب في كتاب له وسمّاه بكشف المحجوب إلى أنّ الأنواع محفوظة وأنّ التناسخ في كل واحد منها غير متعدّ إلى نوع آخر؛ وقد كان هذا رأي اليونانيّين فإنّ يحيى النحوي يحكي عن أفلاطن

أنّه كان يرى أنّ الأنفس الناطقة تصير إلى لباس أجساد البهائم، وأنّه أتبع في ذلك خرافات فيثاغورس؛ وقال سقراط في كتاب «فاذن»: الجسد أرضيّ ثقيل رزين والنفس التي تحبّه تنقل وتتجذّب إلى المكان الذي تنظر إليه لجزعها ممّا لا صورة له ومن «ايذس» مجمع الأنفس فتتلوّث وتدور حول المقابر ومواضع الدفن فقد أريت فيه أنفس ما قد تخايلت بصورة الظلّ والخيال من الأنفس التي لم تفارق مفارقة نقيّة بل فيها جزوء من المنظور إليه، ثم قال يشبه ألّا تكون هذه أنفس الأخيار بل أنفس أهل الشرّة فتتحيّر في هذه الأشياء نقمة تنتقم منها لرداءة غذائها الأوّل ولا تزال كذلك حتى تربط أيضا في جسد بشهوة الصورة الجسميّة التي تبعتها ويكون رباطها في أبدان أخلاقها كالأخلاق التي كانت لها في العالم مثل من ليس له غير الأكل والشرب فيدخل في أجناس الحمير والسباع، والذي قدّم الظلم والتغلّب ففي أجناس الذئاب والبزاة والحدآن، وقال في المجامع: لو لم أرني صائرا أوّلا إلى آلهة حكماء سادة أخيار ثمّ من بعد إلى ناس ماتوا خير ممّن هاهنا لكان تركي الحزن على الموت ظلما، وقال في محلّى المثوبة والعقوبة: إنّ الإنسان إذا مات ذهب به «ذامون» وهو من الزبانية إلى مجمع القضاء ويحمله مع المجتمعين فيه قائد مأمور إلى «ايذس» حتى إذا أقام فيه ما ينبغي من الزمان أدوارا كثيرة وطويلة، وقد قال «طيلافوس »: إنّ طريق «ايذس» مبسوطة، قال وأنا أقول لو كانت مبسوطة أو واحدة لا ستغنى القائد فيها، فأمّا النفس التي تشتهي الجسد أو كان عملها سيّئا غير عدل ومتشبّهة بالأنفس القاتلة هربت من هناك وتحيّزت في كلّ نوع إلى أن يمرّ عليها أزمنة فيؤتى بها ضرورة إلى المسكن الذي يشبهها، وأمّا الطاهرة فإنّها تصادف مرافقين وقوّادا آلهة وسكن الموضع الذي ينبغي، وقال: من كان من الموتى متوسّط السيرة فإنّهم يركبون على مراكب معدّة

لهم في «اخارون» فإذا انتقم منهم ونقوا من الظلم اغتسلوا وقبلوا كرامات ما أحسنوا من الصنيع بقدر الاستئهال، وأمّا الذين ارتكبوا الكبائر مثل السرقة من قرابين الآلهة أو غصب الأموال العظيمة أو القتل بظلم وتعمّد مرارا على خلاف النواميس فإنّهم يلقون في طرطارس » ولا يخرجون منه أبدا، وأمّا الذين ندموا على ذنوبهم مدّة عمرهم وقصرت آثامهم عن تلك الدرجة وكانت كالارتكاب من الوالدين وقهرهما بالغضب وقتل خطأ فإنّهم يلقون في طرطارس سنة كاملة يتعذّبون، ثمّ يلقيهم الموج إلى موضع ينادون منه خصومهم يسئلونهم الاقتصار منهم على القصاص لينجوا من الشرور فإن رضوا عنهم وإلّا أعيدوا إلى طرطارس ولم يزل ذلك دأبهم في العذاب إلى أن يرضى خصومهم عنهم، والذين كانت سيرتهم فاضلة يتخلّصون من هذه المواضع من هذه الأرض ويستريحون من المحابس ويسكنون الأرض النقيّة، وطرطارس شقّ كبير وهويّة يسيل إليها الأنهار، وكلّ إنسان يعبّر عن عقوبة الآخرة بأهول ما هو معروف عند قومه، وناحية المغرب مأوفة بالخسوف والطوافين، على أنّه يصفه بما يدلّ على التهاب النيران فيه وكأنّه يعني به البحر أو قاموسا فيه «دردور» ولا شك أنّ هذه عبارات أهل ذلك الزمان عن عقائدهم.

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «تحقيق ما للهند من مقولة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.