من «تحقيق ما للهند من مقولة» لأبي الريحان البيروني (ت ٤٤٠هـ)
هـ- في حال الأرواح وتردّدها بالتناسخ في العالم
كما أنّ الشهادة بكلمة الإخلاص شعار إيمان المسلمين والتثليث علامة النصرانيّة والإسبات علامة اليهوديّة كذلك التناسخ علم النحلة الهنديّة فمن لم ينتحله لم يك منها ولم يعدّ من جملتها فإنّهم قالوا: إنّ النفس إذا لم تكن عاقلة لم تحط بالمطلوب إحاطة كلّيّة دفعة بلا زمان واحتاجت إلى تتّبع الجزئيّات واستقراء الممكنات وهي وإن كانت متناهية فلعددها المتناهي كثرة والإتيان على الكثرة مضطرّ الى مدّة ذات فسحة ولهذا لا يحصل العلم للنفس إلّا بمشاهدة الأشخاص والأنواع وما يتناوبها من الأفعال والأحوال حتّى يحصل لها في كل واحد تجربة وتستفيد بها جديد معرفة، ولكنّ الأفعال مختلفة بسبب القوى وليس العالم بمعطّل عن التدبير وإنّما هو مزموم وإلى غرض فيه مندوب فالأرواح الباقية تتردّد لذلك في الأبدان البالية بحسب افتنان الأفعال إلى الخير والشرّ ليكون التردّد في الثواب منبها على الخير فتحرص على الاستكثار منه وفي العقاب على الشرّ والمكروه فتبالغ في التباعد عنه ويصير التردّد من الأرذل إلى الأفضل دون عكسه لأنّه يحتمل كليهما ويقتضي اختلاف المراتب فيهما لاختلاف الأفاعيل بتباين الأمزجة ومقادير الازدواجات في الكمّيّة والكيفيّة، فهذا هو التناسخ إلى أن يحصل من كلتي جنبتي النفس والمادّة كمال الغرض أمّا من جهة السفل ففناء ما عند المادّة من الصورة إلّا الإعادة المرغوب عنها وأمّا من جهة العلوّ فذهاب شوق النفس بعلمها ما لم تعلم
واستيقانها شرف ذاتها وقوامها لا بغيرها واستغناءها عن المادّة بعد إحاطتها بخساستها وعدم البقاء في صورها والمحصول في محسوسها والخبر في ملاذّها فتعرض عنها وينحلّ الرباط وينقصم الاتّصال ويقع الفرقة والانفصال والعود إلى المعدن فائزة من سعادة العلم بمثل ما يأخذه السمسم من العدد والأنوار فلا يفارق دهنه بعد ذلك ويتحد العاقل والمعقول ويصير واحدا. وحقيق علينا أن نورد من كتبهم شيأ من صريح كلامهم في هذا الباب وما يشبهه من كلام غيرهم فيه، قال «باسديو» «لارجن» يحرضه على القتال وهما بين الصفّين: إن كنت بالقضاء السابق مؤمنا فاعلم أنّهم ليسوا ولا نحن معا بموتى ولا ذاهبين ذهابا لا رجوع معه فإنّ الأرواح غير مائتة ولا متغيّرة وإنّما تتردّد في الأبدان على تغاير الإنسان من الطفولة إلى الشباب والكهولة ثمّ الشيوخة التي عقباها موت البدن ثمّ العود، وقال له: كيف يذكر الموت والقتل من عرف أنّ النفس أبديّة الوجود لا عن ولادة ولا إلى تلف وعدم بل هي ثابتة قائمة لا سيف يقطعها ولا نار تحرقها ولا ماء يغصّها ولا ريح تيبّسها لكنّها تنتقل عن بدنها إذا عتق نحو آخر ليس كذلك كما يستبدل البدن اللباس إذا خلق فما غمّك لنفس لا تبيد ولو كانت بائدة فأحرى أن لا تغتمّ لمفقود لا يوجد ولا يعود فإن كنت تلمح البدن دونها وتجزع لفساده فكلّ مولود ميّت وكلّ ميّت عائد وليس لك من كلي الأمرين شيء إنّما همنا إلى الله الذي منه جميع الأمور وإليه تصير، ولمّا قال له «ارجن» في خلال كلامه: كيف حاربت براهم في كذا وهو متقدّم للعالم سابق للبشر وأنت الآن فيما بيننا منهم معلوم الميلاد والسنّ؟ إجابة وقال: أمّا قدم العهد فقد عمّني وإيّاك معه فكم مرّة حيينا معا قد عرفت أوقاتها وخفيت عليك وكلّما رمت المجيء للإصلاح لبست بدنا إذ لا وجه للكون مع الناس إلا بالتأنّس؛ وحكى عن ملك أنسيت اسمه أنّه رسم لقومه: أن يحرقوا جثّته بعد موته في موضع لم يحرق فيه ميّت قطّ، وإنّهم طلبوا موضعا كذلك فأعياهم حتى وجدوا صخرة من ماء البحر ناتية فظنّوا أنّهم ظفروا بالبغية، فقال لهم «باسديو»: إنّ هذا الملك أحرق على هذه الصخرة مرّات كثيرة فافعلوا ما تريدون
فإنه إنّما قصد إعلامكم وقد قضيت حاجته؛ وقال «باسديو»: فمن يأمل الخلاص ويجتهد في رفض الدنيا ثمّ لا يطاوعه قلبه على المبتغى إنّه يثاب على عمله في مجامع المثابين ولا ينال ما أراد من أجل نقصانه ولكنّه يعود إلى الدنيا فيؤهل لقالب من جنس مخصوص بالزهادة ويوفّقه الإلهام القدسيّ في القالب الآخر بالتدرّج إلى ما كان إرادته في القالب الأوّل ويأخذ قلبه في مطاوعته ولا يزال يتصفّى في القوالب إلى أن ينال الخلاص على توالي التوالد، وقال باسديو: إذا تجرّدت النفس عن المادّة كانت عالمة فإذا تلبّست بها كانت بكدورتها جاهلة وظنّت أنّها الفاعلة وأنّ اعمال الدنيا معدّة لأجلها فتمسكت بها وانطبعت المحسوسات فيها فإذا فارقت البدن كانت آثار المحسوسات فيها باقية فلم تنفصل عنها بالتمام وحنّت إليها وعادت نحوها وقبولها التغايير المتضادّة في تلك الأحوال يلزمها لوازم القوى الثلاث الأوّلة فماذا تصنع إذا لم تعدّ وهي مقصوصة الجناح؟ وقال أيضا: أفضل الناس هو العالم الكامل لأنّه يحبّ الله ويحبّه الله وكم تكرّر عليه الموت والولادة وهو في مدد عمره مواظب على طلب الكمال حتى ناله وفي «بشن دهرم» قول «مار كنديو» عند ذكره الروحانيّين: إنّ كل واحد من «براهم» و «كارتكيو بن مهاديو» و «لكشمي» مخرج الهناءة من البحر و «دكش» الذي ضربه «مهاديو» و «أماديو» امرأة مهاديو هم في وسط هذا «الكلپ» وكانوا كذلك مرارا كثيرة وقال «برا همهر» في: «أحكام المذنّبات»: وما يصيب الناس عند ظهورها من الدواهي الملجئة إلى الجلاء عن الديار ناحلين من الضنى مولولين من البلاء آخذين بأيدي الأطفال يسيرونهم متناجين إنّا أخذنا بذنوب ملوكنا ومتجاوبين بل هذا جزاء ما كسبناه في الدار الأولى قبل هذه الأبدان. وكان «ماني» نفي من «إيرانشهر» فدخل أرض الهند ونقل التناسخ منهم إلى نحلته، وقال في «سفر
الأسرار»: إن الحواريين لمّا علموا أنّ النفوس لا تموت وأنّها في الترديد منقلبة إلى شبه كل صورة هي لابسة لها ودابّة جبلت فيها ومثال كلّ صورة أفرغت في جوفها سألوا المسيح عن عاقبة النفوس التي لم تقبل الحقّ ولم تعرف أصل كونها فقال:
أيّ نفس ضعيفة لم تقبل قرائنها من الحقّ فهي هالكة لا راحة لها، وعنى بهلاكها عذابها لا تلاشيها فإنّه قال ايضا: قد ظنّ «الديصانية» أنّ عروج نفس الحياة وتصفيتها هو في جيفة البشر ولم يعلموا عداوة الجيفة النفس ومنعها إيّاها عن العروج وأنّها لها حبس وعذاب مؤلم ولو كانت صورة البشر هذه حقّا لم يدعها خالقها أن تبلى وتحدث فيها المضرّة ولم يحوجها إلى التناسل بالنطف في الأرحام وأمّا في كتاب «باتنجل» فقد قيل: إنّ مثال النفس فيما بين علائق الجهل التي هي دواعي الرباط كالأرزّ في ضمن قشرة فإنه ما دام معه كان معدا للنبات والاستحصاد متردّدا بين التولّد والايلاد فإذا أزيل القشر عنه انقطعت تلك الحوادث عنه وصار له البقاء على حاله، وأمّا المكافاة فوجودها في أجناس الموجودات التي يتردّد النفس فيها بمقدار العمر في الطول والقصر وبصورة النعمة في الضيق والسعة، قال السائل: كيف يكون حال الروح إذا حصلت بين الأجور والآثام ثم اشتبكت بجنس المواليد للإنعام أو الانتقام؟ قال المجيب: تردّد بحسب ما قدّمت واجترحت فيما بين راحة وشدّة وتصرّف بين ألم ولذّة، قال السائل: إذا اكتسب الإنسان ما يوجب المكافاة في قالب غير قالب الاكتساب فقد بعد العهد فيما بين الحالين ونسي الأمر؟ قال المجيب: العمل ملازم للروح لأنّه كسبها والجسد آلة لها ولا نسيان في الأشياء النفسانية فإنها خارجة عن الزمان الذي يقتضي القرب والبعد في المدّة والعمل بملازمته الروح يجبل خلقها وطباعها إلى مثل الحال التي
تنتقل إليها فالنفس بصفائها عالمة ذلك متذكّرة له غير ناسية وإنّما تغطّي نورها بكدورة البدن إذا اجتمعت معه على مثال الإنسان المتذكر شيئا عرفة ثم نسيه بجنون أصابه او علّة اعترته أو سكر ران على قلبه أما ترى الصبيان والأحداث يرتاحون للدعاء لهم بطول البقاء ويحزنون للدعاء عليهم بعاجل الفناء وماذا لهم وعليهم فيهما لولا أنّهم ذاقوا حلاوة الحياة وعرفوا مرارة الوفاة في مواضي الأدوار التي تناسخوا فيها لوجود المكافاة. وقد كان اليونانيّون موافقين الهند في هذا الاعتقاد، قال سقراط في كتاب «فاذن»، نحن نذكر في أقاويل القدماء أنّ الانفس تصير من هاهنا إلى «ايذس» ثم تصير أيضا الى ما هاهنا وتكون الأحياء من الموتى والأشياء تكون من الأضداد فالذين ماتوا يكونون في الأحياء فأنفسنا في ايذس قائمة، ونفس كلّ إنسان تفرح وتحزن للشيء وترى ذلك الشيء لها، وهذا الانفعال يربطها بالجسد ويسمّرها به ويصيّرها جسديّة الصورة، والتي لا تكون نقيّة لا يمكنها ان تصير إلى ايذس بل تخرج من الجسد وهي مملوءة منه حتّى إنها تقع في جسد آخر سريعا فكأنّها تودع فيه تثبت ولذلك لا حظّ لها في الكينونة مع الجوهر الإلهي النقيّ الواحد، وقال: إذا كانت النفس قائمة فليس تعلّمنا غير تذكّر ما تعلّمنا في الزمان الماضي لأنّ انفسنا في موضع ما قبل ان تصير في هذه الصورة الإنسيّة، والناس إذا رأوا شيئا قد اعتادوا استعماله في الصبى أصابهم هذا الانفعال وتذكروا من الصنج مثلا الغلام الذي كان يضربه وكانوا نسوه فالنسيان ذهاب المعرفة والعلم تذكّر لما عرفته النفس قبل أن تصير إلى الجسد، وقال «بروقلس»: التذكّر والنسيان خاصّان بالنفس الناطقة وقد بان أنّها لم تزل موجودة فوجب أن تكون لم تزل عالمة وذاهلة أمّا عالمة فعند مفارقتها البدن وأمّا ذاهلة فعند مقاربتها البدن فإنّها في المفارقة تكون من حيّز العقل فلذلك تكون عالمة وفي المقاربة تنحطّ عنه فيعرض لها النسيان لغلبة ما بالقوّة عليها، وإلى هذا المعنى
ذهب من الصوفيّة من قال: إنّ الدنيا نفس نائمة والآخرة نفس يقظانة وهم يجيزون حلول الحقّ في الأمكنة كالسماء والعرش والكرسي، منهم من يجيزه في جميع العالم والحيوان والشجر والجماد ويعبّر عن ذلك بالظهور الكلّي وإذ أجازوا ذلك فيه لم يك لحلول الارواح بالتردّد عندهم خطر.
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع