تجاوز إلى المحتوى

من «تحقيق ما للهند من مقولة» لأبي الريحان البيروني (ت ٤٤٠هـ)

أ- في ذكر أحوال الهند وتقريرها أمام ما نقصده من الحكاية عنهم

يجب أن نتصوّر أمام مقصودنا الأحوال التي لها يتعذّر استشفاف أمور الهند، فإما أن يسهل بمعرفتها الأمر وإمّا أن يتمهّد له العذر، وهو أنّ القطيعة تخفي ما تبديه الوصلة، ولها فيما بيننا أسباب: منها أنّ القوم يباينوننا بجميع ما يشترك فيه الأمم، وأوّلها اللغة وإن تباينت الأمم بمثلها ومتى رامها احد لازالة المباينة لم يسهل ذلك لأنّها في ذاتها طويلة عريضة تشابه العربيّة يتسمّى الشيء الواحد فيها بعدّة أسام مقتضبة ومشتقّة، وبوقوع الاسم الواحد على عدّة مسمّيات محوجة في المقاصد إلى زيادة صفات إذ لا يفرّق بينها إلّا ذو فطنة لموضع الكلام وقياس المعنى إلى الوراء والأمام، ويفتخرون بذلك افتخار غيرهم به من حيث هو بالحقيقة عيب في اللغة؛ ثمّ هي منقسمة إلى مبتذل لا ينتفع به إلّا السوقة، وإلى مصون فصيح يتعلّق بالتّصاريف والاشتقاق ودقائق النّحو والبلاغة لا يرجع إليه غير الفضلاء المهرة، ثم هي مركّبة من حروف لا يطابق بعضها حروف العربيّة والفارسيّة ولا تشابهها بل لا تكاد ألسنتنا ولهواتنا تنقاد لاخراجها على حقيقة مخارجها ولا آذاننا تسمع بتمييزها من نظائرها وأشباهها ولا أيدينا في الكتبة لحكايتها، فيتعذّر بذلك إثبات شيء من لغتهم بخطّنا لما نضطرّ إليه من الاحتيال لضبطها بتغيير النقط والعلامات وتقييدها باعراب إمّا مشهور وإمّا معمول؛ هذا مع عدم اهتمام الناسخين لها وقلّة اكتراثهم بالتصحيح والمعارضة حتى يضيع الاجتهاد

ويفسد الكتاب في نقل له او نقلين ويصير ما فيه لغة جديدة لا يهتدي لها داخل أو خارج من كلتي الأمّتين، ويكفيك معرّفا أنّا ربّما تلقفنا من أفواههم. اسما واجتهدنا في التوثقة منه فاذا أعدناه عليهم لم يكادوا يعرفونه إلا بجهد؛ ويجتمع في لغتهم كما يجتمع في سائر لغات العجم حرفان ساكنان وثلاثة وهي التي يسمّيها أصحابنا متحرّكات بحركة خفيّة، ويصعب علينا التفوّه بأكثر كلماتها وأسمائها لافتتاحها بالسواكن؛ وكتبهم في العلوم مع ذلك منظومة بأنواع من الوزن في ذوقهم قد قصدوا بذلك انحفاظها على حالها وتقديرها وسرعة ظهور الفساد فيها عند وقوع الزيادة والنقصان ليسهل حفظها فإنّ تعويلهم عليه دون المكتوب، ومعلوم أنّ النظم لا يخلو من شوب التكلّف لتسوية الوزان وتصحيح الانكسار وجبر النقصان، ويحوج إلى تكثير العبارات، وهو أحد أسباب تقلقل الأسامي في مسمّياتها؛ فهذا من الأسباب التي تعسّر الوقوف على ما عندهم. ومنها أنهم يباينوننا بالديانة مباينة كلّيّة لا يقع منّا شيء من الإقرار بما عندهم ولا منهم بشيء مما عندنا، وعلى قلّة تنازعهم في أكر المذاهب بينهم بما سوى الجدال والكلام دون الإضرار بالنفس أو البدن أو الحال ليسوا مع من عداهم بهذه الوتيرة وإنما يسمّونه «مليج» وهو القذر لا يستجيزون مخالطته في مناكحة ومقاربة او مجالسة ومؤاكلة ومشاربة من جهة النجاسة، ويستقذرون ما تصرّف على مائه وناره وعليهما مدار المعاش، ثمّ لا مطمع في صلاح ذلك بحيلة كما يطهر النجس بالانحياز إلى حال الطهارة، فليس بمطلق لهم قبول من ليس منهم إذا رغب فيهم أو صبا إلى دينهم، وهذا ممّا يفسخ كلّ وصلة ويوجب أشدّ قطيعة. ومنها أنّهم يباينوننا في الرسوم والعادات حتى كادوا أن يخوّفوا ولدانهم بنا وبزيّنا وهيآتنا وينسبوننا إلى الشيطنة وإيّاها إلى عكس الواجب وإن كانت هذه النسبة لنا مطلقة وفيما بيننا بل وبين الأمم بأسرهم مشتركة؛ وعهدي ببعضهم وهو ينقم منّا بأنّ أحد ملوكهم هلك على يد عدو

له قصده من أرضنا وخلّف جنينا، ملّك بعده وسمّي «سبكر» وحين الإيفاع سأل أمّه عن حال أبيه فقصّت عليه القصّة وامتعض لها فبرز من أرضه إلى أرض العدوّ واستوفى نزّته من الأمم حتى ملّ الإثخان والنكاية فألزم البقايا هذا التزبّي بزيّنا تذليلا لهم وتنكيلا فشكرت فعله لمّا سمعته إذ لم يسمنا التهنّد والانتقال إلى رسومهم.

ومما زاد في النفار والمباينة أنّ الفرقة المعروفة بالشمنيّة على شدّة البغضاء منهم للبراهمة هم أقرب إلى الهند من غيرهم، وقد كانت خراسان وفارس والعراق والموصل إلى حدود الشام في القديم على دينهم إلى أن نجم «زردشت» من اذربيجان ودعا ببلخ إلى المجوسيّة وراجت دعوته عند «كشتاسب» وقام بنشرها ابنه «إسفنديار» في بلاد المشرق والمغرب قهرا وصلحا ونصب بيوت النيران من الصين إلى الروم، ثمّ استصفى الملوك بعده فارس والعراق لملّتهم فانجلت «الشمنّية» عنها إلى مشارق بلخ وبقي المجوس إلى الآن بأرض الهند ويسمّون بها «مك»؛ وكان ذلك بدو النفار عن جنبة خراسان فيهم إلى أن جاء الإسلام وذهبت دولة الفرس، فزادهم غزو أرضهم استيحاشا لمّا دخل محمّد بن القاسم بن المنبّه أرض السّند من نواحي سجستان وافتتح بلد «بمهنوا» وسمّاه «منصورة» وبلد «مولستان» وسمّاه «معمورة وأوغل في بلاد الهند إلى مدينة «كنوج» ووطئ أرض القندهار وحدود كشمير راجعا يعارك مرّة ويصالح اخرى ويقرّ القوم على النحلة إلا من رضي منها بالنّقلة؛ وغرس ذلك في قلوبهم السخائم، وإن لم يتجاوز بعده من الغزاة حدود كابل وماء السند أحد إلى أيّام الترك حين تملكوا بغزنه في أيّام السامانيّة ونابت الدولة ناصر الدين سبكتكين فآثر الغزو وتلقّب به وطرّق لمن بعده في توهين جانب الهند طرقا سلكها يمين الدولة محمود رحمهما الله نيّفا وثلاثين سنة فأباد بها خضرآءهم وفعل من الأعاجيب في

بلادهم ما صاروا به هباء منثورا وسمرا مشهورا، فبقيت بقاياهم المتشرّدة على غاية التنافر والتباعد عن المسلمين بل كان ذلك سبب انمحاق علومهم عن الحدود المفتتحة وانجلائها إلى حيث لا يصل إليه اليد بعد من كشمير وبانارسي وأمثالهما مع استحكام القطيعة فيها مع جميع الأجانب بموجب السياسة والديانة. وبعد ذلك أسباب ذكرها كالطعن فيهم ولكنّها حافية في أخلاقهم غير خفيّة، والحمق دآء لا دوآء له؛ وذلك أنّهم يعتقدون في الأرض أنّها أرضهم وفي الناس أنّهم جنسهم وفي الملوك أنّهم رؤساؤهم وفي الدين أنّه نحلتهم وفي العلم أنّه ما معهم فيترفّعون ويتبظرمون ويعجبون بأنفسهم فيجهلون، وفي طباعهم الضنّ بما يعرفونه والإفراط في الصيانة له عن غير أهله منهم فكيف عن غيرهم، على أنّهم لا يظنّون أنّ في الأرض غير بلدانهم وفي الناس غير سكّانها وأنّ للخلق غيرهم علما حتى أنّهم إن حدّثوا بعلم أو عالم في خراسان وفارس استجهلوا المخبر ولم يصدّقوه للآفة المذكورة، ولو أنّهم سافروا وخالطوا غيرهم لرجعوا عن رأيهم؛ على أنّ أوائلهم لم يكونوا بهذه المثابة من الغفلة، فهذا «براهمهر» أحد فضلائهم حين يأمر بتعظيم البراهمة يقول: «إنّ اليونانيين وهم أنجاس لمّا تخرّجوا في العلوم وأنافوا فيها على غيرهم وجب تعظيمهم فما عسى نقوله في البرهمن إذا حاز إلى طهارته شرف العلم؟» وكانوا يعترفون لليونّانيين بأنّ ما أعطوه من العلم أرجح من نصيبهم منه، ويكفيك دليلا عليه من مادح نفسه وهو يقرئك السلام؛ إنّي كنت أقف من منجّميهم مقام التلميذ من الأستاذ لعجمتي فيما بينهم وقصوري عمّا هم فيه من مواضعاتهم، فلمّا اهتديت قليلا لها أخذت أوقّفهم على العلل وأشير إلى شيء من البراهين والوّح لهم الطرق الحقيقيّة في الحسابات فانثالوا عليّ

متعجّبين وعلى الاستفادة متهافتين يسألون: عمّن شاهدته من الهند حتى أخذت عنه؟ وأنا أريهم مقدارهم وأترفّع عن جنبتهم مستنكفا، فكادوا ينسبونني الى السخر ولم يصفوني عند أكابرهم بلغتهم إلا بالبحر والماء يحمض حتى يعوزا الخلّ، فهذه صورة الحال، ولقد أعيتني المداخل فيه مع حرصي الذي تفرّدت به في أيّامي وبذلي الممكن غير شحيح عليه في جمع كتبهم من المظانّ واستحضار من يهتدي لها من المكامن ومن لغيري مثل ذلك إلا أن يرزق من توفيق الله ما حرمته في القدرة على الحركات عجزت فيها عن القبض والبسط في الأمر والنهي طوي عنّي جانبها، والشكر لله على ما كفي منها؛ وأقول: إنّ اليونانيين أيّام الجاهلية قبل ظهور النصرانية كانوا على مثل ما عليه الهند من العقيدة، خاصّهم في النظر قريب من خاصّهم وعامّهم في عبادة الأصنام كعامّهم، ولهذا أستشهد من كلام بعضهم على بعض بسبب الاتّفاق وتقارب الأمرين لا التصحيح فإنّ ما عدا الحقّ زائغ والكفر ملّة واحدة من أجل الانحراف عنه، ولكنّ اليونانيّين فازوا بالفلاسفة الذين كانوا في ناحيتهم حتى نقّحوا لهم الأصول الخاصة دون العامّة لأنّ قصارى الخواصّ اتّباع البحث والنظر وقصارى العوامّ التهوّر واللجاج إذا خلوا عن الخوف والرهبة يدلّ على ذلك سقراط لمّا خالف في عبادة الأوثان عامّة قومه وانحرف عن تسمية الكواكب «آلهة» في لفظه كيف أطبق قضاة أهل اثينية الأحد عشر على الفتيا بقتله دون الثاني عشر حتى قضى نحبه غير راجع عن الحقّ؛ ولم يك للهند أمثالهم ممّن يهذّب العلوم فلا تكاد تجد لذلك لهم خاصّ كلام إلا في غاية الاضطراب وسوء النظام ومشوبا في آخره خرافات العوامّ من تكثير العدد وتمديد المدد ومن موضوعات النحلة التي يستفظع أهلها فيها المخالفة، ولأجله يستولي التقليد عليهم وبسببه أقول فيما هو بابتي منهم أنّي لا أشبّه ما في كتبهم من

الحساب ونوع التعاليم إلا بصدف مخلوط بخزف أو بدرّ ممزوج ببعر أو بمهى مقطوب بحصى، والجنسان عندهم سيّان إذ لا مثال لهم لمعارج البرهان؛ وأنا في أكثر ما ساورده من جهتهم حاك غير منتقد إلا عن ضرورة ظاهرة، وذاكر من الأسماء والمواضعات في لغتهم ما لا بدّ من ذكره مرّة واحدة يوجبها التعريف، ثمّ إن كان مشتقا يمكن تحويله في العربيّة إلى معناه لم أمل عنه إلى غيره إلا أن يكون بالهندية أخفّ في الاستعمال فنستعمله بعد غاية التوثقة منه في الكتبة، أو كان مقتضبا شديد الاشتهار فبعد الإشارة إلى معناه، وإن كان له اسم عندنا مشهور فقد سهل الأمر فيه؛ ويتعذّر فيما قصدناه سلوك الطريق الهندسي في الإحالة على الماضي دون المستأنف، ولكنه ربّما يجيء في بعض الأبواب ذكر مجهول وتفسيره آت في الذي يتلوه، والله الموفّق.

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «تحقيق ما للهند من مقولة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.