من «تحقيق ما للهند من مقولة» لأبي الريحان البيروني (ت ٤٤٠هـ)
ح- في أجناس الخلائق وأسمائهم
هذا باب يصعب تحصيله على التحقيق لأنّا نطالعه من خارج وأولئك لا يهذّبونه ولاحتياجنا إليه فيما بعده نقرّر منه جميع المسموع إلى وقت تحرير هذه الأحرف ونحكي أوّلا ما في كتاب «سانك» منه، قال «الناسك»: كم أجناس الأبدان الحيّة وأنواعها؟ قال الحكيم: أجناسها ثلاثة، هي الروحانيّون في الأعلى والناس في الوسط والحيوانات في الأسفل، وأمّا أنواعها فهي أربعة عشر منها للروحانيّين ثمانية هي براهم وإندر و پرجاپت وسومي وكاندهرب وجكش وراكشس و پيشاچ، ومنها للحيوانات خسمة، هي بهائم ووحش وطير وزحّافة ونابتة أعني الأشجار، والإنس نوع واحد، وقد عدّدها صاحب هذا الكتاب في موضع آخر منه بأسماء أخر هكذا براهم، أندر، پرجاپت، كاندهرب، جكش، راكشس، پتر، پيشاچ، وهؤلاء قوم قلّما يراعون الترتيب ويجزفون جدّا في التعديد فالأسماء عندهم كثيرة والميدان خال؛ وقال «باسديو» في «كيتا»: إنّ القوّة الأولى من الثلاث الأول إذا غلبت انعقدت على العقل وتصفية الحواسّ والعمل للملائكة ولذلك صارت الراحة من توابعها والخلاص من نتائجها، وإذا غلبت الثانية انعقدت على الحرص وأدّت، إلى التعب وحملت على الأعمال
لجكش وراكشس ويكون الجزاء فيها يحسب العمل، وإذا غلبت الثالثة انعقدت على الجهل والا؟؟؟ خداع بالأمانيّ حتى تولّد السهر والغفلة والكسل وتأخير الواجب ودوام السنة فإن عمل فلأجناس «بهوت» و «پيشاج»، الأبالسة ولپريت حاملي الأرواح في الهواء لا في الجنّة ولا في جهنّم وعقباها العقاب والانحطاط عن رتبة الإنس إلى الحيوان والنبات وقال في موضع آخر منه: الإيمان والفضيلة من الروحانيّين في «ديو» ولهذا صار من يجانسهم من الإنس مؤمنا بالله معتصما به مشتاقا إليه، والكفر والرذيلة في الشياطين المسمّين «أسر» و «راكشس» ومن شابههم من الإنس كان كافرا بالله غير ملتفت إلى أوامره معطّلا للعالم عنه مشتغلا بما يضرّ في الدارين ولا ينفع. فإذا جمع بين هذه الأقاويل ظهر الاضطراب منها في الأسماء وفي الترتيب، فأمّا المشهور فيما بين الجمهور من أجناس الروحانيّين الثمانية فهو «ديو» وهم الملائكة ولهم ناحية الشمال واختصاصهم بالهند، وقد قيل: إنّ «زردشت» ناكر الشمنيّة في تسمية الشياطين باسم أشرف صنف عندهم وبقي ذلك في الفارسيّة من جهة المجوسيّة، ثمّ «ديت دانو» وهم الجنّ الذين في ناحية الجنوب وفي قسمتهم كلّ من خالف نحلة الهند وعادى البقر، وعلى قرب القرابة بينهم وبين الملائكة زعموا: لا ينقطع التنازع بينهم ولا تهدأ حروبهم، ثمّ «كاندهرب» أصحاب الألحان والأغانيّ بين أيدي الملائكة وتسمى قحابهم «آپسرس»، ثمّ «جكش» خزّان الملائكة، ثمّ «راكشس» شياطين مشوّهون، ثمّ «كنّر» على صورة الناس ما خلا رؤوسهم فإنّها رؤوس الأفراس على خلاف قنطور سات اليونانيّين فإنّ صورة الفرس في نصف البدن الأسفل منها وصورة الإنسان في نصفها الأعلى ومنها صورة برج القوس، ثمّ «ناك» وهي على صورة الحيّات، ثمّ «بدّاذر» وهم جنّ سحرة لا يدوم رواج سحرهم، فالقوّة الملكيّة في الطرف الأوّل والشيطنة في الطرف الأسفل والامتزاج فيما بين الطرفين،
وإنّما اختلفت صفاتهم لأنّهم نالوا هذه الرتبة بالعمل والأعمال مختلفة بحسب القوى الثلاث، وطال بقاؤهم بسبب تجرّدهم عن الأبدان وزال التكليف عنهم وقدروا على ما عجز الإنس عنه فخدموهم في المطالب وتقرّبوا إليهم في المآرب؛ ولنعلم ممّا حكيناه عن «سانك» أنّه غير محصّل فليس «براهم» و «إندر» و «پرجاپت» أسماء لأنواع، إنّما براهم و پرجاپت متقاربا المعنى تختلف أسماؤهما باختلاف صفة ما، و «إندر» هو رئيس العوالم، وأيضا فإنّ «باسديو» قد عدّ «جكش» و «راكشس» معا في طبقة واحدة من الشيطنة و «الپرانات» تنطق في جكش: إنّهم خزّان وخدم خزّان. فنقول بعد هذا: إنّ الروحانيّين المذكورين طبقة قد نالوا رتبتهم بالعمل وقت التأنّس وخلّفوا الأبدان وراءهم فإنّها أثقال مزيلة للقدرة مقصّرة للمدّة، واختلفت صفاتهم وأحوالهم بحسب غلبة القوى الثلاث الأول عليهم فاختصّ بأولاها وحصلت لهم الراحة والهناءة ورجح فيهم تصوّر المعقول «ديو» أعني الملائكة بلا مادّة كما رجح في الإنس تصوّر المحسوس في المادّة واختص «پيشاج» و «بهوت» بالثالثة، والمراتب التي بينها بالثانية، وقالوا في عدد ديو: إنّه ثلاثة وثلاثون كورتي منه لمهاديو أحد عشر ولذلك صار هذا العدد لقبا من ألقابه واسمه دالّا عليه ويكون جملة العدد المذكورة للملائكة ...،..،..،، ثمّ جوّزوا عليهم معنى الأكل والشرب والجماع والحياة والموت لأنّهم في حيّز المادّة وإن كانوا منها في الجانب الألطف الأبسط ولأنّهم قد نالوا ذلك بالعمل دون العلم، وفي كتاب «پاتنجل»: إنّ «ثندكشيفر» أكثر القرابين لمهاديو فانتقل إلى الجنّة بقالبه الجسدانيّ، وإن «اندر» الرئيس زنى بامرأة «نهش» البرهمن فمسخ حيّة على وجه العقوبة؛ وتحتهم مرتبة «پترين» الآباء الموتى وتحت هؤلاء «بهوت» أناس قد اتّصلوا بالروحانيّة وتوسّطوا، فأمّا من جاز الرتبة غير مجرّد عن البدن فيسمّون «رش» و «سدّو «؟ من» ويتفاضلون
بالصفات ويتمايزون وسدّ هو الذي نال بعمله الاقتدار على ما شاء في الدنيا واقتصر على ذلك ولم يجتهد في طريق الخلاص وله الترقّي إلى مرتبة «رش» وإليها يتدرّج البرهمن فيسمّى «برهمرش» وإذا تدرّج إليها «كشتر» سمّى «راج رش» وليس ذلك لمن دونهما، و «رشين» هم الحكماء الذين على إنسيّتهم أفضل من الملائكة بسبب العلم ولذلك يستفيده الملائكة منهم فليس فوقهم إلّا براهم، ويسفل عن هؤلاء طبقاتهم الموجودة فيما بيننا ولذكرهم باب على حدة. وكلّ هؤلاء تحت المادّة فأمّا التصوّر ما علاها فقلنا: إنّ الهيولى واسطة بين المادّة وبين التي فوقها من المعاني النفسانيّة والإلهيّة وإنّ فيه القوى الثلاث الأول بالقوّة فكأنّ الهيولى بما فيه جسر من العلوّ إلى السفل فما يسري فيه على القوّة الأولى خالصا يسمّى «براهم» و «پرجاپت» وأسماء أخر كثيرة من جهة الشرع والأخبار ومعناه راجع إلى الطبيعة في عنفوان فعلها لأنّ الإنشاء حتى خلق العالم منسوب إلى براهم عندهم، وما يسري فيه على القوّة الثانية يسمّى «ناراين» في الأخبار ويرجع معناه إلى الطبيعة عند انتهاء فعلها غايته فإنّها تجتهد حينئذ في الإبقاء كذلك اجتهاد ناراين في إصلاح العالم ليبقى، وما يسري فيه على القوّة الثالثة يسمّى «مهاديو» و «شنكر» وأشهر أسمائه «ردر» وهو للإفساد والإفناء كالطبيعة في أواخر فعلها وفتور قوّتها، وإنّما تختلف أسماؤهم بعد السريان في هذه المعارج والمدارج الى السفل فتختلف أفعالهم فأمّا قبل ذلك فالمنبع واحد ولذلك يجمعونهم فيه ولا يفرقون أحدهم عن الآخر ويسمّونه «بشن» وهذا الاسم بالقوّة الوسطى أولى بل لا يفرقون بينها وبين العلة الأولى ويذهبون مذهب النصارى في تمييز أسامي الأقانيم بالأب والابن وروح القدس بعضها من بعض وجمعها بجوهر واحد، فهذا ما يلوح من كلامهم عند النظر والتحصيل فأمّا على وجه الخبر
والرواية التي يكثر فيها الخرافة فسيجيء ذكره في خلال الكلام، ولا يتعجّب من أقاويلهم في طبقة «ديو» التي عبّرنا عنها بالملائكة وتجويزهم عليهم ما لا تجوّزه العقول ممّا نزّههم متكلّمو الإسلام عن مباحه فضلا عن محظوره فإنّك إذا جمعت بين أقاويلهم تلك وأقاويل اليونانيّين في ملّتهم زال الاستغراب، وقد قدّمنا أنّهم كانوا سمّوا الملائكة «آلهة» فطالع ما ورد لهم في «زوس» حتى تتحقّق ما قلناه أمّا ما هو صادر فيه عن مشابه الحيوانيّة والإنسيّة فقولهم: إنّه لمّا ولد رام أبوه أكله وقد تقدّمت الأمّ بلفّ حجر في خرق فألقمته إيّاه حتى انصرف، وقد ذكر ذلك جالينوس في «كتاب الميامر» في قوله: إنّ «فيلن » ألغز بوصف معجون «فلونيا» في شعره فقال: خذ شعرا أحمر من الشعر الذي يفوح منه رائحة الطيب وهو قربان الآلهة ودمه فتزن منه أوزانا بقدر عقول الناس، وعنى بذلك الزعفران خمسة مثاقيل لأنّ الحواسّ خمس، وذكر سائر الأخلاط بأوزانها على أنواع من الرموز فسّرها جالينوس وفيها: ومن الأصل المكذوب عليه الذي نشأ في البلد الذي ولد فيه «زوس» فقال: إنّ هذا هو السنبل لأنّه مكذوب عليه في اسمه قد سمّي «سنبلا» وليس بسنبل وإنّما هو أصل، وأمر أن يكون «اقريطيّا» لأنّ أصحاب الأمثال يقولون في «زوس» إنّه ولد في جبل «ديقطاون» في «قريطي» حيث كانت والدته تخبؤه من أبيه «قرونس» لئلا يبتلعه كما ابتلع غيره، ثمّ ما في التواريخ المشهورة من تزوّجه بالنّساء المعروفات واحدة بعد أخرى وإحبال بعض منهنّ مغصوبات غير منكوحات ومنها «آورقّة بنت فونيكوس» الذي أخذها منه
«اسطارس» ملك «اقريطى» وأولدها بعده «مينوس» و «ردمنتوس » وذلك بعيد زمان خروج بني اسرائيل من التيه إلى أرض فلسطين، وما ذكر أنّه مات بأقريطى ودفن بها في زمان «شمسون» الإسرائيليّ وله سبع مائة وثمانون سنة وأنّه سمّي «زوس» لمّا طال عمره بعد أن كان يسمّى «ديوس» وأنّ أوّل من سمّاه بهذا الاسم «ققرفّس» الملك الأوّل بأثينية والحال بينهما في المواطأة على ما مالا إليه من تسريح الزّبّ يمينا وشمالا وتسهيل قياد القيادة على شبه حال «زردشت» مع «كشتاسب» فيما راماه من تقوية الملك والسياسة، وقد زعم المؤرّخون أنّ الفضائح في القوم جرت من ققرفّس ومن قام بعده من الملوك وعنوا بذلك مشابه ما في أخبار الإسكندر أنّ «نقطينابوس» ملك مصر لمّا هرب من «أردشير» الأسود واختفى في مدينة «ماقيدنيا » يتنجّم ويتكهّن احتال على «أولمفيذا» امرأة «بيلبس» ملكها وهو غائب حتى كان يغشاها خداعا ويري نفسه على صورة «أمون» الإله في شبح حيّة ذات قرنين كقرني الكبش إلى أن حبلت بالإسكندر وكاد «بيلبس» عند رجوعه ان ينتفي منه وينفيه فرأى في المنام أنّه نسل الإله أمون فقبله وقال لا معاندة مع الآلهة وكان حتف «نقطينابوس» على يد الاسكندر على وجه الإعناق في النجوم ومن ذلك عرف أنّه كان أباه، وأمثال هذا كثير في أخبارهم وسنأتي بنظائره في مناكح الهند، ثمّ نقول وأمّا ما لا يتّصل بالبشريّة في أمر «زوس» فقولهم: إنّه المشتري ابن زحل لأنّ زحل عند أصحاب «المظلّة» على ما قال جالينوس في «كتاب البرهان»: أزليّ البقاء وحده غير متولد، ويكفي ما في كتاب «اراطس» في «الظاهرات» فإنّه يفتتحه بتمجيد زوس: وإنّه الذي نحن معشر الناس لا ندعه ولا نستغني عنه، الذي ملأ الطرق ومجامع الناس وهو
رؤوف بهم، مظهر للمحبوبات، ناهض بهم إلى العمل، مذكر بالمعاش،؟ مخبر بالأوقات المختارة للحفر والحرث للنشوء الصحيح ومن نصب في الفلك من العلامات والكواكب، ولهذا نتضرّع إليه أوّلا وأخيرا؛ ويمدح الروحانيّين بعده، ومتى قايست بين الطبقتين كانت هذه أوصاف براهم؛ ومفسّر كتاب «الظاهرات» زعم أنّه خالف الشعراء في ابتدائهم بالآلهة أنّه أزمع أن يتكلّم على الفلك، ثمّ نظر أيضا كما نظر جالينوس في نسب «اسقليپيوس» فقال: نحبّ نعرف أيّ زوس عنى أراطس الرمزيّ أم الطبيعيّ لأن «اقراطس» الشاعر سمى الفلك «زوس» وكذلك قال «أوميرس»: كما تقطع قطع الثلج من زوس، وأراطس سمّى الأيثر والهواء زوس في قوله: إنّ الطرق والمجامع مملوءة منه وإنّ كلّنا محتاجين إلى استنشاقه، ولهذا زعم أنّ رأي أصحاب «الأسطوان» في زوس أنّه الروح المنبثّة بالهيولى المناسبة لأنفسنا أي الطبيعة السائسة لكلّ جسد طبيعيّ، ونسبه إلى الرأفة لأنّه علّة الخيرات فبحقّ زعم أنّه ليس أولد الناس فقط بل الآلهة أيضا.
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع