من «تحقيق ما للهند من مقولة» لأبي الريحان البيروني (ت ٤٤٠هـ)
ي- في منبع السنن والنواميس والرسل ونسخ الشرائع
قد كانت اليونانيّة تأخذ السنن والنواميس من حكمائهم المنتدبين لذلك المنسوبين إلى التأييد الإلهيّ مثل «سولن» و «دروقون» و «فيثاغورس» و «مينس» وأمثالهم، وكذلك كان يفعله ملوكهم فإنّ «ميانوس» لمّا تسلّط على جزائر البحر و «الأقريطيّين» وذلك بعد أيّام موسى بقريب من مائتي سنة وضع لهم نواميس على أنّها مأخوذة من «زوس» وفي ذلك الزمان وضع «مينس» النواميس وفي زمان «دارا» الأوّل الذي كان بعد «كورش» أنفذ الروم إلى أهل «أثينية» رسلا وأخذوا منهم النواميس في اثني عشر كتابا إلى أن ملكهم «فنفيلوس» وتولّى وضع السنن لهم وصيّر شهور السنة اثني عشر بعد أن كانت لهم عشرة ويدلّ على إكراهه إيّاهم أنّه وضع معاملاتهم بالخزف والجلود بدل الفضّة فإنّ ذلك يكون من الحنق على من لا يطيع؛ وفي المقالة الأولى من «كتاب النواميس» لأفلاطن قال الغريب من أهل أثينية: من تراه كان السبب في وضع النواميس لكم أهو بعض الملائكة أو بعض الناس؟ قال «الأقنوسيّ»: هو بعض الملائكة أمّا بالحقيقة عندنا فزوس وأمّا أهل «لاقاذامونيا» فإنّهم يزعمون أنّ واضع النواميس لهم «أفوللن»، ثمّ قال في هذه المقالة: إنّه واجب على واضع النواميس إذا كان من عند الله أن يجعل غرضه في وضعها اقتناء أعظم الفضائل وغاية العدل، ووصف نواميس أهل «أقريطس» بهذه الصفة وأنّها مكملة لسعادة من استعملها على
الصواب لأنّه يقتني بها جميع الخيرات الإنسيّة المتعلّقة بالخيرات الإلهيّة، وقال «الأثينيّ» في المقالة الثانية من هذا الكتاب: لمّا رحم الآلهة جنس البشر من أجل أنّه مطبوع على التعب هيّؤا لهم أعيادا للآلهة وللسكينات ولأفوللن مدبّر «السكينات» ولديونوسيس مانح البشر الخمرة دواء من عفوصة الشيخوخة ليعودوا فتيانا بالذهول عن الكآبة وانتقال خلق النفس من الشدّة إلى السلامة، وقال أيضا:
إنّهم ألهموهم تدابير الرقص والإيقاع المستوي الوزن جزاء على المتاعب وليتعوّدوا معهم في الأعياد والأفراح، ولذلك سمّى نوع من أنواع الموسيقى في الرمز لصلوات الآلهة «تسابيح»؛ فهذا كان حال هؤلاء وعلى مثله أمر الهند فإنّهم يرون الشريعة وسننها صادرة عن «رشين» الحكماء قواعد الدين دون الرسول الذي هو «ناراين» المتصوّر عند مجيئه بصور الإنس ولن يجيء إلّا لحسم مادّة شرّ يطلّ على العالم أو لتلافي واقع ولا عوض في شيء من أمر السنن وإنّما تعمل بها كما تجدها فلأجل هذا وقع الاستغناء عن الرسل عندهم في باب الشرع والعبادة وإن وقعت الحاجة إليهم في مصالح البريّة؛ فأمّا نسخها فكأنّه غير ممتنع عندهم لأنّهم يزعمون أنّ أشياء كثيرة كانت مباحا قبل مجيء «باسديو» ثمّ حرّمت ومنها لحم البقر، وذلك لتغيّر طباع الناس وعجزهم عن تحمّل الواجبات ومنها أمر الأنكحة والأنساب فإنّ النسب كان وقتئذ على أحد ثلاثة أصناف، أحدها من صلب الأب في بطن الأمّ المنكوحة كما هو الآن عندنا وعندهم والثاني من صلب الختن في بطن الابنة المزفوفة إذا شورط على أن يكون الولد لأبيها فيكون حينئذ ولد الابنة للجدّ المشارط دون الأب الزارع والثالث من صلب الأجنبيّ في بطن الزوجة لأنّ الأرض للزوج فيكون أولاد المرأة لزوجها إذا كانت الزراعة برضا
منه، وعلى هذا الوجه كان «پاندو» منسوبا إلى بنوّة «شنتن» وذلك أنّه عرض لهذا الملك بدعاء بعض الزّهاد عليه ما منعه عن اقتراب نسائه مع عدم الولد فسأل «بياس بن پراشر» أن يقيم له من نسائه ولدا يخلفه ووجّه بإحداهنّ إليه فخافته لمّا دخلت عليه وارتعدت فحبلت منه بحسب تلك الحالة مسقاما مصفارّا، ثمّ وجّه بالثانية إليه فاحتشمته وتقنّعت بخمارها فولدت «درت راشتر» أكمه غير صالح، ووجّه بالثالثة وأوصاها برفض الهيبة والحشمة فدخلت ضاحكة مستبشرة وحبلت ببدر الذي فاق الناس في المجون والشطارة، وقد كان لأولاد «پاندو» الأربعة زوجة مشتركة فيما بينهم تقيم عند كلّ واحد شهرا، بل في كتبهم: إنّ «پراشر» الزاهد ركب سفينة فيها للسفّان ابنة وإنّه عشقها وراودها عن نفسها حتى لانت عريكتها إلّا أنّه لم يكن على الشط ساتر عن الأبصار وإنّ «طرفاء» نبت من ساعته لتسهيل الأمر فضاجعها خلف الطرفاء وأحبلها بابنه هذا الفاضل «بياس» وذلك كلّه الآن مفسوخ منسوخ، فلهذا يتخيّل من كلامهم جواز النسخ، فأمّا هذه الفضائح في الأنكحة فيوجد منها الآن وفي مواضي الجاهليّة فإنّ ساكني الجبال الممتدّة من ناحية «پنچهير» إلى قرب «كشمير» يفترضون الاجتماع على امرأة واحدة إذا كانوا إخوة؛ وكان نكاح العرب في جاهليّتها على ضروب، منها أنّ أحدهم كان يرسم لامرأته أن ترسل إلى فلان وتستبضع منه، ثمّ يعتزلها أيّام حملها رغبة منه في نجابة الولد، وهذا هو القسم الثالث للهند، ومنها أنّه كان يقول للآخر أنزل عن امرأتك لي وأنزل لك عن امرأتي، فيفعلان بالبدال، ومنها أنّ النفر كانوا يغشونها فإذا وضعت ألحقته بأبيه، فإن لم تعرفه عرفته القافة، ومنها «نكاح المقت» بامرأة الأب أو الابن واسم الولد منه «ضيزن»؛ ولا يبعد عن اليهود فقد فرض عليهم أن ينكح الرجل امرأة أخيه إذا مات ولم يعقب ويولد لأخيه المتوفي نسلا منسوبا إليه دونه لئلا يبيد من العالم ذكره، ويسمّون فاعل ذلك بالعبريّة «يبمّ»؛ وكذلك
المجوس ففي كتاب «توسر هربذ الهرابذة» إلى «پدشوار كرشاه» جوابا عمّا تجنّاه على «أردشير بن بابك»: أمر الإبدال عند الفرس إذا مات الرجل ولم يخلّف ولدا أن ينظروا فإن كانت له امرأة زوّجوها من أقرب عصبته باسمه، وإن لم تكن له امرأة فابنة المتوفّي أو ذات قرابته فإن لم توجد خطبوا على العصبيّة من مال المتوفّي فما كان من ولد فهو له، ومن أغفل ذلك ولم يفعل فقد قتل ما لا يحصى من الأنفس لأنّه قطع نسل المتوفّي وذكره إلى آخر الدهر؛ وإنّما حكيت هذا ليعرف بإزائه حسن الحقّ ويزداد ما باينه عند المقايسة قباحة.
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع