من «تحقيق ما للهند من مقولة» لأبي الريحان البيروني (ت ٤٤٠هـ)
يا- في مبدإ عبادة الاصنام وكيفية المنصوبات
معلوم أنّ الطباع العامّي نازع إلى المحسوس نافر عن المعقول الذي لا يعقله إلّا العالمون الموصوفون في كل زمان ومكان بالقلّة، ولسكونه إلى المثال عدل كثير من أهل الملل إلى التصوير في الكتب والهياكل كاليهود والنصارى ثم المنانية خاصّة، وناهيك شاهدا على ما قلته: أنّك لو أبديت صورة النبي ﷺ أو مكّة والكعبة لعامّتي أو امرأة لوجدت من نتيجة الاستبشار فيه دواعي التقبيل وتعفير الخدّين والتمرّغ كأنّه شاهد المصوّر وقضى بذلك مناسك الحج والعمرة، وهذا هو السبب الباعث على إيجاد الأصنام بأسامي الأشخاص المعظّمة من الأنبياء والعلماء والملائكة مذكّرة أمرهم عند الغيبة والموت مبقية آثار تعظيمهم في القلوب لدى الفوت الى ان طال العهد بعامليها ودارت القرون والأحقاب عليها ونسيت أسبابها ودواعيها وصارت رسما وسنّة مستعملة، ثم داخلهم اصحاب النواميس من بابها إذ كان ذلك أشدّ انطباعا فيهم فأوجبوه عليهم وهكذا وردت الأخبار فيمن تقدّم عهد الطوفان وفيمن تأخّر عنه وحتّى قيل أنّ كون الناس قبل بعثة الرسل أمّة واحدة هو على عبادة الأوثان، فأمّا اهل التوراة فقد عيّنوا أوّل هذا الزمان بأيام «ساروغ» جدّ
أب» «ابراهيم»، وأمّا الروم فزعموا أنّ «روملس» و «روماناوس» الأخوين من أفرنجة لمّا ملكا بنيا «رومية» ثم قتل روملس أخاه وتواترت الزلازل والحروب بعده حتى تضرّع روملس فأرى في المنام أنّ ذلك لا يهدأ إلّا بأن يجلس أخاه على السرير، فعمل صورة من ذهب وأجلسه معه، وكان يقول أمرنا بكذا، فجرت عادة الملوك بعده بهذه المخاطبة وسكنت الزلازل، فاتخذ عيدا وملعبا يلهي به ذوي الأحقاد من جهة الأخ، ونصب للشمس أربعة تماثيل على أربعة أفراس، أخضرها للأرض، واسما نجونها للماء وأحمرها للنار وأبيضها للهواء، وبقيت إلى الآن قائمة برومية، وإذ نحن في حكاية ما الهند عليه فإنّا نحكي خرافاتهم في هذا الباب بعد أن نخبر أنّ ذلك لعوامّهم فأمّا من أم نهج الخلاص أو طالع طرق الجدل والكلام ورام التحقيق الذي يسمّونه «سار» فإنّه يتنزه عن عبادة أحد ممّا دون الله تعالى فضلا عن صورته المعمولة، فمن تلك القصص ما حدّث به «شونك» الملك «پريكش» قال: كان فيما مضى من الأزمنة ملك يسمّى «انبرش» نال من الملك مناه، فرغب عنه وزهد في الدنيا وتخلّى للعبادة والتسبيح زمانا طويلا حتى تجلّى له المعبود في صورة «إندر» رئيس الملائكة راكب فيل وقال: سل ما ما بدا لك لأعطيكه، فأجابه بأنّي سررت برؤيتك وشكرت ما بذلته من النجاح والإسعاف لكنّي لست أطلب منك بل ممّن خلقك، قال «اندر»: إنّ الغرض في العبادة حسن المكافاة عليها فحصّل الغرض ممّن وجدته منه ولا تنتقد قائلا لا منك بل من غيرك، قال الملك: أمّا الدنيا فقد حصلت لي وقد رغبت عن جميع ما فيها وإنّما مقصودي من العبادة رؤية الربّ وليست إليك فكيف أطلب حاجتي منك، قال اندر: كلّ العالم ومن فيه في طاعتي فمن أنت حتى تخالفني، قال الملك: انا كذلك سامع مطيع إلّا أنّي اعبد من وجدتّ أنت هذه القوّة من لدنه
وهو ربّ الكلّ الذي حرسك من غوائل الملكين «بل» و «هرثكش» فخلّني وما آثرته وارجع عني بسلام، قال اندر: فإذ أبيت إلّا مخالفتي فإنّي قاتلك ومهلكك، قال الملك: قد قيل إنّ الخير محسود والشر له ضدّ ومن تخلّى عن الدنيا حسدته الملائكة فلم يخل من إضلالهم إيّاه وأنا من جملة من اعرض عن الدنيا وأقبل على العبادة ولست بتاركها ما دمت حيّا ولا اعرف لنفسي ذنبا أستحق به منك قتلا فإن كنت فاعله بلا جرم منّي فشأنك وما تريد على أنّ نيّتي إن خلصت لله ولم يشب يقيني شوب لم تقدر على الإضرار بي وكفاني ما شغلتني به عن العبادة وقد رجعت إليها ولمّا اخذ فيها تجلّى له الربّ في صورة إنسان على لون النيلوفر الأكهب بلباس اصفر راكب الطائر المسمّى «كرد» في إحدى أيديه الأربع «شنك» وهو الحلزون الذي ينفخ فيه على ظهور الفيلة وفي الثانية «جكر» وهو السلاح المستدير الحادّ المحيط الذي إذا رمي به حزّ ما أصاب وفي الثالثة حرز وفي الرابعة «بذم» وهو النيلوفر الأحمر، فلمّا رآه الملك اقشعرّ جلده من الهيبة وسجد وسبّح كثيرا فآنس وحشته وبشّره بالظفر بمرامه، فقال الملك: كنت نلت ملكا لم ينازعني فيه أحد وحالة لم ينغصها علّى حزن أو مرض فكأنّي نلت الدنيا بحذافيرها ثمّ اعرضت عنها لما تحققت ان خيرها في العاقبة شرّ عند التحقيق ولم اتمنّ غير ما نلته الآن ولست أريد بعده غير التخلّص من هذا الرباط، قال الربّ: هو بالتخلي عن الدنيا بالوحدة والاعتصام بالفكرة وقبض الحواس إليك، قال الملك: هب أني قدرت على ذلك بسبب ما أهّلت له من الكرامة فكيف يقدر عليه غيري ولا بدّ للإنسان من مطعوم وملبوس وهما واصلان بينه وبين الدنيا فهل غير ذلك؟ قال له: استعمل بملكك وبالدنيا على الوجه القصد والأحسن واصرف النيّة إليّ فيما تعمله من تعمير الدنيا وحماية اهلها وفيما تتصدّق به بل وفي كلّ الحركات فإن غلبك نسيان الانسيّة
فاتخذ تمثالا كما رأيتني عليه وتقرّب بالطيب والأنوار إليه واجعله تذكار لي لئلّا تنساني حتّى إن عنيت فبذكري وإن حدّثت فباسمي وإن فعلت فمن أجلي، قال الملك: قد وقفت على الجمل فأكرمني بالبيان والتفصيل، قال: قد فعلت وألهمت «بسشت» قاضيك جميع ما يحتاج إليه فعّول في المسائل عليه، ثمّ غاب الشخص عن عينه ورجع الملك إلى مقرّه وفعل ما أمر به؛ قالوا: فمن وقتئذ تعمل الأصنام بعضها ذوات أربع ايد كما وصفنا وبعضها ذوات يدين بحسب القصّة والصفة وبحسب صاحب الصورة، وأخبروا أيضا بأن لبراهم ابن يسمّى «نارذ» لم تكن له همّة غير رؤية الربّ وكان من رسمه في تردّده إمساك عصا معه إذ كان يلقيها فتصير حيّة ويعمل بها العجائب وكانت لا تفارقه وبينا هو في فكرة المأمول إذ رأى نورا من بعيد فقصده ونودي منه أنّ ما تسأله وتتمنّاه ممتنع الكون فليس يمكنك ان تراني إلّا هكذا ونظر فإذا شخص نوراني على مثال اشخاص الناس، ومن حينئذ وضعت الأصنام بالصور؛ ومن الاصنام المشهورة صنم «مولتان» باسم الشمس ولذلك سمّى «آدت» وكان خشبيّا ملبّسا بسختيان أحمر في عينيه ياقوتتان حمراوان، يزعمون أنه عمل في «كرتاجوك» الأدنى فهب أنّه كان في آخر ذلك الزمان ومنه إلينا من السنين، وكان محمّد بن القاسم بن المنبّه لمّا افتتح المولتان نظر إلى سبب عمارتها والأموال المجتمعة فيها فوجد ذلك الصنم إذ كان مقصودا محجوبا من كلّ أوب، فرأى الصلاح في تركه بعد أن علّق لحم بقر في عنقه استخفافا به وبنى هناك مسجد جامع، فلمّا استولت «القرامطة» على المولتان كسر «جلم ابن شيبان» المتغلّب ذلك الصنم وقتل سدنته وجعل بيته وهو قصر مبنىّ من الآجرّ على مكان مرتفع جامعا بدل الجامع الأوّل وأغلق ذاك بغضا لما عمل في أيّام بني أميّة، ولمّا أزال الأمير المحمود ﵀ أيديهم عن تلك الممالك اعاد الجمعة إلى الجامع الأوّل وأهمل هذا الثاني فليس الآن إلّا بيدار
لصبر الحنّا، وإذا اسقطنا المئين وما دونها بسبب تقدّم وقت ظهور «القرامطة» أيّامنا على أنّ ذلك خول مائة سنة بقي وهو ما بين آخر «كرتاجوك» إلى قريب من أوّل الهجرة فكيف بقاء الخشبة عليها مع نداوة الهواء والأرض هناك! والله اعلم؛ ومدينة «تانيشر» عندهم معظّمة وكان صنمها يسمّى «جكر سوام» أي صاحب جكر الذي وصفناه من الأسلحة وهو من صفر قريب القدر من مقدار الانسان هو الآن ملقى في الميدان بغزنة مع رأس «سومنات» الذي هو صورة مذاكير «مهاديو» ويسمّى هذه الصورة «لنك» وسيجيء خبر سومنات في موضعه، فأمّا جكر سوام فقد قالوا: إنّه عمل في أيّام «بهارث» تذكرة من تلك الحروب، وفي داخل «كشمير» على مسيرة يومين أو ثلاثة من القصبة نحو جبال «بلور» بيت صنم خشبي يسمّى «شارد» يعظّم ويقصد. ونحن نذكر جوامع باب من كتاب «سنكهت» في عمل الأصنام تعين على معرفة ما نحن فيه، قال «براهمهر»: إنّ الصورة المعمولة إذا كانت لرام بن دشرت او لبل بن بروجن فاجعل القامة مائة وعشرين إصبعا من اصابع الصنم ولغيرهما بنقصان عشر ذلك اعني مائة وثمانيا واجعل ايدي صنم «بشن» ثمانيا او أربعا أو اثنين وعلى جنبه الأيسر تحت الثندؤة صورة امرأة «شري» فإن عملته ذا أيد ثمان فاجعل في اليمنى سيفا وفي الثانية عمود ذهب أو حديد وفي الثالثة سهما والرابعة كأنّها مغترفة وفي اليسرى ترسا وقوسا وجكرا وحلزونا، وإن عملته ذا أربع فأسقط القوس والسهم، وإن جعلته ذا يدين فليكن اليمنى مغترفة وفي اليسرى حلزون، وإن كانت الصورة «بلديو» أخ «ناراين» فشنّف أذنيه وأسكر عينيه، وإن عملت كلتي الصورتين فاقرن بهما أختهما «بهكبت» ويدها اليسرى على خاصرتها متحافية عن
الجنب وفي يمناها نيلوفر، وإن عملتها ذات أربع أيد ففي اليمين سبحة وكفّ مغترفة وفي اليسار دفتر ونيلوفر، وإن عملتها ذات ثمان ففي اليسار «كمندل» وهو جرّة ونيلوفرة وقوس ودفتر وفي اليمين سبحة ومرآة وسهم وكفّ مغترفة، وإن كانت الصورة لسانب ابن بشن فاجعل في يده اليمنى عمودا فقط، وإن كانت لپردّمن ابن بشن ففي يده اليمنى سهم وفي اليسرى قوس، وإن عملت امرأتيهما فضع في اليمنى سيفا وفي اليسرى ترسا، وصنم «براهم» ذو أربعة أوجه في الجهات الأربع على نيلوفر وفي يده جرّة، وصنم «اسكند بن مهاديو» صبيّ راكب طاؤس في يده «شكد» وهو كالسيف قاطع في الجانبين ومقبضه في وسطه على هيئة دستج المهراس وفي يد صنم «إندر» سلاح يسمّى «بجر» من الألماس وهو مثل «شكد» في المقبض ولكن في كلّ جانب منه سيفان مجتمعان عند المقبض واجعل على جبهته عينا ثالثة وأركبه فيلا أبيض ذا اربعة أنياب، وكذلك فاجعل في جبهة صنم «مهاديو» عينا ثالثة منتصبة وعلى رأسه هلالا وفي يده سلاحا يسمّى «شول» شبيها بالعمود ذا ثلاث شعب وسيفا ويسراه قابضة على امرأته «كور بنت هممنت» وهو يضمّها الى صدره من جانب جنبه، وأمّا صنم «جن» وهو «البدّ» فبالغ في تحسين وجهه واعضائه واجعل أسرار كفّه وباطن قدميه على شكل النيلوفر جالسا على مثله أكهب الشعر هشّاشا كأنّه أب الخلق، وإن عملت «ارهنت» وهو صورة بدن آخر للبدّ فاجعله شابّا عريانا حسن الوجه خيّرا قد بلغت يداه ركبتيه وصورة «شري» المرأة تحت ثندؤته اليسرى، وصنم «ريوتت ابن الشمس» راكب فرس كالمتصيّد، وصنم «جم» ملك الموت على جاموس ذكر وبيده عمود، وصنم «كبير» الخازن متوّجا عظيم البدن واسع الجنبين راكب إنسان، وصنم الشمس احمر الوجه مثل لبّ النيلوفر الأحمر مشرقا كالجوهر بارز الأعضاء
مشنّف الأذنين مقلّد العنق بلآلئ مسبلة على صدره متوجّا بتاج ذي شرف في يديه نيلوفرتان ملبّسا لباس اهل الشمال مرسلا إلى كعبه، وإن عملت الأمّهات السبع فاجمع بينهنّ، أمّا «برهمان» فذات اربعة أوجه في الجهات الاربع، وأمّا «كومار» فذات ستّة اوجه، وأمّا «بيشنب» فذات اربعة أيد، وأمّا «باراه» فرأسها رأس خنزير على بدن إنسان، وأمّا «ايندران» فذات اعين كثيرة وبيدها عمود، وأمّا، «بهكبت» فجالسة كالرسم، وأمّا «جامند» فمشوّهة بارزة الأنياب مضمّرة البطن، ثمّ اقرن اليهنّ ابني «مهاديو» أمّا «كشيتربال» فمقشعرّ الشعر كالح الوجه مشوّه الخلقة، وأمّا «بنايك» فرأسه رأس فيل على بدن إنسان ذي أربع ايد كما تقدّم، وعند جماعة هذه الأصنام يقتل الأغنام والجواميس بالكتارات ليغتذين بدمائها؛ ولجميع الأصنام مقادير بأصابعها مقدّرة لأعضائها وربما اختلف في بعضها فإذا حافظ الصانع عليها ولم يزد ولم ينقص فيها بعد عن الإثم وأمن من صاحب الصورة أنّ يصيبه بمكروه فإن جعل الصنم ذراعا ومع كرسيّه ذراعين أنال السلامة والخصب وإن زاد عليهما كان محمودا بعد أن يعلم أنّ الإفراط في تعظيم الصنم وخاصّة صنم الشمس مضرّ بالوالي وتصغيره مضرّ بصانعه وتضمير بطنه يوالي الجوع في الناحية وإضناؤه يفسد الأموال. فإن زلّت يد الصانع حتى أثّر فيه بضربة وقع له أيضا في جسده ضربة يقتل بها وإن قصرّ في التسوية حتى ارتفع أحد منكبيه على الأخرى هلكت امرأته، وإن قلب عينه إلى فوق عمي في حياته أو إلى أسفل كثرت وساوسه وهمومه؛ ومتى كان الصنم المصوّر من أحد الجواهر كان خيرا من الخشب والخشب خير من الطين فإنّ عوائد الجوهر تشمل رجال المملكة ونساءها، والذهب يخصّ صاحبه بالقوة والفضّة بالمديح والنحاس بالزيادة في الولاية والحجر بامتلاك الأرضين، والصنم يشرّف بصاحبه لا بجوهره
فقد ذكرنا أنّ صنم «مولتان» كان خشبيّا وكذلك «لنك» الذي نصبه «رام» عند الفراغ من قتال الشياطين هو من رمل نضده بيده فتحّجرت استعجالا من أجل أنّ اختيار الوقت لنصبه كان سبق فراغ الفعلة من نحت الحجري الذي كان أمر به؛ فأمّا بناء بيته والرواق حوله وقطع الشجر من أجناس لها أربع واختيار الوقت لنصبه وإقامة الرسوم له فأمر يطول ويبرم، ثمّ أمر باقامة حدم وسدنة له من فرق شتّى، أمّا لصورة «بشن» ففرقة «بهاكبت» ولصورة الشمس فرقة «مك» أي المجوس ولصورة «مهاديو» فرقة «ابرار» وهم زهّاد يطوّلون الشعور ويرمّدون الجلود، ويعلّقون عظام الموتى من أنفسهم ويسبحون في الغياض ولهشت ما ترين «البراهمة» ولبدّ «الشمنيّة» ولآرهنت» فرقة «تكن»، وبالجملة لكلّ صنم قوم صوّرته فإنّهم أهدى لخدمته، وكان الغرض في حكاية هذا الهذيان أن تعرف الصورة من صنمها إذا شوهد وليتحقّق ما قلنا من انّ هذه الأصنام منصوبة للعوامّ الذين سفلت مراتبهم وقصرت معارفهم فما عمل صنم قطّ باسم من علا المادّة فضلا عن الله تعالى وليعرف كيف يعبّد السّفل بالتمويهات ولذلك قيل في كتاب «كيتا»: إن كثيرا من الناس يتقرّبون في مباغيهم إليّ بغيري ويتوسّلون بالصدقات والتسبيح والصلاة لسواي فاقوّيهم عليها واوفّقهم لها وأوصلهم إلى إرادتهم لاستغنائي عنهم، وقال فيه أيضا «باسديو» لأرجن: ألا ترى أنّ أكثر الطامعين يتصدّون في القرابين والخدمة أجناس الروحانيّين والشمس والقمر وسائر النيّرين فإذا لم يخيّب الله آمالهم لاستغنائه عنهم وزاد على سؤالهم وآتاهم ذلك من الوجه الذي قصدوه أقبلوا على عبادة مقصوديهم لقصور معرفتهم عنه وهو المتمّم لأمورهم على هذا الوجه من التوسيط ولا دوام لما نيل بالطمع
والوسائط إذ هو بحسب الاستحقاق وإنّما الدوام لما نيل بالله وحده عند التبرّم بالشيخوخة والموت والولاد، فهذا ما في كلام باسديو؛ وهؤلاء الجهّال إذا وجدوا نجاحا بالاتفاق أو العزيمة وانضاف إلى ذلك شيء من مخاريق السدنة بالمواطأة قويت غياياتهم لا بصائرهم وتهافتوا على تلك الصور يفسدون عندها صورهم باراقة دمائهم والمثلة بأنفسهم بين أيديها. وقد كانت اليونانية في القديم يوسّطون الأصنام بينهم وبين العلّة الأولى ويعبدونها بأسماء الكواكب والجواهر العالية إذ لم يصفوا العلّة الأولى بشيء من الإيجاب بل بسلب الأضداد تعظيما لها وتنزيها فكيف ان يقصدوها للعبادة! ولمّا نقلت العرب من الشام أصناما إلى أرضهم عبدوها كذلك ليقرّبوهم إلى الله زلفى؛ وهذا أفلاطون يقول في المقالة الرابعة من كتاب «النواميس»: واجب على من اعطى الكرامات التامة ان ينصب بسرّ الآلهة والسكينات ولا يرئّس أصناما خاصّة للآلهة الأبوية، ثم الكرامات التي للآباء إذا كانوا أحياء فإنّه اعظم الواجبات على قدر الطاقة، ويعني بالسرّ الذكر على المعنى الخاصّ وهو لفظ يكثر استعماله فيما بين «الصابئة الحرنانيّة» و «الثنويّة المنانيّة» ومتكلّمي الهند، وقال جالينوس في كتاب «أخلاق النفس»: إنّ في زمان «قومودس» من القياصرة وهو قريب من خمس مائة ونيّف للاسكندراتى رجلان إلى بائع الأصنام فساوماه صنم «هرمس» واحدهما يريد نصبه في هيكل ليكون تذكرة لهرمس والآخر يريد نصبه على قبر ليذكر به الميّت ولم يتّفق إحدى التجارتين فأخّرا أمره الى الغد وأرى بائع الأصنام تلك الليلة في منامه كأنه الصنم يكلّمه ويقول له: أيّها المرء الفاضل! أنا صنيعتك قد استفدت بعمل يديك صورة تنسب الى كوكب فزالت عني سمة الحجريّة التي كنت أسمّي بها فيما سلف وعرفت بعطارد فالأمر إليك الآن في تصييري تذكرة لشيء لا يفسد أو لشيء قد فسد؛ وتوجد رسالة لأرسطو طالس في الجواب عن مسائل للبراهمة انفذها إليه الاسكندر
وفيها: أمّا قولكم إنّ من اليونانية من ذكر أنّ الأصنام تنطق وأنّهم يقرّبون لها القرابين ويدّعون فيها الروحانية فلا علم لنا بشيء منه ولا يجوز أن نقضي على ما لا علم لنا به، فإنّه ترفّع منه عن رتبة الأغبياء والعوامّ وإظهار من نفسه أنّه لا يشتغل بذلك؛ فقد علم أنّ السبب الأول في هذه الآفة هو التذكير؟ والتسلية ثمّ ازدادت إلى ان بلغت الرتبة الفاسدة المفسدة، وإلى السبب الأول ذهب معاوية في أصنام «سقلية» لمّا فتحت في سنة ثلاث وخمسين في الصائفة وخمل منها أصنام الذهب مكلّلة مرصّعة بالجواهر فبعث بها إلى «السند» لتباع هناك من ملوكهم فإنّه رأى بيعها قائمة أثمن الدينار دينارا وأعرض عن الآفة الأخيرة في حكم الإيالة لا الديانة.
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع