تجاوز إلى المحتوى

من «تحقيق ما للهند من مقولة» لأبي الريحان البيروني (ت ٤٤٠هـ)

يب- في ذكر بيذ والپرانات وكتبهم الملّيّة

«بيذ» تفسيره العلم لما ليس بمعلوم، وهو كلام نسبوه إلى الله تعالى من فم «براهم» ويتلوه «البراهمة» تلاوة من غير أن يفهموا تفسيره ويتعلّمونه كذلك فيما بينهم يأخذه بعضهم من بعض ثمّ لا يتعلّم تفسيره إلّا قليل منهم وأقلّ من ذلك من يتصرّف في معانيه وتأويلاته على وجه النظر والجدل؛ ويعلّمونه «كشتر» فيتعلّمه من غير أن يطلق له تعليمه ولو لبرهمن، ثم لا يحلّ لبيش ولا لشودر أن يسمعاه فضلا عن أن يتلفّظا به ويقرآه وإن صحّ ذلك على أحدهما دفعته البراهمة إلى الوالي فعاقبه بقطع اللسان؛ ويتضمّن بيذ الأوامر والنواهي والترغيب والترهيب بالتحديد والتعيين والثواب والعقاب، ومعظمه على التسابيح وقرابين النار بأنواعها التي لا تكاد تحصى كثرة وعسرة؛ ولا يجوّزون كتبته لأنّه مقروء بألحان فيتحرّجون عن عجز القلم وإيقاعه زيادة أو نقصانا في المكتوب ولهذا فاتهم مرارا فإنّهم يزعمون أنّ في مخاطبات الله تعالى مع براهم في المبدإ على ما حكاه «شونك» ناقله كوكب الزهرة عنه: إنّك ستنسى «بيذ» في الوقت الذي يغرق فيه الأرض فيذهب إلى أسفلها ولا يتمكّن من إخراجه غير السمكة فأرسلها حتى يسلّمه إليك وأرسل الخنزير حتى يرفع الأرض بأنيابه ويخرجها من الماء؛ ويزعمون أيضا أنّ

بيذ كان اندرس في جملة ما اندرس من رسوم دينهم ودنياهم في «دواپر» الأدنى وهو زمان نذكره في بابه حتى جدّدها «بياس بن پراشر» وفي «بشن پران»: إنّه يتجدّد في أوّل كلّ زمان من أزمنة «منّنتر» صاحب نوبة يملك أولاده كلّ الأرض ورئيس يرؤس العالم وملائكة يعمل لهم الناس قرابين النار و «بنات نعش» يجدّدون بيذ البائد في آخر كلّ نوبة، ولأجل ذلك انتدب بالقرب من زماننا «بسكر » الكشميريّ من أجلّاء البراهمة لتفسير بيذ وتحريره بالكتبة واحتمل من الوزر ما كان يتحرّج عنه غيره إشفاقا عليه أن ينسى فيضيع عن الخواطر وذلك لما رأى من فساد نيّات الناس وقلّة رغبتهم في الخير بل في الواجب؛ ثمّ يزعمون أنّ فيه مواضع لا تقرأ في العمارات خوفا من إسقاط حبالى الناس والبهائم فيصحرون لقراءتها ولا يخلو منسوق من أمثال هذه التهاويل؛ وقد كنّا قدّمنا من كتبهم أنّها مقدّرة بأوزان كالأراجيز وأكثرها بوزن يسمّى «شلوك» للسبب الذي قدمناه، وجالينوس يرتضي ذلك ويقول في كتاب «قاطاجانس»: إنّ الحروف المفردة لأوزان الأدوية تفسد بالنسخ وتفسد أيضا بتعميه الحاسد ولهذا استحقّ «ديمقراطيس» أن تختار كتبه في الأدوية ويشهر أمرها وتحمد لأنّها مكتوبة بشعر موزون في اليونانيّة لكان جميلا، وهذا لأنّ المنثور أقبل للفساد من المنظوم، وليس «بيذ» على ذلك النظم السائر بل هو بنظم غيره، فمنهم من يقول: إنّه معجز لا يقدر أحد منهم أن ينظم مثله، والمحصّلون منهم يزعمون أنّ ذلك في مقدورهم لكنّهم ممنوعون عنه احتراما له؛ وقالوا: إنّ «بياس» قطعه أربع قطع هي: «ركبيذ» و «جزّربيذ» و «سام بيذ» و «اثر بن بيذ» وكان له أربعة «شش» وهم التلامذة فعلّم كلّ واحد واحد أو حمّله إيّاه وهم على ترتيب القطع المذكورة: «پير» «بيشنپاين» «جيمن» «سمنت»، ولكلّ واحدة من القطع

الأربع في القراءة نهج، فأمّا الأولى فهي ركبيذ فهو مركّب من نظم يسمى «رج» قطاع غير متساوية المقادير وركبيذ سمّى بها كأنّه جملة رج وفيه قرابين النار، ويقرأ بثلاثة أصناف من القراءة أحدها بالاستواء كالرسم في جميع المقروءات والثاني بالوقوف عند كلمة كلمة والثالث وهو أفضلها الموعود عليه جزيل الثواب أن يقرأ منه قطعة صغيرة بكلمات معلومة ويعاد عليها ويضاف شيء من غير المقروء إليها ثمّ يعاد على هذا المضاف وحده فيقرأ ويضاف إليه آخر ولا يزال يفعل ذلك فيتكرّر المقروء عند انتهائه؛ وأمّا «جزّربيذ» فنظمه مركّب من «كانري»، واسمه مشتقّ منه أي جملة كانري، والفرق بينه وبين الأوّل أنّ هذا يمكن قراءته متّصلا ولا يمكن في الأوّل، وفيه ما في ذلك من أعمال النار والقرابين، وسمعت في سبب انفصال «ركبيذ» عن الاتّصال في القراءة أنّ «جاكملك» كان عند معلّمه وللمعلّم رفيق من البراهمة أراد سفرا وسأله أن يوجّه إلى داره بمن يقيم الشروط على «هوم» أعني ناره ويحفظها عن الخمود أيّام غيبته، فكان المعلّم يوجّه إليها تلاميذه بالنوبة وجاءت نوبة جاكملك وكان حسن المنظر نظيف اللباس فلمّا أخذ فيما أرسل له بمحضر من امرأة الغائب كرهت زينته وفطن جاكملك لما أسرّت فلمّا فرغ وأخذ الماء بيده ليرشّه على رأس المرأة فإنّ ذلك قائم مقام النفث بعد الدعاء فالنفث عندهم مكروه منجّس، قالت المرأة: رشّه على تلك الأسطوانة ففعل واخضرّت الأسطوانة من ساعتها فندمت المرأة على ما فرط منها وجاءت إلى المعلم في اليوم الثاني تسأله توجيه الموجّه بالأمس وأبى جاكملك أن يذهب إلا في نوبته ولم ينجع فيه الالحاح ولم يحفل بغضب المعلّم لكنّه قال له: فارتجع منّي ما علّمتنيه، ولما قال ذلك أنسي ما كان يعلم فقصد الشمس وسألها أن تعلّمه «بيذ»، قالت الشمس: كيف يمكن ذلك مع ما أنا فيه من دوام الحركة وعجزك عن مثلها! فتعلّق جاكملك بعجلة الشمس وأخذ في تعلّم بيذ منها واضطرّ إلى تقطيع القراءة لأجل الاضطراب في حركة العجلة؛ وأمّا «سام بيذ»

ففيه القرابين والأوامر والنواهي ويقرأ بلحن كالغناء وبذلك سمّي، فإنّ «سام» هو طيبة الحديث وسبب الحانه أنّ «ناراين» لما جاء بصورة «بامن» وأتى «بل» الملك جعل نفسه «برهمنا» وأخذ في قراءة سام بيذ بلحن شجيّ أطربه به حتى كان من أمره ما كان؛ وأمّا «أثربن» فهو متّصل ليس من النظمين الأوّلين ولكنّه من ثالث يسمّى «بهر» ويقرأ بلحن مع غنّة، ورغبة الناس فيه أقلّ، وفيه أيضا قرابين النار وأوامر في الموتى وما يجب أن يعمل بهم. وأمّا «الپرانات» وتفسير «پران» الأوّل القديم، فإنّها ثمانية عشر وأكثرها مسمّاة بأسماء حيوانات وأناس وملائكة بسبب اشتمالها على أخبارهم أو بسبب نسبة الكلام فيها أو الجواب عن المسائل إليها، وهي من عمل القوم المسمّين «رشين» والذي كان عندي منها مأخوذا من الأفواه بالسماع فهي: «آدبران» أي الأوّل و «مج پران» أي السمكة و «كورم پران» أي السلحفاة و «براه پران» أي الخنزير و «نارسك پران» أي الإنسيّ الذي رأسه رأس أسد و «بامن پران» أي الرجل المتقلّص الأعضاء بصغرها و «باج پران» أي الريح و «نندپران» وهو خادم لمهاديو و «اسكند پران» وهو ابن «مهاديو» و «آدت پران» و «سوم پران» وهما النّيران و «سانب پران» وهو ابن «بشن» وبرهماند پران» وهو السماوات و «ماركنديو پران» وهو «رش» كبير و «تاركش پران» وهو العنقاء و «بشن پران» وهو «ناراين» و «براهم پران» وهو الطبيعة الموكّلة بالعالم و «ببّش پران» وهو ذكر الكائنات في المستأنف؛ وما رأيت منها غير قطع من «مجّ» «وآدت» و «باج»؛ ثمّ قرئت عليّ من بشن پران على هيئة أخرى فأثبتّها أيضا كالواجب فيما مرجعه إلى الأخبار وهي: «براهم» «بذم» أي النيلوفر الأحمر «بشن» «شب» وهو «مهاديو» «بهكبت» أي «باسديو» «نارذ» وهو ابن «براهم» «ماركنديو» «آكن» وهو النار «بهبّش» وهو ما سيكون «برهم بيبرت»

أي الريح «لنك» وهو صورة عورة مهاديو «براه» «أسكند» «بامن» «كورّم» «متس» أي السمكة «كرد» طائر هو مركب «بشن» «برهماند»، فهذه أسامي «الپرانات» من «بشن پران»؛ وأمّا كتاب «سمرت» فهو مستخرج من «بيذ» في الأوامر والنواهي، عمله أبناء براهم العشرون وهم:

ولهم كتب في فقه ملّتهم وفي الكلام وفي الزهد والتألّه وطلب الخلاص من الدنيا مثل كتاب عمله «كور» الزاهد وعرف باسمه، ومثل «سانك» عمله «كپل» في الأمور الإلهيّة، ومثل «پاتنجل» في طلب الخلاص واتحاد النفس بمعقولها، ومثل «ناييهاش » لكپل في «بيذ» وتفسيره وأنّه مخلوق وتمييز الفرائض فيه من السنن، ومثل «ميمانس» عمله «جيمن » في هذا المعنى، ومثل «لوكايت» عمله «المشتري» في الأخذ بالحسّ وحده في المباحث، ومثل «آكست مت» عمله «سهيل» في العمل فيها بالحسّ والخبر معا، ومثل كتاب «بشن دهرم» وتفسير «دهرم» الأجر لكنّها عبارة عن الدين فكأنّ الكتاب دين الله منسوبا إلى «ناراين»؛ وكتب تلاميذ «بياس» وهي: «ديبل» «شكر» «بهاركو» «برهسبت» «جانج بلك» «من»؛ والكتب في جميع الفنون تكثر فمن يجامعها بأسمائها وخاصّة إذا كان غريبا عن أهلها؛ ولهم كتاب يبلغ من تفخيمهم شأنه

أنّهم يبتّون الحكم بأنّ ما يوجد في غيره فهو لا محالة موجود فيه وليس كلّ ما فيه بموجود في غيره واسمه «بهارث» عمله «بياس بن پراشر» في أيّام الحرب الكبير بين أولاد «پاندو» وبين أولاد «كورو» ويشار إلى تلك الأيّام بهذا الاسم أيضا، والكتاب مائة ألف «شلوك» في ثمان عشرة قطعة تسمّى كلّ واحدة «پرب» فالأولى «سبها پرب» أي مقرّ الملك والثانية «آرن» وهو الأصحار ببروز أولاد «پاندو» والثالثة «برات» وهو اسم ملك كانوا في مملكته وقت الاختفاء والرابعة «أودّوك» وهو الاستعداد للقتال والخامسة «بهيشم» والسادسة «درون» البرهمن والسابعة «كرن بن الشمس» والثامنة «شل» أخ «درجوثن» وهؤلاء من كبار الشجعان تولّوا القتال واحد بعد قتل الآخر، والتاسعة «كذ» وهو الجرز والعاشرة «سوپتك» وهو قتل النيام حين بيّت «أشتام بن درون» مدينة «پانچال» وقتل أهلها والحادية عشر «چلپردانك» وهو سقى الماء باسم الموتى غرفة غرفة وذلك بعد الاغتسال من نجاسة تناولهم ومباشرتهم والثانية عشر «ستري» وهو نياح النساء والثالثة عشر «شأنت» أربعة وعشرون ألف «شلوك» في سلّ السخائم عن القلوب وهو أربعة أقسام: «رازدهرم» في ثواب الملوك و «دان دهرم» في ثواب الصدقات و «آب دهرم» في ثواب المضطريّن والممتحنين و «موكش دهرم» في ثواب المتخلّص من الدنيا والرابعة عشر «اشميذ » وهو قربان الدابّة الموسّلة مع الجند تجول العالم وينادى عليها بأنّها لملك العالم ومن أبى ذلك فليبرز و «البراهمة» تتبعها لإقامة قرابين النار عند مراثها والخامسة عشر «موسل» وهو تقاتل «جادو» قبيلة «باسديو» والسادسة عشر «أشر من باس » أي ترك الوطن والسابعة عشر «پرستان» وهو ترك الملك لطلب النجاة والثامنة عشر «سفرك روهن» وهو القيام نحو الجنّة، ويتلو هذه الثمان عشرة قطعة واحدة أخرى تسمّى «هربنش پرب» فيها أخبار «باسديو»، وفي هذا الكتاب مواضع كالمعميات محتملة في اللغة

عدّة معان، زعموا أنّ سببها طلب «بياس» من «براهم» من يكتب له «بهارث» وهو يمليه فجعل ذلك إلى ابنه «بنايك» الذي يصوّر رأس صنمه برأس فيل فشارطه على أن لا يفتر عن الكتبة وشارطه بياس أن لا يكتب إلّا ما يعلم فكان يورد في خلال ذلك ما يضطر له الكاتب الى التفكّر فيه وبذلك كان يستريح المملي

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «تحقيق ما للهند من مقولة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.