من «تحقيق ما للهند من مقولة» لأبي الريحان البيروني (ت ٤٤٠هـ)
يط- في أسماء الكواكب والبروج ومنازل القمر وأمثال ذلك
قد قدّمنا في أوّل الكتاب أنّ لغة الهند تتّسع جدّا في الأسامي مقتضبة ومشتقّة حتى يسمّى مسمّى واحد فيها بأسماء كثيرة فقد سمعتهم يزعمون أنّ عدد أسماء الشمس عندهم ألف ولا محالة أنّ لكلّ كوكب منها مثل أو ما يقاربه من الكثرة إذ لا بدّ منها: وأسماء أيّام الأسبوع عندهم هي اسماء الكواكب السبعة بأشهر أسمائها ويسمّون الموقع من الاسبوع «بار» فيتبع اسم الكواكب على هيئة اتباع «شنبه» في الفارسيّة عدد اليوم من الأسبوع فيوم الأحد «آدت بار» أي للشمس ويوم الاثنين «سوم بار» أي للقمر ويوم الثلثاء «منكل بار» أي للمرّيخ ويوم الأربعاء «بدبار» أي لعطارد ويوم الخميس «برهسبت بار» أي للمشتري ويوم الجمعة «شكر بار» أي للزهرة ويوم السبت «شنيشجر بار» أي لزحل، ويعود الأمر إلى الشمس؛ والمنجّمون منّا يسمّونها أرباب الأيّام ومأخذ الأمر فيها بعدّ الساعات من عند ربّ اليوم على ترتيب أفلاك الكواكب بانحدار نحو السفل، مثاله: إنّ الشمس ربّة يوم الأحد وهي أيضا ربّة الساعة الأولى ثمّ تكون الثانية للكوكب الذي فلكه أسفل فلك الشمس وهو الزهرة والثالثة لعطارد والرابعة للقمر وقد فني
الانحدار في الأثير فيعود الأمر في الخامسة إلى زحل وعلى هذا تكون الخامسة والعشرون للقمر وتلك هي الأولى من يوم الاثنين فالقمر ربّها وربّ اليوم وليس بين هؤلاء وأولئك اختلاف إلّا في شيء واحد وهو أن منجّمينا يستعملون في ذلك الساعات المعوجّة فيكون الثالث عشر من ربّ اليوم ربّ الليل التالي للنهار وهو الثالث من ربّ النهار على عكس ذلك التعديد أعني بصعود نحو العلو، وأمّا الهند فيجعلون ربّ النهار ربّ اليوم كلّه فيتبع الليل النهار غير مخصوص بربّ على حدة وهذا هو طريق جمهورهم؛ وربّما يخيّل من مواضعاتهم أمر الساعات المعوجة فانهم يسمّون الساعة «هور» وبهذا الاسم يسمّون أيضا نصف البرج في عمل «النيمبهرات»، ورأيت في بعض زيجاتهم في استخراج ربّ الساعة أن يقسم ما بين الشمس وبين درجة الطالع بدرج السواء على خمسة عشر ويزاد على ما خرج من الصحاح واحد ويلغي الكسر إن كان فيه ثمّ يعدّ ذلك المبلغ من ربّ اليوم على توالي الأفلاك نحو السفل، وهذا إلى العمل بالساعات المعوجّة أقرب منه بالمستوية؛ وقد صار للهند في ترتيب الكواكب بالأيّام عادة يسرعون إليها في زيجاتهم وكتبهم ويعرضون عن سائر الترتيبات وإن كانت أقرب إلى الحقّ، وللكواكب عند اليونانيّين صور تثبت بها الحدود في الاسطرلابات للتخفيف وليست من أرقام الحروف وكذلك يفعل الهند في الاختصار لكنّ الصور غير مقتضبة ولكنّها الحرف الأوّل من اسم كل كوكب مثل الألف من «آدت» للشمس والجيم من «جندر» للقمر والباء من «بد» لعطارد، ونحن نضع في هذا الجدول صدرا من أسامي الكواكب السبعة:
وهذه الأسامي الكثيرة للشمس دعت أصحاب النحلة إلى تكثير جرمها حتى زعموا أنّ الشموس اثنتا عشرة تطلع منها في كلّ شهر واحدة، وقيل في كتاب «بشن دهرم»: إنّ «بشن» وهو «ناراين» الذي لا أوّل له في الزمان ولا آخر قسم نفسه من أجل الملائكة اثنى عشر قسما صارت أبناء «لكشّب» وهي الشموس الطالعة في كلّ شهر، فزعم من لا يرى سبب ذلك كثرة الأسامي أنّ سائر الكواكب كثيرة الأسامي وأجرامها واحدة، ومع ذلك فليست اسامي الشمس اثنى عشر فقط بل أكثر وهي مشتقّة من معان ومنها «آدت» وهو الابتداء لأنّها مبدأ الكلّ ومنها «سبت» وهو اسم يقع على كلّ من ولد له ولمّا كانت مواليد العالم منها سمّيت به ومنها «رب» لأنّها تنشف الرطوبات وذلك أنّ الماء الذي في النبات يسمّى «رس» ومن يأخذه يسمّى «رب»؛ ثمّ القمر قرينها وتلوها وأساميه أيضا كثيرة فمنها «سوم» لأنّه سعد والسعود تسمّى «سوم كره» والنحوس «باب كره» ومنها «نشيش» أي صاحب اليل و «نكشترنات» أي صاحب المنازل و «دجيشفر» اي صاحب البراهمة و «شيتانش» اي بارد الشعاع لأنّ كرته مائيّة وفيها الهناءة فإذا وقع عليه الشعاع برد كبرودته وانعكس فأضاء الظلمة وبرّد الليل وأطفأ ما أفسدته الشمس بالاحراق ولهذا ايضا سمّي «جندر» وهو عين «ناراين» اليسرى كما أنّ الشمس عينه اليمنى، وقد اودعت هذا الجدول شموس الشهور، وآفة الاختلاف فيها من مثل ما تقدم في تعديد الأرضين:
والذي هو محكيّ من كتاب «بشن دهرم» مظنون به أنه متحفّظ الترتيب من أجل انّ لباسديو في كلّ شهر اسما ومعظّموه يفتتحون الشهور من «منكهر» واسمه فيه «كيشو» وإذا عدّت اساميه اتّفق اسمه في شهر «جيتر بشن» كما هو في بشن دهرم، وقد قال أيضا في «كيتا»: أنا مثل «بسنت» أي الاعتدال في أسداس السنة، فقد شهد ذلك على صحة ما في اول الجدول: وأمّا اسماء الشهور فمشاركة لأسماء المنازل قد اختصّ كلّ شهر بعدّة منازل يكون اسمه مشتقّا من أحدها، وقد كتبنا ذلك في الجدول بالحمرة ليظهر الاشتراك، وأيضا فإنّ المشتري إذا شرق في أحد المنازل كان الشهر الذي ذلك المنزل في حوزته صاحب السنة ونسبت السنة كلّها إلى ذلك الشهر، وإن وجد في أسماء الشهور خلاف ما تقدّم فليعلم أنّ ذلك من جهة أنّ ما تقدم هو باللفظ العامّيّ وهذا بالفصيح:
وللبروج أسام تقتضيها الصور كما هي عند جميع الأمم؛ واسم البرج الثالث «متن» وهو اسم يقع على صبّي وصبيّة معا وذلك معنى التوأمين اللذين هما صورة البرج، وذكر «براهمهر» في كتاب المواليد الكبير: إنّه على صورة رجل قابض على بربط وعمود، وكأنّه ذهب الى صورة الجبّار كما ذهب جمهور العوامّ اليه حتى اشتهر البرج بالجوزاء التي ليست صورته؛ وذكر في صورة البرج السادس أنّها سفينة وبيدها سنبلة، وكأنه سقط من نسختنا شيء فليس للسفينة يد، واسم البرج عندهم «كن» وهو الجارية العذراء، وكأنّه قيل عذراء في سفينة بيدها سنبلة، وهو السماك الأعزل ويظنّ بالسفينة أنّها كواكب العوّاء الذي هو من منازل القمر فإنّه على سطر ينعرج طرفه، وقال في صورة البرج السابع: إنّها نار واسمه «تله» وهو القبّان؛ وقال في البرج العاشر: إنّ وجهه وجه عنز والباقي «مكر» ومتى قيل مكر استغنى عن وجه العنز وإنّما يحتاج اليه اليونانيّون لأنّهم ركّبوا الصورة من حيوانين ما فوق الصدر منها عنز وما تحته سمكة والحيوان البحريّ المسمى مكر هو كذلك على ما وصفوا مستغن عن التركيب، وقال في صورة البرج الحادي عشر: إنّها جرّة واسمه «كنب» موافق لما قال إلّا أنّ تعديدهم إيّاه أو بعضه في صور الناس دليل على أنّهم يذهبون فيه مذهب اليونانيّين من الرجل الساكب للماء؛ وذكر في البرج الأخير أنّه على صورة سمكتين وإن كان اسمه يقتضي سمكة واحدة في جميع اللغات؛ وذكر للبروج أسامي بلغتهم غير معهودة وضعناها في هذا الجدول.
ومن عادتهم إذا أثبتوا البروج بالأعداد لم يبتدءوا بالصفر للحمل والواحد للثور ولكنّهم يبتدءون بالواحد للحمل والاثنين للثور حتى تكون الاثنان عشر للحوت.
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع