تجاوز إلى المحتوى

من «تحقيق ما للهند من مقولة» لأبي الريحان البيروني (ت ٤٤٠هـ)

ك- في ذكر برهماند

تفسير «برهماند» هو بيضة «براهم» وتقع بالحقيقة على كلّ الأثير من جهة استدارته وشكل حركته بل على كلّ العالم من جهة انقسامه إلى الأعلى والأسفل، وهم إذا عدّوا السماوات قالوا: إنّ جملتها «برهماند» وهؤلاء ممّن عدموا الرياضة بعلم الهيئة ولم يتصوّروها حقّ التصوّر فلا يرون للسماوات غير السكون وخاصة لأنهم يجعلونها قرار الطوائف يظنّون بها النقل والاعتماد نحو السفل إذا وصفوا نعيم الجنّة بشبه المشاهد في الدنيا على الأرض، وفي مرموزاتهم الخبريّة: إنّ الماء كان قبل كلّ شيء وموضع العالم ممتلئ به، ولا محالة أنّ ذلك في أوّل نهار النفس وابتداء التصوّر والتركيب، قالوا: وإن الماء أزبد بالتموّج فبرز منه شيء أبيض خلق البارئ منه بيضة «براهم» فمنهم من يقول: إنّها انفلقت وخرج منها براهم وصار السماء من أحد نصفيها والأرض من الآخر والأمطار من كسيرات ما بينهما، ولو قالوا الجبال لكانت أليق بها من الأمطار وأشبه، ومنهم من يقول إنّ الله تعالى قال لبراهم: إنّي خالق بيضة أجعلها لسكناك فيه، وخلقها من زبد الماء المذكور فلمّا نضب وغاض كسر البيضة حينئذ بنصفين؛ وإلى قريب منه ذهب اليونانيون في «اسقليبيوس» المستنبط لصناعة الطبّ فانّهم على ما ذكر «جالينوس» إذا صوّروه

وضعوا في يده بيضة لتكون إشارة إلى كريّة العالم ومثال الكلّ وأنّ العالم كلّه محتاج إلى الطبّ، وليس اسقليبيوس بأدنى مرتبة من براهم فإنّهم ذكروا فيه: إنّه قوّة إلهيّة اشتقّ لها هذا الأسم من فعلها، وهو منع اليبس لأن الموت عارض عند غلبة اليبس والبرد، وإن كانوا في النسبة الطبيعيّة يقولون فيه: إنّه ابن «افوللن» وإنّه ابن «فلاغوراوس» وإنّه ابن «قرونس» وهو كوكب زحل، كلّ ذلك لقوّة التثليث؛ فأمّا تقدّم الماء عند الهند في الخليفة فمن أجل أنّ به تماسك كلّ متهّب ونموّ كل نام وقوام الحياة في كلّ ذي روح فهو للصانع آلة وأداة إذا قصد الصنعة من مادّة وبمثله نطق التنزيل في قول الله ﷾: «وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ»

سواء حمل من ظاهر اللفظ على جسم معيّن مسمّى بهذا الاسم مأمور بتعظيمه أو حمل على تأويل بالملك وما أشبهه فالمعنى أنّه لم يكن وقتئذ بعد الله غير الماء وعرشه، ولولا ان كتابنا مقصور على مقالات فرقة واحدة لأوردنا من مقالات الفرق الذين كانوا ببابل وحولها في القديم ما يشبه حديث هذه البيضة ويزيد سخافة عليه؛ وأمّا إشارة الهند إلى تنصيف البيضة فهي من جهة أنّ صاحب هذا الكلام عامّيّ لم يعرف إحاطة السماء بالأرض كاحاطة قشر «برهماند» بمخّها لكنّه تصوّر الأرض سفلا والسماء علوا من إحدى جهاتها فقط ولو تحقّق الأمر لم يحتج إلى فلق البيضة إلّا أنّه رام أن يبسط نصفها أرضا وينصب النصف الآخر عليها قبّة ففاضل «بطلميوس» في تسطيح الكرة ولكنّه لم يفضله، وما زالت المرموزات كذلك يتناولها في التأويل كلّ آخذ بما يوافق عقيدته، قال «أفلاطن» في كتاب «طيماوس» ممّا يشابه أمر برهماند: إن

البارئ قطع خيطا مستقيما بنصفين وأدار من كلّ واحد منهما دائرة تلاقيا على نقطتين وقسم إحداهما بسبعة أقسام، فأشار الى الحركتين وإلى اكر الكواكب على وجه الرمز كعادته؛ وقال «برهمكوبت» في المقالة الأولى من «براهم سدّهاند» حين عدّد السماوات وجعل القمر في اولاها وصعد بالكواكب الى السابعة فجعل زحل فيها:

إنّ الكواكب الثابتة في الثامنة وإنّها جعلت مدوّرة لتدوم فيثاب فيها المحسن ويكافي المسيء إذ ليس وراءها شيء، فأشار في هذا الفصل إلى أنّ السماوات هي الأفلاك وفي ترتيبها إلى مخالفة ما في كتبهم الملّية الخبريّة على ما سنحكيه في موضعه وفي التدوير إلى بطء التأثّر وإلى ما عليه «ارسطوطالس» في المدوّر وفي الحركة المستديرة وإلى أنّ ليس وراء الأفلاك جرم موجود، وإذا كان كذلك لم يخف أنّ «برهماند» هو مجموع الأفلاك اعني الأثير بل الكلّ لأنّ المكافاة عندهم تكون في حشوه أيضا؛ وقال «بلس» في «سدّهانده»: إنّ كلّيّة العالم هي جملة الأرض والماء والنار والريح والسماء خلقت فيما وراء الظلمة ورئيت السماء لازورديّة اللون لقصور شعاع الشمس عنها حتى تستضيء به استضاءة الأكر المائية غير النيّرة أعني بها أجرام الكواكب والقمر التي إذا وقع شعاع الشمس عليها ولم ينته ظلّ الأرض إليها ذهب سوادها وظهر بالليل أشخاصها فالمضيء واحد وسائرها مستضيئة منه، أشار في هذا الفصل إلى النهاية المدركة وسمّاها سماء وجعلها في ظلمة بما ذكر من كونها في الموضع الذي لا يبلغه الشعاع والبحث عن اللون الأكهب المرئيّ يطول جدّا؛ وقال برهمكوبت في المقالة المذكورة: اضرب أدوار القمر وهي في «جوزنات» فلكه وهي فتجتمع وتلك جوزنات فلك البروج، فأمّا مقدار جوزن من المسافة فهو مذكور في بابه، وأمّا ما

ذكر فقد اخذناه تقليدا إذ لم يذكر شيئا يوجبه، فأمّا «بسشت»، فانّه قال: إنّ «برهماند» محيط بالأفلاك وهذه الأعداد مقداره من أجل ان فلك البروج متّصل به، وأمّا، بلبهدر» المفسّر فإنّه قال: لسنا نجعل هذه الأعداد مقدار السماء فإنّا لا نقدر على تحديد عظمها ولكنّا نجعلها لمنتهى البصر فلا محسوس أرفع منه مع تفاضل سائر الأفلاك في العظم والصغر، وقال اصحاب «آرجبهد» يكفينا معرفة الموضع الذي يبلغه الشعاع ولا نحتاج إلى ما لا يبلغه وأن عظم في ذاته فما لا يبلغه الشعاع لا يدركه الإحساس وما لا يحسّ به فليس بمعلوم؛ والذي يحصل من كلام هؤلاء أمّا من قول بسشت فهو أنّ برهماند كرة محيطة بالفلك الثامن الموسوم بالبروج وفيه الكواكب الثابتة وهما متماسّان وإلى الفلك الثامن كنّا نضطرّ فأمّا فيما فوقه فليس شيء يضطرّ إلى إيجاب فلك تاسع والناس مختلفون فيه فمنهم من يوجبه لأجل الحركة الغربيّة متحرّكا بها قاهرا لما يحويه عليها ومنهم من يوجبه لأجلها وهو ساكن، أمّا الفرقة الأولى فغرضهم معلوم ولكنّ «أرسطوطالس» قد بيّن أنّ كلّ متحرّك فإنّما يتحرك من محرّك ليس فيه، ولابدّ لذلك الفلك التاسع من محرّك خارج فما المانع عن تحريكه الأفلاك الثمانية من غير توسيط التاسع، وأمّا الفرقة الثانية فكأنهم سمعوا ما حكيناه وأنّ المحرّك الأوّل غير متحرّك فجعلوا فلكهم التاسع ساكنا والحركة الغربيّة صادرة عنه، لكنّ ارسطوطالس قد بينّ ايضا أنّه ليس بجسم فصفته بالكريّة والفلكية والإحاطة والسكون توجب جسميّته فقد تأدّى الفلك التاسع إلى المحال، وفي هذا المعنى يقول «بطلميوس» في صدر كتاب «المجسطي»: فالعلّة الأولى لحركة الكلّ الأولى إذا توهّمنا الحركة مفردة رأينا أنّها إله لا مرئيّ ولا متحرك وسمّينا صنف البحث عنه إلهيّا وهذا الفعل نعقله في اعلى علو العالم فقط مباينا البتّة للجواهر المحسوسة فهذا ما يقوله بطلميوس في المحرّك الأوّل من غير أن يشير إلى الفلك الذي حكاه عنه يحيى النحويّ في ردّه «بروقلس» وذكر أنّ «افلاطون» لم يكن يعرف الفلك التاسع الذي ليس فيه كوكب وهو الذي فهمه بطلميوس زعم؛ فأمّا أقاويل القابلين فيما وراء النهاية المتحرّكة من جسم ساكن او خلاء غير متناهيين او نفي الخلاء والملا عنه معا

فغير متّصلة بما نحن فيه؛ وأمّا «بلبهدر» فإنّه يراح منه رائحة من يرى أنّ السماء او السماوات جسم مستحصف مقاوم للاثقال حاملها أنّه فوق الأفلاك، ويسهل عليه إيثار الخبر على العيان كما يصعب علينا تقديم الشبه على البرهان، والحقّ مع اصحاب «آرجبهد» وكأنّهم اصحاب الاجتهاد حقّا فقد استبان أنّ «برهماند» هو الأثير بما في حشوه من المطبوعات.

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «تحقيق ما للهند من مقولة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.