من «تحقيق ما للهند من مقولة» لأبي الريحان البيروني (ت ٤٤٠هـ)
كا- في صورة الأرض والسماء على الوجوه الملّيّة التي ترجع إلى الأخبار والروايات السمعيّة
إن القوم الذين وقعت الإشارة إليهم في ترجمة الباب قد ذهبوا في الأرضين إلى أنّها سبع طباق واحدة فوق الأخرى وفي تقسيم علياها إلى التسبيع، لا على ما يذهب إليه المنجّمون عندنا من الأقاليم أو الفرس من «الكشورات» ونريد بعد أن نورد تصريح أقاويلهم المستخرج من جهة أرباب شرائعهم أن ينتصب للإنصاف فإن لاح لنا فيه شيء أو اتّفاق مع غيرهم وإن لم يصيبوا فيه معا قرّرناه لا على وجه الذبّ عنهم بل قصدا لإذكاء الطباع لمطالعها؛ ولم يختلفوا في عدد الأرضين ولا في عدد أقسام العليا وإنّما اختلفوا في أساميها وفي ترتيب الأسامي فربّما أحمل ذلك الاختلاف على سعة اللغة فإنّهم يسمّون الشيء الواحد بأسماء كثيرة جدّا والمثال بالشمس فإنّهم سمّوها بألف اسم على ما ذكروا كتسمية العرب الأسد بقريب من ذلك بعضها مقتضبة اقتضابا وبعضها مشتقّة من الأحوال المتغايرة فيه أو الأفعال الصادرة، وهم ومن شابههم يتبجحون بذلك وهو من أعظم معايب اللغة فموضوعها إيقاع اسم على كلّ واحد من الموجودات وآثارها بمواطأة بين نفر يعرف بها بعضهم عن بعض غرضه عند إظهار ذلك الاسم بالنطق، فإذا كان الاسم الواحد بعينه واقعا على عدّة مسمّيات دلّ على ضيق اللغة وأحوج السامع إلى سؤال
القائل عمّا يعنيه بلفظه فسقط ذلك الاسم إمّا بآخر مثله يغني وإمّا بتفسير معرّف للمعنى، وإذا كان للشيء الواحد أسماء كثيرة ولم يكن سبب ذلك استبداد كلّ قبيلة أو كلّ طبقة بواحد منها وكان في الواحد منها كفاية اتّصفت الباقية بالهمر والهذيان والهذر وصارت سبب التعمية والإخفاء أو تحمل المشاقّ لحفظ الجملة بلا فائدة غير ضياع العمر، وربّما وقع في خلدي من جهة أرباب الكتب والأخبار أنّهم أعرضوا عن الترتيب واقتصروا على ذكر الأسامي أو أنّ النسّاخ تجازفوا فإنّ المعبّرين لي بالترجمة كانوا ذوي قوّة على اللغة وغير معروفين بالخيانة بلا فائدة، وسأضع في الجدول ما حصل لي من أسامي الأرضين، والاعتماد منها على المنقول من «آدت پران» فإنّه وضع لها قانونا وجعل كلّ واحدة من الأرضين والسماوات على عضو عضو من أعضاء الشمس فكانت السماوات من الهامة إلى البطن والأرضون من السرّة إلى القدم، فظهر بذلك الترتيب وزال الاشتباه:
ويتلو الأرضين السماوات السبع الطباق وتسمّى «لوكات» ولوك هو المجمع والمحفل وقد كان اليونانيّون على مثله في تصيير السماوات مواضع للمجامع؛ قال يحيى النحويّ في ردّه على «برقلس»: إنّ قوما من المتكلّمين رأوا في الفلك المسمّى «غلقسياس» أي اللبن وهو المجرّة أنّه منزل ومستقرّ للأنفس الناطقة، ويقول «أوميرس» الشاعر: إنّك جعلت السماء الطاهرة مسكن الأبد للآلهة لا تزعزعه الرياح ولا تبلّه الأمطار ولا تتلفه الثلوج بل فيه الصّحو البهيّ بلا سحاب يغشاه، وقال «أفلاطون»: قال الله للسبعة الكواكب السيّارة أنتنّ آلهة الآلهة وأنا أبو الأعمال صانعكم صنعا لا انتقاض فيه فإنّ كلّ مربوط وإن كان محلولا فإنّ الفساد غير لاحق بما جاد نظامه، وقال «أرسطوطالس» في رسالة له إلى الاسكندر»: إنّ العالم هو نظام الخلق كله وأمّا ما علاه وأحاط به من أقطاره فهو محل الآلهة والسماء مليئ من أجسادهم التي نسمّيها للعبارة كواكب، ويقول في موضع آخر منها: الأرض محصورة بالماء والماء بالهواء والهواء بالنار والنار بالأثير ولهذا صارت البلدة العليا محلّ الآلهة وقدّرت السفلى محلّ الدوابّ المائيّة، وفي «باج پران» ما يشبهه وهو: أنّ الأرض يمسكها الماء والماء يمسكه النار المحض والنار يمسكها الريح والريح يمسكها السماء والسماء يمسكها ربّها، ولم يخالف إلّا في الترتيب، ولم يقع في أسامي «اللوكات» من الخلاف مثل ما كان وقع في الأرضين ونحن نضع أيضا أسماءها في جدول كالأوّل:
وهذه كلّها متّفقة إلّا ما وقع لمفسّر كتاب «پاتنجل» فإنّه كان سمع أنّ «يترين» وهم الآباء مجمعهم في فلك القمر وهو كلام مبنيّ على أقاويل المنجّمين فصيّر مجمعهم أوّل السماوات وكان يجب أن يجعله مكان «بهور لوك» ولم يفعل لكنّه
أسقط «سفرلوك» بتلك الزيادة وهو موضع الثواب، ثمّ عمل شيئا آخر وهو أنّ «ستّ لوك» السابعة سمّيت في «الپرانات» «برهم لوك» فجعلها فوقها وجعل الواحد المسمّى باسمين آنس وكان الواجب عليه أن يترك برهم لوك جانبا ويقيم «پترلوك» مقام الأولى ولا يسقط «سفر لوك»؛ فهذا ما في الأرضين السبع والسماوات السبع. فلنذكر أيضا أقسام وجه الأرض العليا ثمّ ما يجب بعد ذلك أن نتليها ونقول: إنّ «ديب » بلغتهم اسم الجزيرة و «سنكلديب » هو الذي نسمّيه «سرنديب» لأنّه جزيرة والديبجات كذلك لأنّها جزائر كثيرة تهرم بعضها وتتحلّل وتنبسط فيعلوها الماء وتغيب وتظهر أخرى حديثة كقطعة رمل لا تزال تزداد
وتعلو وتتّسع فينتقل سكّان الأولى إليها ويعمرونها: والذي عليه الهند من جهه الأخبار الملّيّة فهو أنّ الأرض التي نحن عليها مستديرة يحيط بها بحر وعلى البحر أرض كالطوق وعلى تلك الأرض بحر مستدير أيضا كالطوق وعلى هذا النظام إلى أن يستتمّ كلّ واحد من عدد الأطواق اليابسة المسمّاة جزائر وعدد البحار سبعة على شريطة هي أن يكون كلّ واحد من أحد الجنسين ضعف الذي في ضمنه من جنسه أعني الذي يليه فيحيط به فيتوالى مقادير كلّ واحد منهما على توالي أعداد زوج الزوج فإذا كانت الأرض الوسطى واحدا كانت جملة الأرضين السبع المتطوّقة وإذا كان البحر المحيط بالأرض الوسطى واحدا كانت جملة البحار السبعة المتطوّقة أيضا وكانت جملة البحار والأرضين معا، لكنّ مفسّر كتاب «پاتنجل» فرض للأرض الوسطى مائة ألف «جوژن» فيكون ما لجملة الأرضين وفرض للبحر المحيط بالأرض الوسطى مائتي ألف وللذي بعده أربع مائة ألف فيجتمع للبحار وجملة ذلك ولم يذكر الجملة حتى نقابلها بهذه إلّا أنّه ذكر في باج پران»: أنّ قطر جملة الديبات ولجزائر وهو غير موافق للأوّل بل لا وجه له إلّا أن تكون البحار ستّة وفي التضاعيف من الأربعة مبتدئة، فأمّا عدّة البحار فيمكن أن تحمل على أنّه ترك ذكر السابع لأنّه قصد اليبس ومتى ذكره احتاج إلى ذكر ما يحيط به وأمّا الابتداء بالأربعة في التضاعيف فلا أرى له في القانون الموضوع وجها، ولكلّ واحد من الديبات والبحار اسم نضع ما معنا منه في جدول ليقبل عذرنا:
وليس للعقل في هذا مدخل ولا أعرف للاختلاف سببا سوى التجازف في التعديد كيف اتّفق، وأولى هذه الأقاويل ما في «مجّ پران» من أجل أنّه عدّد الجزائر والبحار واحدا بعد آخر على موجب الترتيب من إحاطة بحر كذا بجزيرة كذا ثمّ إحاطة جزيرة كذا ببحر كذا من الواسطة إلى الحاشية؛ ولنحك الآن ما يشابه ذلك ويطابقه وإن اتّصل بمواضع أولى به وهو أنّ مفسّر كتاب «پاتنجل» لمّا أراد تحديد العالم ابتدأ من أسفله وقال: إنّ مقدار الظلمة «كورتي» واحد وخمسة وثمانون «لكش جوزن» وذلك وفوقها «نرك» وهو جهنّمات ثلاثة عشر كورتي واثنا عشر «لكش» وذلك ثمّ ظلمة لكش واحد وذلك، وفوقها أرض «بزر» لصلابتها وهو الألماس أو الصاعقة المنسبكة، ثمّ «كرب» وهو الواسطة، وفوقها الأرض الذهبيّة، وفوقها الأرضون السبع، كلّ واحدة عشرة آلاف فذلك علياها ذات الديبات والبحار، ووراء بحر الماء العذب «لوكالوك» وتفسيره لا مجمع أي التي لا عمارة فيها ولا أنيس، وبعده أرض الذهب كورتي واحد وذلك، وفوقها «پترلوك» وجملة اللوكات السبع التي تسمّى جملتها «برهماند» خمسة عشر كورتي وذلك، وفوق ذلك ظلمة «تم» مثل السفلى، وقد كنّا نستثقل ذكر السبعة البحار مع الأرضين حتى خفّف عنّا هذا الرجل بزيادة أراض تحتها؛ وأمّا في «بشن پران» عند مثل هذا الفنّ فإنّه زعم: انّ تحت الأرض السابعة السفلى حيّة تسمّى «شيشاك» معظّمة عند الروحانيّين وتسمّى أيضا «أننت» ذات ألف رأس تحمل
الأرضين من غير أن يؤودها ثقلها، وأنّ هذه الأرضين المطبق بعضها على بعض ذوات خيرات ونعمة مزيّنة بالجواهر مشرقة بشعاعها دون النيّرين فإنّهما لا يطلعان فيها ولذلك يعتدل أهويتها ويدوم الرياحين ونور الأشجار والثمار بها، ويخفي الأزمنة على أهلها إذ لا يحسّون بحركات بعدّها ومقدارها سبعون ألف «جوزن» كلّ واحدة عشرة آلاف، وأنّ «نارذ» الرش وردها للنظارة ومشاهدة من يسكنها من جنسي «ديت» و «دانو» فاستنزر نعيم الجنّة بجنب نعيمها وعاد إلى الملائكة يقصّ ذلك عليهم ويعجّبهم من صفتها؛ قال: وإنّ وراء البحر العذب أرض الذهب ضعف جميع الديبات والبحار غير عامرة بإنس أو جنّ، ووراءها «لوكالوك» وهو جبل ارتفاعه عشرة آلاف جوزن في مثل ذلك من العرض وجملة ذلك أعني خمسين «كورتي»، وهذه الجملة كلّها تسمّى بلغتهم مرة «دهاتر» أي ماسك جميع الأشياء ومرة «بدهاتر» أي مخلّيها وتسمّى أيضا مستقرّ كلّ حيّ، وما أشبه هذا بما عليه المختلفون في الخلاء وتصيير مثبتيه إيّاه علّة جذب الأجسام إليه وتصيير نفاته عدمه؛ ثمّ عاد إلى اللوكات فقال: إنّ كلّ ما أمكن أن تطأه رجل أو تجري فيه سفينة فهو «بهرلوك»، فكأنّه أشار بذلك إلى وجه الأرض العليا. قال وما بين الأرض والشمس من الهواء الذي يتردّد فيه «سد» و «من» و «كندهرب» أصحاب الجنة فهو «بهربرلوك» ويسمّى مجموع الثلاثة «الثلاثة پرتوي» وما فوقها «بياس مندل» أي ولاية بياس، ومن الأرض إلى موضع الشمس مائة ألف «جوزن» ومن موضع الشمس إلى موضع القمر مثل ذلك ومن القمر إلى عطارد لكشان أي مائتا ألف ومنه إلى الزهرة كذلك ومنها إلى المرّيخ ثمّ المشتري ثمّ زحل أبعاد متساوية كلّ واحد مائتا ألف ومن زحل إلي بنات نعش مائة ألف ومن بنات نعش إلى القطب ألف جوزن وفوق ذلك «مهرلوك» عشرون
ألف ألف وفوقه «جن لوك » ثمانون ألف ألف ثمّ «بترلوك» أربع مائة وثمانون ألف ألف وفوقه «ست لوك»، وهذه الجملة أكثر من ثلاثة أضعاف التي حكيناها عن مفسّر كتاب «پاتنجل»، وهذه عادة النسّاخ في كلّ لغة وما أبرّئ منها أصحاب الپرانات فإنّهم ليسوا من أصحاب التحصيل.
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع