من «تحقيق ما للهند من مقولة» لأبي الريحان البيروني (ت ٤٤٠هـ)
كب- في ذكر القطب وأخباره
القطب بلغتهم «دربّ » والمحور «شلاك» وقلّما تسمع من غير منجّميهم إلّا قطبا واحدا لما تقدّم من ذكر اعتقادهم في قبّة السماء، وفي «باج پران»: إنّ السماء تستدير على القطب كدوّارة الخزّاف والقطب يدور على نفسه ولا يتحرّك من مكانه ويستوفي الدوران في ثلاثين مهورتا أي في يوم بليلته، ولم أسمع منهم في القطب الجنوبيّ إلّا أنّ ملكا كان لهم يسمّى «سومدتّ» قد استحقّ الجنّة بحسن أعماله ولم يطب قلبه بنزع بدنه عن نفسه عند انتقاله فقصد «بسشت» الرش وأعلمه أنّه يحبّ بدنه ولا يريد مفارقته فآيسه عن حمل البدن الأرضيّ من الدنيا إلى الجنّة، وعرض أيضا حاجته على أولاد بسشت فجبهوه ببزقهم وسخروا به وصيّروه جندالا مشنّف الأذنين بقرطق جديد، فجاء إلى «بشفامتر» الرش على تلك الحالة فاستفظعها وسأله عنها فأخبره بها وقصّ عليه القصّة بأجمعها، فغضب امتعاضا له وأحضر البراهمة لعمل قربان كبير وأولاد بسشت فيهم وقال لهم: إنّي أريد أن أعمل عالما آخر وجنّة أخرى بسبب هذا الملك الصالح يبلغ فيها مشتهاه، وابتدأ بعمل القطب وبنات نعش التي في
الجنوب، وخافه «اندر» الرئيس والروحانيّون فجاؤوا إليه متضرّعين يسألونه إهمال ما ابتدأ فيه على أن يحملوا سومدت ببدنه كما هو إلى الجنّة وفعلوا ذلك، فترك عمل العالم الثاني إلّا ما كان عمل منه إلى وقتئذ؛ ومعلوم أنّ القطب الشماليّ يوسم عندنا ببنات نعش والجنوبيّ بسهيل إلّا أنّ في بعض من يشبه العوامّ من أصحابنا من يزعم أنّ في ناحية الجنوب من السماء بنات نعش على هيئة الشماليّ تدور حول ذلك القطب، وليس ذلك بممتنع ولا مستبدع إن حصل خبره من جهة ممعن في أسفار البحر أمين ثقة، وقد يظهر في البقاع الجنوبيّة ما لا نعرفه من الكواكب، فقد زعم «شريبال » أنّه يظهر في الصيف بمولتان كوكب أحمر منخفض عن مدار سهيل يسمّونه «شول »، وهو خشبة الصلب وأنّ الهند يتشاءمون به ولذلك إذا كان القمر في «پوربا بترپت» لم يسافروا نحو الجنوب فإنّه فيه، وذكر «الجيهانيّ» في «كتاب المسالك»: انّ في جزيرة «لنكبالوس» يرى كوكب ضخم يعرف بذي الحمّة في الشتاء وقت السحر من جهة مشرق الشمس على ارتفاع كقامة الدّقل وقد يتألّف من ذنب الدبّ الأصغر ومؤخّره وكواكب صغار هناك شكل مستطيل يسمّى «فأس الرحا»، و «برهمكوپت» يذكره بالسمكة، وللهند في تصويرها على هيئة حيوان مائيّ ذي أربع أرجل، يسمّونه «شاكور» ويسمّى أيضا «ششمار» أخبار جزافيّة، وأظنّ ششمار هذا هو الضبّ الكبير فإنّ اسمه بالفارسيّة «سسمار» وبينهما مشابهة، ومنه مائيّ مثل التمساح والإسقنقور، فمن تلك الأساطير أنّ «براهم» لمّا أراد إيلاد البشر قسم نفسه بنصفين اسم الأيمن «براز» واسم الأيسر «من» وهو الذي سمّيت النوبة باسمه «منّنتر»، وصار لمن ابنان أحدهما «بريربت» والآخر «أوتانپاذ» الملك الأحنف
الرجل، وله ابن اسمه «دربّ » لحقه استخفاف من امرأة أبيه فأعطي لأجله القدرة على إدارة الكواكب كلّها كما يريد وكان ظهوره في «منّنتر سواينبهب» وهي أوّل النوب وبقي في مكانه على الأبد، وفي «باج پران»: انّ الريح تحرّك الكواكب حول القطب وهي مربوطة به برباطات لا يراها الناس فتتحرّك على مثال الخشبة التي تدار في معاصر الدّهانين فإنّ أصلها كالثابت وطرفها دائر، وفي كتاب «بشن دهرم»: انّ بجر» الذي هو من أولاد «بلبهدر» أخي «ناراين» سأل «ماركنديو» الرش عن القطب، فأجابه بأنّ «براهم» لمّا عمل العالم كان مظلما موحشا فعمل حينئذ كرة الشمس نيّرة وأكر الكواكب مائيّة لنورها قابلة من الوجه الذي تواجهها به ووضع منها حول القطب أربعة عشر على هيئة «ششمار» تدير سائر الكواكب حول القطب فمنها نحو الشمال من القطب على اللحي الأعلى أوتّانپاذ وعلى الأسفل «جكم» وعلى الرأس «دهرم» وعلى الصدر «ناراين» وعلى اليدين نحو المشرق كوكبا «اشون» الطبيبين وعلى الرجلين «برن» و «ارجم» نحو المغرب وعلى المبال «سنبجّر » وعلى الدبر «متر» وعلى الذنب «اكن» و «مهيندر» و «مريج» و «كشب»، قال: والقطب هو «بشن» المطاع في أهل الجنّة وهو أيضا الزمان الذي ينشئ وينمي ويبلي ويفني، ثمّ قال: ومن قرأ هذا وعرفه بالتحقيق غفر الله له سيّئات يومه وزيد في عمره المقدّر أربع عشرة سنة: ما أسلم قلوب القوم فعندنا من يحيط بألف ونيّف وعشرين من الكواكب ولا يؤخذ بأنفاسه ويقتطع من عمره إلّا لذلك، وهذه الكواكب دائرة كيف ما كان وضع القطب منها ولو ظفرت من الهند بمن يشير إليها ببنانه لتمكّنت من نقلها إلى ما نعرفه من صور اليونانيّين والعرب للكواكب أو ما يقاربها إن لم تكن منها.
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع