من «تحقيق ما للهند من مقولة» لأبي الريحان البيروني (ت ٤٤٠هـ)
كج- في ذكر جبل ميرو بحسب ما يعتقده أصحاب الپرانات وغيرهم فيه
نبتدئ بصفة هذا الجبل إذ هو واسطة الديبات والأبحر ووسط «جنب ديب» منها، قال «برهمكوپت»: قد كثرت أقاويل الناس في صفة الأرض وجبل «ميرو» وخاصّة ممّن يدرس الپرانات والكتب الشرعيّة، فمنهم من يصف هذا الجبل بأنّه يعلو وجه الأرض علوّا مفرطا وأنّه تحت القطب والكواكب تدور حول سفحه فيكون منه الطلوع والغروب، وسمّى ميرو لاقتداره على ذلك ولأنّ الرأس إنّما يكشف النيّرين بقوّته، ونهار سكّانه من الملائكة يكون ستّة أشهر وليلهم ستّة أشهر، وقال: إنّ في كتاب «جن» وهو «البدّ»: انّ جبل «ميرو» مربّع ليس بمدوّر؛ وقال «بلبهدر» المفسّر: من الناس من يقول: إنّ الأرض مبسوطة وإنّ جبل ميرو مضيء منير، قال: ولو كان كما زعموا لما دارت السيّارة حول افق من يسكن ميرو، ولو كان له شعاع لرئي من أجل علوّه كما يظهر القطب الذي فوقه، ومنهم من يقول: إنّه من ذهب، ويقول آخرون: إنّه من جوهر، و «آرجبهد» يرى أنّه ليس تعالى وإنّما يرتفع جوزنا واحدا على تدوير لا تربيع وهو مملكة الملائكة وإنّما صار غير مرئيّ مع شعاعه لأنّه بعيد عن البلاد شماليّ في جميع المواضع في الصرود في وسط برّيّة تسمّى «نندن من»، ولو كان عظيم الارتفاع
لما عرض في عرض ستّة وستّين أن يظهر مدار السرطان كلّه فتدور الشمس فيه ظاهرة لا تغيب؛ وبلبهدر واهي الكلام والمعنى فلا أدري كيف انتدب للتفسير على أنّ تفاسيره كذلك فأمّا إبطاله بساطة الأرض بدوران الكواكب حول أفق ميرو فهو إلى الإثبات أقرب بل لو كانت بسيطة والقامات لعمود الجبل موازية لما تغيّر الأفق ولكان هو معدّل النهار في جميع المواضع؛ ولما حكى عن آرجبهد فليكن كرة الأرض: اب على مركز: هـ، و: امسكن عرضه ستّة وستّون جزءا، ونفرز قوس: اب مساوية للميل الأعظم، فيكون: ب الموضع الذي يسامته القطب، ونجيز على نقطة: اخطّ: اج مماسّا للكرة فيكون في سطح الأفق الحسيّ حيث تمرّ الأبصار حول الأرض، ونصل: اه ونخرج: ب ج يلقي: اج على: ج وننزل عمود: اط على: هـ ج، فمعلوم أنّ: اط جيب الميل الأعظم و: ط ب سهمه و: ط هـ جيب نمام الميل الأعظم، ولأنّا نخاطب «آرجبهد» فإنّا نعمل الجيوب أيضا بكردجاته فيكون: اط و: ط هـ و: ب ط، ولقيام زاوية: اج تكون نسبة: ط إلى: ط كنسبة: ط اإلى: ط ج، ومربّع: اط ومقسومه على: ط، وفضل ما بينه وبين: ط ب وذلك: ب ج، ونسبته إلى: ب هـ على أنّه الجيب كلّه وهو: كنسبة «جوزن»: ب ج إلى جوزن: ب هـ، وهي عند آرجبهد ثمان مائة ومضروبها في الفضل المتقدّم: ومقسومه على الجيب كلّه:، وذلك جوزن:
ب ج ويكون أميالا ستّمائة وفراسخ مائتين، ومتى كان عمود الجبل مائتي فرسخ كان المرتقي إليه قريبا من ضعفه ومهما كان «ميرو» على هذا المقدار لم يظهر منه شيء في عرض ستّة وستّين ولم يستر من مدار السرطان شيئا بتّة، وإذا كان هناك تحت الأفق فهو في المساكن التي عروضها أنقص من ذلك العرض منحطّ عن الآفاق، فهب أنّه الشمس ضياء فهل ترى وهي تحت الأرض غائبة؟ ولهذا الجبل
بها أسوة، وليس يخفى عنّا الجبل لبعده في الصرود ولكن لسفوله عن الأفق بسبب كريّة الأرض وانجذاب الأثقال نحو وسطها؛ وأيضا فإنّ استدلاله على قلّة ارتفاع الجبل بظهور مدار السرطان فيما ساوى عرضه تمام الميل الأعظم غير لازم، لأنّا إنّما عرفنا خواصّ المدارات وغيرها في تلك المواضع بالبرهان من غير عيان أو نقل خبر فإنّ تلك المواضع غير مسكونه وطرقها غير مسلوكة، فإن كان جاءه من هناك من أخبره بظهور هذا المدار في ذلك العرض فقد جاءنا من أخبرنا بخفاء بعضه، وليس لذلك ساتر غير هذا الجبل وأنّه لو لاه لكان يظهر كلّه، فمن جعل أحد هذين الخبرين أولى بالقبول؟ وفي كتاب «آرجبهد» الذي من «كسمپور»: انّ جبل «ميرو» في «هممنت» وهو الصرود لا يزيد على «جوزن»، ووقع في الترجمة:
انّه لا يزيد على هممنت أكثر من جوزن، وهذا الرجل ليس بآرجبهد الكبير وإنّما هو من أصحابه فإنّه يذكره ويقتفيه، ولا أدري أيّ السميّين يعني «بلبهدر».
وبالجملة فإنّ خواصّ موضع هذا الجبل عندنا معلومة بالبرهان والجبل نفسه عندهم بالأخبار سواء جعلوه جوزنا أو أكثر وسواء جعلوه مربّعا أو مثمّنا؛ فلنذكر الآن ما قال الرشين فيه، أمّا في «مجّ پران» فإنّه قيل: إنّه ذهبيّ مضيء كالنار الصافية من كدر الدخان ذو أربعة ألوان في جوانبه الأربعة فلون الشرقىّ منها أبيض
كلون البراهمة ولون الشماليّ أحمر كلون «كشتر» ولون الجنوبيّ أصفر كلون «بيش» ولون الغربيّ أسود كلون «شودر»، وارتفاعه «جوزن» وما دخل منه الأرض فهو وكلّ ضلع من ترابيعه، يجري فيه أنهار عذبة، وفيه مساكن ذهبيّة طيّبة يسكنها من الروحانيّين «ديو» ومغنّوهم «كندهرب» وقحابهم «ابسرس»، وفيه أيضا من جنس «آسر، ديت» و «راكشس»، وحوله حوض «مانس» وحول الحوض في جهاته الأربع «لوكپال» وهم حفظة العالم وأهله؛ ولجبل «ميرو» سبع عقد هي جبال عظام وأسماؤها:
«مهيندر، ملو، سج، شكدبام، ركش بام، بند، پارزاتر» فأمّا الجبال الصغار فلا تكاد تحصى كثرة وهي التي يسكنها الناس، وأمّا العظام حول ميرو فمنها «هممنت» يعلوه الثلج دائما وفيه راكشس و «بشاج» و «جكش»، ومنها «همكوت» الذهبيّ وفيه «كندهرب» واپسرس، ومنها «نشذ» يسكنه «ناك» - الحيّات، وأسماء رؤسائها السبعة: «أننت، باسك، دكشك، كركوتك، مهاپذم، كنبل، أشوتر»، ومنها «نيل» طاؤوسيّ كثير الألوان يسكنه «سدّ» وبرهمرشين الزهّاد، ومنها جبل «أشويت» يسكنه «ديت» و «دانو»، ومنها جبل «أشرنكونت» فيه «پترين» آباء ديو وأجدادهم وبقربه من جهة الشمال ثنايا مملوءة جواهر وأشجار تبقى من الأزمنة كلپاوفي وسط هذه الجبال «الابرت» وهو أسمقها ويسمّى الجملة «پرش پربت»، وما بين جبلي «هممنت» و «أشرنكونت» يسمّى «كيلاس» موضع ملاعب «راكشس» و «اپسرس »؛ وفي «بشن پران»: إنّ جبال الأرض الوسطى العظام «شري پربت، ملي پربت، مالّونت، بند تركوت، تربرانتك، كيلاس» وأنّ أهلها يشربون ماء الأنهار وهم دائموا الفرح؛ وذكر في «باج پران» من مقادير ترابيعه وارتفاعه مثل ما
تقدّم، ثمّ قيل: إنّ في كلّ جهة منه جبلا مربّعا فالذي عن شرقه هو «مالين» والذي عن شماله «آنيل» وعن غربه «كندمادن» وعن جنوبه «نشذ»؛ وذكر في «آدت پران» في ضلعه ما تقدّم، ولم أقف على ارتفاعه منه، وقيل: إنّ جانبه الشرقي من ذهب والغربيّ من فضّة والجنوبيّ ياقوت أحمر والشماليّ جواهر مختلفة؛ وهذه المقادير المفرطة للجبل لا تستمرّ إلّا مع المقادير المفرطة التي ذكروها للأرض، وإذا لم يكن التجزيف محدودا كان ميدان البهت للمجزّف مفتوحا كمفسّر كتاب «پاتنجل» فإنّه جاوز التربيع فيه إلى الاستطالة وجعل أحد ترابيعه خمسة عشر «كورتي جوزن» وذلك والآخر خمسة كورتي على ثلث الأوّل وذكر في جوانبه الأربعة أنّ في مشرقه جبل «مالو» والبحر وبينهما ممالك تسمّى «بهدراس» وعن شماله جبل «نير» و «شيت» و «شرنكادر» والبحر وبينهما ممالك «رميك » و «هرنمايّ» و «كر»، وعن مغربه جبل كندمادن والبحر وبينهما مملكة «كيتمال»، وعن جنوبه جبال «مرابرت» و «نشذ» و «هيمكوت» و «همكر» والبحر وبينهما ممالك «بهارث برش» و «كينپرش» و «هرپرش»؛ فهذا ما وجدت من أقاويل الهند فيه، ولأنّي لم أجد كتابا للشمنيّة ولا أحدا منهم استشفّ من عنده ما هم عليه فإنّي إذا حكيت عنهم فبوساطة «الإيرانشهريّ» وإن كنت أظنّ أنّ حكايته غير محصّلة أو عن غير محصّل، وقد ذكر عنهم في «ميرو»: أنّه وسط عوالم أربعة في الجهات الأربع، مربّع الأسفل مدوّر الأعلى، طوله «جوزن» نصفه ذاهب في السماء ونصفه غائص في الأرض، وجانبه الجنوبيّ الذي يلي عالمنا من ياقوت آسمانجونيّ وهو سبب ما يرى من خضرة السماء وباقي الجوانب من يواقيت حمر وصفر وبيض، فهذا جبل ميرو المتوسّط للأرض؛ فأمّا «قاف» الذي يسمّيه عوامّنا فإنّه عند الهند «لوكالوك» يزعمون أنّ الشمس تدور منه نحو جبل ميرو ولا
تضيء منه غير جانبه الداخل الشماليّ فقط، وإلى مثله ذهب مجوس «السغد» بأنّ جبل «ارديا» حول العالم وخارجه «خوم» شبيه انسان العين، فيه من كلّ شيء ووراءه خلاء وفي وسط العالم جبل «كرنغر» هو بين إقليمنا وبين الأقاليم الستّة كرسيّ الملكوت وفيما بين كلّ إقليمين رمل محرق لا يستقرّ عليه قدم والافلاك تدور في الأقاليم كالرحا وفي إقليمنا مائلة لأنّه فوق وفيه الناس.
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع