تجاوز إلى المحتوى

من «تحقيق ما للهند من مقولة» لأبي الريحان البيروني (ت ٤٤٠هـ)

كو- في صورة السماء والأرض عند المنجّمين منهم

قد جرى أمر الهند فيما بينهم على خلاف الحال بين قومنا، وذلك أنّ القرآن لم ينطق في هذا الباب وفي كلّ شيء ضروريّ بما يحوج إلى تعسّف في تأويل حتى ينصرف إلى المعلوم بالضرورة كالكتب المنزلة قبله، وإنّما هو في الأشياء الضروريّة معها حذو القذّة بالقذّة وباحكام من غير تشابه، ولم يشتمل أيضا على شيء ممّا اختلف فيه وأيس من الوصول إليه ممّا يشبه التواريخ، وإن كان الاسلام مكيدا في مبادئه بقوم من مناويه أظهروه بانتحال وحكوا لذوي السلامة في القلوب من كتبهم ما لم يخلق الله منه فيها شيئا لا قليلا ولا كثيرا فصدّقوهم وكتبوها عنهم مغترّين بنفاقهم وتركوا ما عندهم من الكتاب الحقّ لأنّ قلوب العامّة إلى الخرافات أميل فتشوّشت الأخبار لذلك؛ ثمّ جاءت طامّة أخرى من جهة الزنادقة أصحاب «ماني» كابن المقفّع وكعبد الكريم ابن أبي العوجاء وأمثالهم فشكّكوا ضعاف الغرائز في الواحد الأوّل من جهة التعديل والتجوير وأمالوهم إلى التثنية وزيّنوا عندهم سيرة ماني حتى اعتصموا بحبله، وهو رجل غير مقتصر بجهالاته في مذهبه دون الكلام في هيئة العالم بما يبين عن تمويهاته، وانتشر ذلك في الألسنة وانضاف إلى ما تقدّم من المكايد اليهودية فصار رأيا منسوبا إلى الاسلام- سبحان الله عن مثله- والذي يخالفه ويتمّسك بالحقّ المطابق للقرآن فيه موسوما بالكفر والإلحاد، محكوما على دمه بالإراقة، غير مرخّص في سماع كلامه، وهو دون ما

يسمع من كلام فرعون: «أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى»

، «ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي»

؛ وتطاول العصبيّة ربّما نميل به عن الطريقة المثلى للحميّة، والله يثبت قدم من يقصده ويقصد الحقّ فيه؛ وأمّا الهند فإنّ كتبهم الملّيّة والبرانات الخبريّة تنطق كلّها في هيئة العالم بما ينافي الحقّ الواضح عند منجّميهم إلّا أنّ القوم بها مضطرّون في إقامة السنن وحمل السواد الأعظم عليها إلى الحسابات النجوميّة والتحذيرات الأحكاميّة، فيظهرون الميل إليهم والقول بفضلهم والتيمّن بلقياهم والقطع عليهم أنّهم من أصحاب الجنّة لا يدخل جهنّم منهم أحد ومنجّموهم يكافونهم بالتصديق والمطابقة على ما هم عليه وإن خالف أكثره الحقّ ويقومون لهم بما يحتاج إليه منهم ولهذا امتزج الرأيان على الأيّام فاضطرب الكلام الحاصل عند المنجّمين وخاصّة عند من يقلّد ويأخذ الأصول بالأخبار ولا يذهب فيها مذهب التحقيق وهو أكثرهم، فلنحك الآن ما هم عليه ونقول: إنّ السماء والعالم عندهم مستديران والأرض كريّة الشكل، نصفها الشماليّ يبس ونصفها الجنوبيّ مغمور بالماء ومقدارها عندهم اعظم ممّا هو عند اليونانيّين، وممّا وجده المحدثون ويجدونه قد انحرفوا فيها عن ذكر البحار والديبات والجوزن الكثيرة المقدّرة لها واتّبعوا اصحاب الملّة فيما ليس بقادح في الصناعة من كون جبل «ميرو» تحت القطب الشماليّ وجزيرة «بروامخ» تحت القطب الجنوبيّ، أمّا الجبل فسواء كان هناك أو لم يكن اذ المحتاج إليه منه هو خواصّ الدوران الرحاويّ وهي بسبب المسامتة موجودة للموضع من بسيط الأرض ولما هو على سمته في الهواء، وأمّا الجزيرة الجنوبيّة فكذلك خبر غير ضارّ، على أنّه ممكن بل كالواجب تقاطر ربعين من أرباع الأرض يابسين وتقاطر الآخرين في الماء مغمورين، فيرون الأرض في الوسط والأثقال مرجحنّة نحوها فلا محالة أنّهم يرون السماء لذلك كريّة

الشكل، ونحن نحكي أقاويلهم في ذلك بحسب ترجمتنا فان خالفت الألفاظ ما جرت عليه العادة فليعتبر بها المعاني فانّها المطلوبة؛ قال «بلس» في «سدّهانده» إنّ بولس اليونانيّ ذكر في موضع: انّ الأرض كريّة الشكل، وقال في موضع آخر: إنّها طبقيّة، وقد صدق في كليهما لأنّ الاستدارة في سطحها والاستقامة في قطرها، ولم يعتقد فيها غير الكريّة بدلائل كثيرة من كلامه وإجماع العلماء على ذلك مثل «براهمهر» و «آرجبهد» و «ديو» و «اشريخين» و «بشنجندر» و «براهم» فانّها لو لم تكن مستديرة لما انتطقت عروض المساكن ولا اختلف النهار والليل في الصيف والشتاء ولا وجد أحوال الكواكب ومداراتها على ما وجدت عليه؛ وأمّا موضعها فهو الوسط، نصفها طين ونصفها ماء، وجبل «ميرو» في نصفها اليابس مسكن «ديو» الملائكة، وفوقه قطب الشمال، وفي نصفها المغمور بالماء تحت قطب الجنوب «بروامخ» وهو يبس كالجزيرة يسكنه «ديت» و «ناك» أقرباء الملائكة الذين في ميرو، ولهذا سمّى أيضا «ديتانتر» والخطّ الفاصل بين نصفي الأرض اليابس والرطب يسمّى «نلكش» أي الذي لا عرض له وهو خطّ الاستواء، وفي جهاته الأربع أربع مدن كبار، أمّا في الشرق فزمكوت وأمّا في الجنوب فلنك وفي الغرب «رومك» وفي الشمال «سدّبور»؛ والأرض مضبوطة بالقطبين والمحور يمسكها، وإذا طلعت الشمس على الخطّ المارّ على «ميرو» و «لنك» كان ذلك الوقت نصف نهار «زمكوت» ونصف ليل الروم، وعشيّة سدّبور، وكذلك يقول آرجبهد؛ وقال «برهمكوبت ابن جشن» البهلّماليّ في «براهم سدّهاند»: إنّ أقاويل الناس قد كثرت في هيئة الأرض وخاصة ممّن يدرس البرانات والكتب الشرعيّة، فمنهم من يرى أنّها كالمرآة مستوية، ومنهم من يرى أنّها كالقصعة مقعّرة، ومنهم من يزعم أنّها مسطّحة

كالمرآة يحيط بها بحر ثمّ أرض ثم بحر إلى آخرها مستديرة كالأطواق، ومقدار كلّ بحر منها أو أرض ضعف الذي في داخله حتى تكون الأرض القصوى أربعا وستّين مرّة مثل الأرض الوسطى والبحر المحيط الأقصى أربعة وستّين مثلا للبحر المحيط الأدنى، ولكنّ اختلاف الطلوع والغروب حتى يرى من في «زمكوت» الكوكب الواحد في الوقت الواحد على أفق المغرب ويراه حينئذ من بالروم على أفق المشرق طالعا هو ممّا يوجب للسماء والأرض شكل الكرة، وكذلك رؤية من في «ميرو» الكوكب الواحد في الوقت الواحد على الأفق في سمت «لنك» موطن الشياطين ورؤية من في «لنك» إيّاه فوق رؤوسهم تدلّ على مثله، ثم لا تصحّ الحسابات إلّا به، فبالضرورة نقول: إنّ السماء كرة لوجودنا خواصّها فيها وإنّ هذه الخواصّ لا تصحّ في العالم إلّا مع كونه كرة، فلا يخفى حينئذ بطلان سائر الأقاويل فيه؛ و «آرجبهد» يبحث عن العالم ويقول: إنّه الأرض والماء والنار والريح وهي كلّها مدوّرة؛ وكذلك يقول «بسشت» و «لات»: إنّ العناصر الخمسة التي هي الأرض والماء والنار والريح والسماء مستديرة؛ و «براهمهر» يقول: إنّ الأشياء الظاهرة المحسوسة تشهد لها بالكريّة وتنفي عنها سائر الأشكال؛ وقد أجمع «آرجبهد» و «بلس» و «بسشت» و «لات» على أنّه إذا كان نصف النهار في «زمكوت» كان حينئذ نصف الليل بالروم وأوّل النهار في «لنك» وأوّل الليل في «سدّبور»، وهذا لا يمكن إلّا على التدوير، وكذلك أزمان الكسوفات لا تطّرد إلّا عليه؛ وقال «لات»: كلّ موضع من الأرض فإنّه لا يرى فيه إلّا نصف كرة السماء، وبحسب العرض في الشمال يرتفع «ميرو» والقطب على الأفق كما ينخفضان بحسب العرض في الجنوب وفي كليهما ينخفض معدّل النهار عن سمت الرأس بحسب العرض، وكلّ من هو في جهة من جهتي الشمال والجنوب فإنّه لا

يرى إلّا القطب الذي في جهته ويخفى عنه الذي في خلاف جهته؛ فهذه أقاويلهم في كرّيّة السماء والأرض وما بينهما وكون الأرض في وسط العالم بمقدار صغير جدّا عند المرئيّ من السماء، وهي مبادئ علم الهيئة التي يتضمّنها المقالة الأولى، من المجسطي وما شابهها من سائر الكتب وإن لم تكن بالتحصيل والتهذيب الذي نذهب إليه، وذلك أنّ الأرض أثقل من الماء والماء سيّال كالهواء والشكل الكريّ للأرض بالضرورة طبيعيّ إلّا أن يخرجها عنه أمر إلهيّ، فليس بممكن أن يتنّحى الأرض نحو الشمال والماء نحو الجنوب حتى يكون نصف الجملة يبسا ونصفها ماء إلّا بعد تجويف اليابس، وأمّا نحن فوجودنا الاستقرائيّ يقتضي اليبس في أحد ربعيها الشماليّين ونتفرّس لأجله في الربع المقاطر له مثل ذلك ونجوّز جزيرة «بروامخ» ولا نوجبها لأنّ أمرها وأمر ميرو خبريّ؛ وأمّا خطّ الاستواء فليس في الربع المعلوم عندنا على الفصل المشترك بين البرّ والبحر فإنّ البرّ يزاحم البحر في مواضع فيدخله دخولا يتجاوز به خطّ الاستواء كبراريّ «سودان» المغرب لأنّها ناطحت البحر ودخلت فيه إلى مواضع وراء جبال القمر ومنابع النيل، لم نتحقّقها لأنّها من جهة البرّ قفرة غير مسلوكة ومن جهة البحر وراء سفالة الزنج كذلك، لم يرجع منها سفينة غرّرت بنفسها حتى تخبر بما شاهدت، وكذلك يدخله من أرض الهند فوق بلاد السند قطعة عظيمة يتخيّل فيها أنّها تجاوز خطّ الاستواء إلى الجنوب، وفيما بين ذلك أرض العرب واليمن على هذه الصورة من غير إيغال في البحر تجاوز به خطّ الاستواء، وكما أنّ البرّ يلج في البحر كذلك البحر يلج في البرّ ويخرقه في مواضع ويصيّره أغبابا وخلجانا كما بسط عن غرب أرض العرب لسانا إلى قرب واسطة الشام واستدقّ عند القلزم فعرف به وآخر أعظم منه عن شرق أرضهم يعرف ببحر «فارس»، وانعطف أيضا فيما بين أرضي الهند والصين انعطافا إلى الشمال كثيرا، فخرج شكل الساحل بذلك عن أن يلزم خطّ الاستواء أو أن يكون على بعد

عنه غير متغيّر، والكلام على المدن الأربع آت في موضعه؛ والذي ذكر من اختلاف الأوقات فهو من نتائج استدارة الأرض ولزومها وسط العالم، فان ذكر معها سكّانها ولا بد للمدن من المتمدّنين كان ذلك من نتائج نزوع الأثقال نحو مركزها وهو وسط العالم؛ ويقاربه ما في «باج بران»: انّ نصف النهار بأمراود يكون طلوعا على «بيبسوت» ونصف ليل على «سخ» وغروبا عن «ببه» وما في «مج بران» وهو أنّه ذكر فيه أن من جبل «ميرو» نحو المشرق مدينة «امراود بور» وهي لاندر الرئيس وفيها زوجته، ونحو الجنوب مدينة «سنجمن بور» فيها «جم» ابن الشمس يعاقب بها الناس ويثيبهم، ونحو المغرب مدينة «سكّ بور» فيها «برن» أعني الماء، ونحو الشمال للقمر «ببهاون بور»، والشمس والكواكب تدور حول ميرو، فإذا كانت الشمس على نصف نهار أمراود بور كان أوّل النهار في سنجمن بور ونصف الليل في سكّ وأوّل الليل في بپهاون بور، وإذا كانت على نصف نهار سنجمن بور كانت طالعة على سكّ بور وغاربة عن امراود بور وعلى نصف ليل ببهاون بور، فقوله: إنّ الشمس تدور حول ميرو، يعني رحاويّا على من به، وليس هناك مشرق ولا مغرب بسبب صورة الحركة ولا الشمس تشرق فيه من موضع واحد معيّن بل من مواضع مختلفة، وإنّما أشار إلى سمت مدينة فسمّاه مشرقا وإلى سمت أخرى فسمّاه مغربا، ويمكن ان تكون هذه الأربع المدن هي التي ذكرها منجّموهم، فلم يوضح البعد بينها وبين الجبل، وسائر ما حكينا عنهم هو الحقّ الذي يوجبه البرهان؛ ولكن من عادتهم أن لا يذكروا القطب إلّا وذكر هذا الجبل معه في قرن؛ وهم يعتقدون في السفل ما نعتقد فيه أنّه مركز العالم لولا أنّ العبارة عنه ركيكة وخاصّة فإنّه من مسائل الفحول التي لا يقوم بها إلا كبار الرجال؛ قال «برهمكوبت»: إنّ العلماء زعموا أنّ كرة الأرض في وسط السماء، ومنها جبل «ميرو» مسكن «ديو»، وأسفل منه «بروامخ» مسكن مخالفيهم من

«ديت» و «دانب»، ولم يذهبوا من هذا السفل إلّا إلى الرتبة، وإلّا فحال الأرض من جميع جهاتها واحدة وكلّ من عليها فمنتصبون نحو العلو، والأشياء الثقيلة تقع إليها طبعا كما في طبعها إمساك الأشياء وحفظها وفي طبع الماء السيلان وفي طبع النار الإحراق وفي طبع الريح التحريك، فإنّ رام شيء عن الأرض سفولا فليسفل فلا سفل غيرها، والبذور تنزل إليها حيث ما رمي بها ولا تصعد عنها؛ وقال «براهمهر»: إنّ الجبال والبحار والأنهار والأشجار والمدن والناس والملائكة كلّها حول كرة الأرض، ولا يمكن أن يقال في تقابل «زمكوت» و «الروم» إنّه.

تسافل إذ لا سفل، وكيف يقال في أحدها إنّه أسفل وحاله كحال الآخر، فليس أحدها بالسقوط أولى بل كلّ واحد في ذاته وعند نفسه قائل أنا العالي والباقون أسفل، وجميعهم حول الكرة على مثال خروج الأنوار على أغصان الشجرة المسمّاة «كذنب» فإنّها تحتفّ عليه، وكلّ واحد في موضعه على مثال الآخر لا يتدلّى أحدها ولا ينتصب غيره، فالأرض تمسك ما عليها لأنّها من جميع الجهات سفل والسماء في كلّ الجهات علو، فكلام القوم في هذا الباب كما ترى صادر عن معرفة بالقوانين الصحيحة وإن داهنوا اصحاب الأخبار والنواميس، فإنّ «بلبهدر» المفسّر يقول: إنّ أصحّ الأقاويل على كثرتها واختلافها هو أنّ الأرض و «ميرو» وفلك البروج مدوّرات، ويقول «آبت بران كار» أي الصادقون الذين يتبعون البران: إنّ الأرض مثل ظهر السلحفاة لا تدوير لها من تحت، قال: وقد صدقوا، فإنّ الأرض في وسط الماء، والذي يظهر منه هو على صورة ظهر السلحفاة، والبحر الذي يحيط بها غير مسلوك، فأمّا تدوير فلك البروج فمشاهد بالعيان؛ فانظر كيف صدّقهم في تدوير الظهر وتغافل عن نفيهم التدوير عن البطن وتشاغل بحديث لا يتّصل بذلك، فقال: إنّ بصر الإنسان لا يبلغ من الأرض وتدويرها خمسة آلاف «جوزن» إلّا إلى جزء من ستّة وتسعين جزء مّنه ذلك اثنان

وخمسون جوزنا فلهذا لا يحسّ بالتدوير وذلك سبب اختلاف الأقاويل فيه، ولم ينكر أولئك الصادقون تدوير ظهر الأرض بل أثبتوه بمثال ظهر السلحفاة، وإنّما نفاه «بلبهدر» عن قولهم لإنّه حمل معناه على إحاطة الماء بها، والبارز من الماء جائز أن يكون كريّ الوجه وأن يكون مسطّحا مرتفعا عن الماء كدفّ مقلوب أعني قطعة من اسطوانة مستديرة، وأمّا خروج الاستدارة عن الشعور بها لصغر قامة الإنسان فغير صحيح من اجل أنّ القامة لو كانت مثل عمود أعظم جبل ثمّ كان التأمّل من موضع واحد عليها دون اللنتقال واستعمال طريق القياس فيما يوجد فيها من اختلاف الأحوال لم ينفع طولها ولم يشعر باستدارة الأرض وحدّها؛ ولكن كيف اتّصال هذا الكلام بمقالة القوم ولو كان أثبت الاستدارة للأرض في الجانب المقابل للاستدارة اعني الذي تحت بالاستعارة ثمّ ذكر ما ذكر حتى يريه معقولا مستفادا من الحسّ لكان لقوله وجها ما؛ فأمّا تعيينه المقدار المبصر من الأرض فليكن له كرة الأرض: اب على مركز: هـ ونقطة: ب منها موقف الناظر إلى ما حوله والقامة: ب ج ويخرج: ج امماسّا للارض فمعلوم أنّ المبصر هو: ب اولنفرضه جزءا من ستّة وتسعين جزءا من الدور وذلك ثلاثة أجزاء ونصف وربع جزء إذا كان الدور ثلاث مائة وستّين، فالمثل ما تقدّم في باب جبل «ميرو» نقسم مربع: ط اوهو على: ط وهو فيخرج: ط ج. ى د م ويكون: ب ج القامة: ز م، وذلك على أنّ: هـ ب الجيب كلّه:، لكنّ نصف قطر الأرض بحسب ما ذكر من دورها: ك ز ى و، فإذا حوّلنا:

ب ج إليه كان جوزنا واحدا وستّة كروش وألفا وخمسا وثلاثين ذراعا، وإذا فرضنا: ب ج أربعة أذرع كانت نسبته إلى: اط بمقدار الجيب كنسبة، وهي أذرع ما خرج للقامة إلى: اط بمقدار الجيب وهو، فإذا

استخرجناه كان.. اج وقوسه كذلك، لكنّ حصّة الجزء الواحد من تدوير الأرض كما ذكر ثلاثة عشر جوزنا وسبعة كروه وثلاث مائة وثلاث وثلاثون ذراعا وثلث ذراع، فالمبصر إذن من الأرض مائتان وإحدى وتسعون ذراعا وثلثا ذراع؛

والوجه الذي أوتى منه «بلبهدر» ما في «بلس سدّهاند» حين قطع الجيب لربع الدائرة على أربع وعشرين كردجة ثم قال: إن سأل سائل عن علّة ذلك فليعلم أنّ الكردجة الواحدة من هذه جزء من ستّة وتسعين جزءا من الدور ودقائقها، ولمّا استخرجنا جيبه كانت دقائقه، فعلمنا من ذلك أنّ الجيوب تساوي قسيّها فيما هو أصغر من هذه الكردجة، ولمّا كان الجيب كلّه عند «بلس» و «آرجبهد» على نسبة القطر إلى دور الثلاث مائة والستّين أوهم «بلبهدر» من هذه المساواة العدديّة فظنّ أنّ القوس قد استقامت وما لم يكن فيه حدّبة نتوّ يمنع البصر عن المرور ولم يتصاغر فهو مدّرك: وهذا هو الغلط العظيم فالقوس قطّ لا تستقيم ولا

الجيب وإن صغر يساوي قوسه، وإنّما يكون ذلك في الأجزاء المفروضة للاستعمال وأمّا في اجزائها فمّرهيّا وهلمّ جرّا إلى اقصى الصين؛ وأمّا قول بلس في الأرض: إنّ المحور يمسكها، فليس يعني به أنّ محورا هناك لو لم يكن لسقطت الأرض وكيف يقول هذا وهو يرى المدن الأربع حول الأرض مسكونة، وذلك موجبات نزول الأثقال إلى الأرض من جميع الجوانب؟ ولكنّه ذهب فيه إلى أنّ حركه ما على المحيط علّة لسكون ما في المركز والحركة في الكرة لا تكون إلّا على قطبين والخطّ الواصل بينهما وهما هو المحور، فكأنّه يقول: إنّ حركة السماء ماسكة للأرض في مكانها، مصيّرة إيّاه طبيعيّا لها لا يمكن أن تكون في غيره، وهي على محور الحركة ثمّ على وسطه لأنّ سائر أقطار الكرة ممكن أن تتوهم محاور فإنّها كذلك بالقوّة ولو لم تكن في الوسط لأمكن وجود محور عنها فكأنّها في الصورة مدّعمة بالمحاور؛ وأمّا سكون الأرض وهو أيضا أحد مبادئ علم الهيئة الذي يعسر حلّ الشّبه العارضة فيه فإنّهم أيضا على اعتقاده، قال «برهمكوبت» في «براهم سدّهاند»: إنّ من الناس من زعم أنّ الحركة الأولى ليست في معدّل النهار وإنّما هي للأرض، فردّ عليهم «براهمهر» بأنّ ذلك يوجب ان لا يرجع طائر إلى وكره مهما طار عنه نحو المغرب، وهو كما قال، ثمّ قال برهمكوبت في موضع آخر منه: إنّ اصحاب «آرجبهد» يقولون: إنّ الأرض متحركة والسماء ساكنة، فقيل في الردّ عليهم: إنّ ذلك لو كان لسقطت عنها الأحجار والأشجار، ولم يرض برهمكوبت ذلك وقال: إنّه لا يلزمهم، وكأنّه عني بذلك من جهة أن الأثقال منجذبة إلى مركزها قال: بل لو كان ذلك لم تسارق دقائق السماء «بران» الأزمان؛ وربّما كان التخليط في هذا الفصل من جهة المترجم فإنّ دقائق السماء هي: وتسمّى برانات أي انفاس لأنهم يزعمون أنّ كلّ دقيقة من معدّل

النهار فإنّها تدور في زمان نفس معتدل من أنفاس الناس. ونهب أنّ ذلك صحيح وأنّ الأرض تدور الدورة التامة نحو المشرق في هذا العدد من الأنفاس كما يدورها السماء عنده فما العائق فيها عن الموازنة والموازاة؟ ثمّ ليست حركة الأرض دورا بقادحة في علم الهيئة شيئا بل تطّرد أمورها معها على سواء، وإنّما تستحيل من جهات أخر ولذلك صارت اعسر الشكوك في هذا الباب تحليلا، وقد أكثر الفضلاء من المحدثين بعد القدماء الخوض فيها وفي نفيها، ونظنّ أنّا قد أربينا عليهم في المعنى لا الكلام في كتاب «مفتاح علم الهيئة».

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «تحقيق ما للهند من مقولة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.