تجاوز إلى المحتوى

من «تحقيق ما للهند من مقولة» لأبي الريحان البيروني (ت ٤٤٠هـ)

لا- في فصل ما بين الممالك الذي نسمّيه «فصل ما بين الطولين»

إنّ من يحوم حول التحقيق في هذا الباب فإنّه يقصد ما بين فلكي نصفي نهاري البلدين، أمّا أصحابنا فإنّهم يأخذون الأزمان وهي تكون من معدّل النهار ويشابهها ما بين الدائرتين المذكورتين من مدار احد البلدين ويسمّونها «فصل ما بين الطولين» لأنّهم يأخذون طول كلّ بلد بعده في مداره عن الدائرة العظمى المارّة بقطب معدّل النهار المختارة على نهاية العمران والاختيار منهما بالغربيّة، وسواء أخذت هذه الأزمان على أنّ الدور ثلاث مائة وستّون أو أخذت على أنّه ستّون ليكون دقائق الأيّام أو أخذت فراسخ أو جوزنات بحسب ما لكلّ الدائرة؛ وللهند في ذلك أعمال لم يستقرّ ما عندنا فيه على امر واحد بل اختلفت، وعلى اختلافها فالظاهر من حالها أنّها منحرفة عن الصواب، وكما انّا نحفظ لكلّ بلد طوله كذلك هم يحفظون له جوزن بعده عن نصف نهار مدينة «اوجين» غربيّة تستحقّ الزيادة أو شرقيّة تستحقّ النقصان ويسمّونها «ديشنتر» أي فصل ما بين الممالك ويضربونها في مسير الكوكب بالوسط ليوم ويقسمون المبلغ على فيخرج ما يخصّ تلك الجوزنات من مسير الكوكب اعني ما يجب أن يزاد على وسطه الخارج لنصف نهار اوجين أو ليله حتى يتحوّل منه الى البلد المقصود، فأمّا العدد الذي يقسمون عليه فهو جوزن دور الأرض لأنّ نسبة ما بين فلكي نصفي نهاري البلدين من المسافة الى مسافة دور الأرض كلّه كنسبة ما يسير الكوكب فيما بين البلدين

بالوسط الى ما يسيره في كلّ الدورة اليوميّة حول الأرض، ومتى كان الدور كان القطر قريبا من على أنّه عند «بلس» وعند «برهمكوبت» بالجوزنات اعني كلّ واحد منها ثمانية اميال وهو في زيج الاركند، لكنّ هذا العدد في حكايات ابن طارق هو لنصف قطر الأرض والقطر كلّه على أنّ الواحد منها أربعة أميال ودورها وتسعة أخماس اخماس، فأمّا برهمكوبت فإنّه استعمل عدد في زيج «كندكاتك» وأمّا في تصحيحه فإنّه استعمل دور الأرض المقوّم بدله موافقا لبلس، وتقويمه ان يضرب جوزن دور الأرض في جيب تمام عرض البلد ويقسم المبلغ على الجيب كلّه فيخرج دور الأرض المقوّم وذلك جوزن مدار البلد وربّما سمّى «طوق المدار»، ومن أجل هذا ربّما يسبق الى الوهم انّ هو دور الأرض المقوّم لمدينة «اوجين» لكنّا اذا اعتبرناه خرج عرضه ستّة عشر جزءا وربع جزء وليس عرض اوجين كذلك فإنّما هو أربعة وعشرون جزءا، وذهب صاحب زيج «كرن تلك» في هذا التقويم الى ضرب قطر الأرض في اثني عشر وقسمة المجتمع على ظلّ الاستواء في البلد ونسبة المقياس الى هذا الظلّ كنسبة نصف قطر مدار البلد الى جيب عرض البلد لا الى الجيب كلّه، وإنّما ذهب صاحب هذا العمل الى تكافىء النسبة التي يسمّيها الهند «بيستت راشيك» وتفسيره المواضع بالتراجع، ومثالهم فيه أنّه إذا كان أجرة الزانية وهي ابنة خمس عشرة مثلا عشرة دراهم فكم يكون إذا صارت ابنة اربعين؟

وطريقه أن يضرب الأوّل في الثاني ويقسم ما بلغ على الثالث فيخرج الرابع أجرتها عند الاكتهال ثلاثة دراهم ونصف وربع، كذلك هو لمّا وجد ظلّ الاستواء متزايدا على ازدياد العروض وقطر المدار متناقصا ظنّ انّ بين هذا التزايد والتناقص تناسبا ولذلك وضع تناقص قطر المدار عن قطر الأرض بحسب زيادة ظلّ الاستواء ثمّ استخرج الدور المقوّم من القطر المقوّم فإن استخرج ما بين البلدين في الطول

برصد كسوف قمريّ وعرف ما بين وقته في البلدين من دقائق الأيّام ضربها «بلس» في دور الأرض وقسم المبلغ على ستّين التي هي دقائق الدور اليوميّة فيخرج جوزن ما بين البلدين وهو صحيح ولكنّه يخرج ما يخرج في الدائرة العظمى التي عليها «لنك»، وكذلك يفعل «برهمكوبت» فيضرب في وقد تقدّم ذكره:

وقد علم الى هذا الموضع قصدهم وأغراضهم صحّ عملهم فيه أو سقم، فأمّا استخراج «ديشنتر» من عرضي البلدين فقد ذكره الفزاريّ في زيجه وهو أن يجمع مربّعا جيبي عرضي البلدين ويؤخذ جذر المبلغ فتكون الحصّة ثمّ يربّع فضل ما بين هذين الجيبين ويزاد على الحصّة ويضرب الجملة في ثمانية ويقسم المجتمع على فيخرج المسافة الجليلة بينهما ثم يضرب فضل ما بين العرضين في جوزنات دور الأرض ويقسم المبلغ على ثلاث مائة وستّين، ومعلوم أنّ هذا هو تحويل ما بين العرضين من مقدار الدرج والدقائق الى مقدار الجوزن، قال: وينقص مربّع ما يخرج من مربّع المسافة الجليلة ويؤخذ جذر الباقي فيكون الجوزنات المستقيمة، وظاهر أنّها ما بين نصفي نهاري البلدين في المدار ويعلم منه انّ الجليلة هي مسافة ما بين البلدين، ويوجد هذا العمل في زيجات الهند موافقا لما قصصنا إلّا في شيء واحد وهو أنّ الحصّة المذكورة هي جذر فضل ما بين مربّعي جيبي العرضين لا مجموعهما، وكيف ما كان العمل فإنّه منحرف عن الصواب وقد استوفيناه في عدّة كتب لنا قصرت على هذا المعنى ويعلم منها أنّ بمجرّد العرضين لا يعرف مسافة ما بين البلدين ولا طول ما بينهما إلّا أن يكون أحد هذين معلوما فيعلم منه ومن العرضين ذاك الآخر ووجد على مثال هذا العمل غير مسند الى صاحبه أنّه إن ضرب جوزن ما بين المملكتين في تسعة وقسم المبلغ على ما بين واحد جذر فضل ما بين مربّعه وبين مربّع فضل ما بين العرضين وقسم على ستّة خرج دقائق أيّام ما بين الطولين، ومعلوم انّه يأخذ في الأوّل المسافة فيحوّلها الى

دور الدائرة ولكنّا ان عكسنا فحوّلنا اجزاء الدائرة العظمى بعمله الى جوزن خرج وذلك ناقص عمّا حكيناه عن الاركند بمائة جوزن لكنّ ضعفه وهو قريب ممّا ذكر ابن طارق لا يقصر عنه إلّا بقريب من مائتي جوزن. فلنقل الآن على ما صحّ عندنا من عروض بعض المواضع.. والمتّفق عليه في زيجاتهم انّ الخطّ الواصل بين «لنك» وبين جبل «ميرو» ينصف العمران في الطول ويمرّ على مدينة «اوجين» وقلعة «روهيتك» ونهر «جمن» وبرّيّة «تانيشر» والجبال الباردة، ومن هذا الخطّ تؤخذ ابعاد المدن في الطول، لم أجد بينهم فيه خلافا سوى ما في كتاب «آرجبهد» الكسمبوريّ وهذا لفظه: الناس يقولون انّ «كرّكيتر» يعني برّيّة تانيشر على الخطّ المارّ من لنك الى ميرو على مدينة اوجين ويحكونه عن «بلس»، وهو أفضل من ان يخفى عليه ذلك فإنّ اوقات الكسوف تكذّب ذلك، و «برت سوام» يزعم أنّ فضل ما بين الطولين فيه مائة وعشرون جوزنا، فهذا ما قاله آرجبهد؛ وأمّا يعقوب بن طارق فإنّه قال في «تركيب الأفلاك»: انّ عرض اوجين اربعة اجزاء وثلاثة أخماس، ولم يذكر لنا في الشمال هي ام في الجنوب، ثمّ حكى فيه عن الاركند انّه أربعة أجزاء وخمسا جزء، وأمّا نحن فوجدناه في الاركند في مثال لما بين اوجين وبين المنصورة وعبّر عنها ببرهمناباذ وهي «بمهنوا»، أمّا عرض اوجين فاثنان وعشرون جزءا وتسع وعشرون دقيقة وأمّا عرض المنصورة فأربعة وعشرون، جزءا ودقيقة، وذكر للوهانية وهي «لوهارني» ظلّ الاستواء انّه خمس اصابع وثلاثة أخماس اصبع، والمتّفق عليه في الزيجات من عرض اوجين انّه اربعة وعشرون جزءا تسامتها الشمس في المنقلب الصيفيّ؛ وذكر «بلبهدر» المفسّر انّ عرض «كنوج» كوله

وعرض «تانيشر» ل يب، وكان العالم أبو أحمد بن جيلغتكين قاس عرض مدينة «كرلي» فوجده كح. وعرض تانيشر كز وبينهما على العرض ثلاث مراحل، ولست أعرف سبب الخلاف، وفي زيج «كرن سار»: انّ عرض «كشمير» لدط وظلّ الاستواء بها ح ز، وقد وجدت انا عرض قلعة «لوهور» لدى، ومنها الى قصبة كشمير ستّة وخمسون ميلا نصفها حزن ونصفها سهل، والذي امكنني رصده من العروض فإنّ «غزنه» لج له و «كابل» لج مز و «كندي» رباط الأمير لج نه و «دنبور» لدكو «لمغان» لدمج و «برشاور» لد مد و «ويهند» لدل و «جيلم» لج ك وقلعة «نندنة» لب. وبينها وبين «مولتان» قريب من مائتي ميل و «سالكوت» لب نح و «مندككور» لان و «مولتان» كط م، ومتى كانت العروض معلومة والمسافات بينها مقدّرة امكن الوصول الى ما بينها في الطول على ما في الكتب التي احلنا عليها، ولم نجاوز هذه المواضع المذكورة في أرضهم ولا وقفنا على الأطوال والعروض من كتبهم، والله المعين على تحصيل المطالب!

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «تحقيق ما للهند من مقولة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.