تجاوز إلى المحتوى

من «تحقيق ما للهند من مقولة» لأبي الريحان البيروني (ت ٤٤٠هـ)

لب- في ذكر المدة والزمان بالإطلاق وخلق العالم وفنائه

قد حكى محمّد بن زكريّاء عن أوائل اليونانيّين قدمة خمسة أشياء منها البارئ سبحانه ثمّ النفس الكلّيّة ثمّ الهيولى الأوّلة ثمّ المكان ثمّ الزمان المطلقان وبنى هو على ذلك مذهبه الذي تأصّل عنه، وفرّق بين الزمان وبين المدّة بوقوع العدد على احدهما دون الآخر بسبب ما يلحق العدد به من التناهي كما جعل الفلاسفة الزمان مدّة لما له أوّل وآخر والدهر مدّة لما لا أوّل له ولا آخر، وذكر انّ الخمسة في هذا الوجود الموجود اضطراريّة فالمحسوس فيه هو الهيولى المتصوّرة بالتركيب وهي متمكّن فلا بدّ من مكان، واختلاف الأحوال عليه من لوازم الزمان فإنّ بعضها متقدّم وبعضها متأخّر وبالزمان يعرف القدم والحدث والأقدم والأحدث ومعا فلا بدّ منه، وفي الموجود احياء فلا بدّ من النفس، وفيهم عقلاء والصنعة على غاية الاتقان فلا بدّ من البارئ الحكيم العالم المتقن المصلح بغاية ما أمكن الفائض قوّة العقل للتخليص؛ ومن أصحاب النظر من جعل معنى الدهر والزمان واحدا وأوقع التناهي على الحركة العادّة لها، ومنهم من جعل السرمد للحركة المستديرة فلزمت المتحرّك بها لا محالة وحاز الشرف بالبقاء الدائم ثمّ ترقّى من المتحرّك الى محرّكه ومن المتحرّك المحرّك الى المحرّك الأوّل الذي لا

يتحرّك، وهذا بحث يدقّ جدّا ويغمض ولولا انّه كذلك لما صار المختلفون فيه في غاية التباعد حتى قال بعضهم: ان لا زمان اصلا، وقال بعض: انّه جوهر قائم بذاته، ويقول الاسكندر الافروذيسيّ: انّ «ارسطوطاليس» برهن في كتاب «السماع الطبيعيّ» انّ كلّ متحرّك فإنّما يتحرّك عن محرّك، ويقول «جالينوس» في وجهه: انّه لم يبيّنه فضلا ان يبرهنه؛ وأمّا الهند فكلامهم في هذا الباب نزر وغير محصّل، قال «براهمهر» في أوّل كتاب «سنكهت» عند ذكر ما له القدمة:

قد قيل في الكتب العتيقة انّ أوّل شيء وأقدمه الظلمة التي ليست السواد وإنّما هي عدم كحال النائم ثمّ خلق الله هذا العالم لأجل «براهم» قبّة له وجعله قسمين أعلى وأسفل وأجرى فيه الشمس والقمر، وقال «كبل» لم يزل الله والعالم معه بجواهره وأجسامه لكنّه هو علّة للعالم ويستعلي بلطفه على كثافته، وقال «كنبهك»: انّ القديم هو «مهابوت» أي مجموع العناصر الخمسة، وقال غيره القدمة للزمان وقال بعضهم للطباع وزعم آخرون انّ المدبّر هو «كرم» أي العمل، وفي كتاب «بشن دهرم» انّ «بحر» قال لماركنديو: بيّن لي الأزمنة، فأجابه بأنّ المدّة هي «آتم بورش» أي روحة وبورش صاحب الكلّ ثمّ اخذ يبيّن له الأزمنة الجزئيّة وأربابها على ما أوردنا كلّ واحد في بابه، والهند قسموا المدّة الى وقتي حركة قدّرت الزمان وسكون جاز ان يقدّر بالوهم على موازاة المقدّر الأوّل المتحرّك وصار دهر البارئ عندهم مقدّرا غير معدود لأجل انتفاء التناهي عنه على انّ توهّم مقدّر غير معدود عسر جدّا وبعيد، وسنذكر من أقاويلهم في هذا الباب بحسب معرفتنا ما يكون فيه كفاية؛ فأمّا ما يجري فيما بينهم من ذكر الخلق فهو عامّيّ لأنّا قد حكينا رأيهم في قدم المادّة فليسوا يعنون بالخلق ابداعا من لا شيء وإنّما يعنون به الصنعة في الطينة وإحداث تأليفات فيها وصور وتدابير مؤدّية الى مقاصد فيها وأغراض ولذلك يضيفون الخلق الى الملائكة والجنّ بل الإنس إمّا قضاء لحقّ منعم وإمّا تشفّيا

بسبب الحسد والتنافس كقولهم: انّ «بسفامتر» الرش خلق الجواميس ليتوسّع الناس بمرافقها، وهذا كقول «افلاطن» في «طيماوس»: الطي اي الآلهة الذين تولّوا خلق الإنسان لمّا امرهم أبوهم أخذوا نفسا غير مائيّة فجعلوها ابتداء ثمّ خرطوا عليها بدنا مائيّا، وها هنا مدّة يسمّيها اصحابنا «سنى العالم» على مذهب الهند، فيظنّ منها انّ الخلق والفناء على طرفيها على وجه الإبداع، وليس موضوع القوم ذلك وإنّما هو نهار «براهم» ويتلوه مثلها ليل له لأنّ براهم موكّل بالإنشاء، والنشوء حركة في الناشىء من غيره وأظهر اسبابها المحرّكات العلويّة اعني الكواكب، ولن تكون هي فيما تحتها مؤثّرة تأثيرات معتدلة الّا مع تحرّكها وتبدّل اشكالها في كلّ جهة، وذلك مقصور على نهار براهم لأنّ الكواكب عندهم فيه سائرة وأفلاكها دائرة على النظام المقدّر لها والنشوء لذلك دائم على وجه الأرض، وفي ليل براهم تسكن الأفلاك عن حركاتها وتستقرّ الكواكب كلّها في موضع واحد بأوجاتها وجوزهراتها وتصير الأحوال الأرضيّة لذلك حالة واحدة لا تختلف، فيبطل النشوء بسكون المنشئ وتعطّل الفعل والانفعال وتستريح العناصر عن الاستحالات والممازجات استراحتها الآن في ... وتستعدّ بخلوصها للأكوان المستأنفة في النهار المستقبل، ويدور الأمر على ذلك مدّة عمر «براهم» كما سنحكيه في موضعه؛ فالخلق وفناؤه عندهم إنّما يقع من هذا الوجه على وجه الأرض من غير ان يحصل بالخلق في الموجودات وجود طينة لم تكن ولا عند الفناء عدم طينة قد كانت، وأنّى يكون عندهم إبداع وقد قالوا بقدم

المادّة، وعبّروا لعوامّهم عن المدّتين المذكورتين بيقظة براهم ورقدته، ولا يستنكر لفظهم لوقوعه على ذي أوّل وآخر في مدّته، وجملة عمر براهم على تناوب الحركة والسكون في العالم فيه تحسب للوجود لا للعدم من جهة حصول الطينة فيها بل الصورة ايضا معها، وعمر براهم كلّه نهار لم يعله، فإذا مات انحلّت المركّبات في ليله وتعطّل ما الى الطبيعة حفظه لتلاشيها، وتلك راحة «بورش» ومراكبه، وقد اتّبع عوامّهم ليل بورش بليل براهم في الصفة، ولأنّ بورش اسم الرجل الحقوا به النوم واليقظة ووضعوا للفناء من نومه غطيطا ينقصف به كلّ متّصل وعرق جبين يغرق فيه كلّ قائم، وأمثال ذلك ممّا تحيله العقول وتمجّه الآذان، ولذلك لم يشاركهم فيه خواصّهم علما منهم بحقيقة النوم وأنّ البدن المركّب من الأخلاط المتضادّة يحتاج اليه للراحة وعود كلّ محتاج الى مكانه الطبيعيّ كاحتياجه لأجل التحلّل الدائم الى الأكل لاعادة المنحلّ ولأجل تفانيه الى الجماع لإبقاء النوع بالبدل وسائر الشرور التي نضطرّ اليها ممّا يستغنى عنه الجواهر البسيطة ومن فوقها الذي ليس كمثله شيء؛ وزعموا أيضا في الفناء وفساد العالم أنّه باجتماع الشموس الاثنتي عشرة التي تتناوب الآن في الشهور وإلحاحها على الأرض بالإحراق والتكليس ونشف الرطوبات والتيبيس ثمّ اجتماع انواع الأمطار الأربعة التي تتناوب الآن في الفصول حتى يجذبها المتكلّس بالسوق الى نفسه وينحلّ به ثمّ زوال النور وتسلّط الظلمة والعدم حتى يتهبّى ويتفرّق؛ وفي «مج بران»: انّ النار المحرقة للعالم خرجت من الماء وسكنت جبل «مهش» في «كش ديب» الى وقتئذ وسمّيت باسم ذلك الجبل؛ وفي «بشن بران» انّ «مهرلوك» فوق القطب وأنّ مدّة المقام فيه «كلب» لأنّ اللوكات الثلاثة إذا احترقت أذى من فيه الحرّ والدخان فارتفعوا وانتقلوا الى «جن لوك» وفيه أبناء براهم السابقون

للخلق وهم «سنك وسنند وسنندناد واسر وكبل وبود وبنج شك»؛ ومعلوم من ضمن هذه الحكايات انّ هذا الفناء في آخر كلب، ورأي أبي معشر في الطوفان عند اجتماع الكواكب مقتبس منها لأنّ هذا الشكل لها كائن في آخر كلّ «جترجوك » وفي أوّل كلّ «كلجوك» وإن لم يكن على غاية الكمال فلا جرم انّ الطوفان لا يكون ايضا لتمام الإبادة والإهلاك، وكلّما امعنّا في الأبواب ازدادت هذه المعاني انفتاحا وهذه الأسامي والألفاظ اتّضاحا وانشراحا، وحكى الإيرانشهريّ عن الشمنيّة ما يشابه هذه الخرافات انّ في جهات جبل «ميرو» اربعة عوالم تتناوبها العمارة والخراب، فخرابه يكون بتسلّط النار عليه عند طلوع شمس بعد شمس الى تمام سبع ييبس ماء العيون ويتمكّن النار المضطرمة من دخوله، وعمارته بخروجها عنه الى آخر، وإذا خرجت قوى الريح فيه وحملت السحاب وأمطرته حتى يصير بحرا ويتولّد من زبده صدف يتّصل بها الأرواح ويكون منها الناس عند نضوب الماء، وإنّ منهم من يرى أنّه يقع في ذلك العالم انسان من العالم الآخر ويستوحش فيه من وحدته ويتكوّن له زوج من فكرته ويبتدئ النسل منهما.

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «تحقيق ما للهند من مقولة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.