تجاوز إلى المحتوى

من «تحقيق ما للهند من مقولة» لأبي الريحان البيروني (ت ٤٤٠هـ)

لج- في أصناف اليوم ونهاره وليله

«اليوم» في العرف والعادة عندنا وعند الهند وغيرهم هو مدّة ما بين مفارقة الشمس نصف دائرة عظيمة الى عودها بحركة الكلّ الى ذلك النصف منها بعينه، واليوم ينقسم للعيان الى «نهار» هو مدّة كون الشمس ظاهرة لأهل مسكن على الأرض مفروض وإلى «ليل» هو مدّة كونها غائبة عنهم، والظهور والغيبة لا يكونان إلّا بالاضافة الى الأفق، ومعلوم أنّ أفق خطّ الاستواء ويسمّيه الهند «المملكة التي لا عرض لها» يقطع المدارات الموازية لمعدّل النهار بنصفين فلذلك يستوي فيها النهار والليل ابدا، وأنّ الآفاق التي تقاطع المدارات من غير ان تمرّ على قطبها تقسم الصغرى منها بقسمين غير متساويين فيختلف النهار لذلك وليله في مساكنها إلّا في وقتي الاعتدالين فإنّهما يعمّان جميع الأرض ما خلا «ميرو» و «بروامخ» في استواء النهار بها مع ليله حتى يشارك مساكنها حينئذ مساكن خطّ الاستواء ثمّ يباينها في غيرهما: ومبدأ النهار هو طلوع الشمس من الأفق ومبدأ الليل هو غروبها فيه، والنهار عند الهند مقدّم على ليله وهو الذي يتلوه، ولهذا سمّوه «سابن» أي يوما طلوعيّا وسمّوه ايضا «منوش هوراتر» أي يوم الناس لأنّ جمهورهم لا يعرفون غيره، وإذا علم هذا اليوم جعلناه أصلا لما عداه ومعيارا في تقدير ما سواه وقلنا: انّ الذي يتلو يوم الناس هو «بترين هوراتر» أي يوم الآباء الأقدمين لاعتقادهم في أرواحهم أنّها في فلك القمر، وهذا يوم يحصل

نهاره وليله بالنور والظلام دون الظهور والغيبة اللذين بحسب الآفاق، وذلك انّ ضوء القمر اذا كان في أعاليه نحوهم كان ذلك نهارا لهم وإذا كان الضوء في أسافله كان ليلا لهم، وظاهر انّ نصف نهارهم يكون وقت الاجتماع ونصف ليلهم هو الاستقبال، فيومهم اذن هو الشهر القمريّ كلّه ومبدأ النهار فيه هو منتصف الضوء في جرمه زائدا ومبدأ الليل هو منتصف الضوء في جرمه ناقصا، وذلك على سبيل الوجوب من نصفي النهار والليل وعلى سبيل التشبيه فإنّ انتصاف الضوء في القمر مماثل لطلوع نصف قرص الشمس من الأفق وغروب نصفه فيه، فنهار الآباء اذن هو من التربيع الأخير في الشهر الى التربيع الأوّل في الشهر الذي يتلوه وليلهم من التربيع الأوّل الى التربيع الثاني في الشهر الواحد بعينه ومجموعهما هو يومهم، وهكذا ذكره صاحب «بشن دهرم» جملة وتفصيلا وتحديدا ثمّ عاد بقلّة التحصيل فجعل نهار الآباء النصف الأسود من الشهر وهو من الاستقبال الى الاجتماع والنصف الآخر الأبيض ليلهم، والصواب في الموضوع هو ما تقدّم، وحتى انّ في موضوعهم التصدّق على الآباء يوم الاجتماع وصرّحوا بأنّ نصف النهار هو وقت التغذّي ولأجل ذلك تصل الصدقة اليهم في وقت اغتذائهم؛ ويتلو يوم الآباء «دبّ هوراتر» وهو يوم الملائكة، ومعلوم ان افق غاية العروض التي هي تسعون جزءا عند مسامتة القطب الرأس هو معدّل النهار بالتقريب لأنّه اسفل قليلا من الأفق الحسّيّ لموضع جبل «ميرو» من الأرض فأمّا لقلّته وما بينها وبين سفحه فيمكن ان يكون معدّل النهار نفسه وأن يسفل الأفق الحسّيّ عنه، وظاهر انّ منطقة البروج تنتصف بتقاطعها مع معدّل النهار فيقع نصفها فوق الأفق ونصفها تحته فما دامت الشمس في البروج الشماليّة الميل فإنّها تدور دورا رحاويّا لأجل موازاة المدارات اليوميّة الأفق كالمقنطرات، أمّا على من تحت القطب الشماليّ فظاهره فوق الأفق ولذلك يكون نهارا له، وأمّا على من تحت القطب الجنوبيّ فخفيّة تحت الأفق

ولذلك يكون ليلا له، فإذا انتقلت الشمس الى البروج الجنوبيّة دارت رحاويّة تحت الأفق فكان ليلا لمن تحت القطب الشماليّ ونهارا لمن تحت القطب الجنوبيّ، وتحت كلى القطبين مساكن «ديبك» أي الروحانيّين فنسب اليوم اليهم، قال «آرجبهد» الكسمبوريّ: انّ «ديو» يرون نصف سنة الشمس و «دانب» يرون نصفها الآخر و «بترين» يرون نصف شهر القمر والناس يرون نصف الآخر، فقد اشتملت دورة الشمس في فلك البروج على نهار وليل لكلّ واحد من ديو ودانب ومجموعهما يوم، فسنتنا اذن هي يوم «دب» وليس نهاره بمسا ولليله من جهة انّ الشمس تبطئ في النصف الشماليّ الميل حوالي اوجها فيكون النهار اوفر مقدارا، وليس يكافئه ما بين الأفق الحسّيّ وبين الأفق الحقيقيّ من التفاوت فإنّه في كرة الشمس غير محسوس به، وأيضا فإنّ سكّان ذلك الموضع عندهم مرتفعون عن وجه الأرض لأنّهم في جبل «ميرو»، والمعتقد لهذا الرأي يعتقد في علوّ هذا الجبل ما هو مذكور في موضعه وذلك العلوّ يوجب للأفق مقدارا من الانحطاط يتضاعف به زيادة النهار على الليل، ولولا انه خبر شرعيّ وغير متّفق عليه مع ذلك لاشتغلنا باستخراج ذلك المقدار الذي لا فائدة فيه: ومن عوامّ الهند من سمع ذكر النهار لهذا اليوم في الشمال والليل في الجنوب مع استعماله قسمي السنة بنصفي فلك البروج الصاعد من المنقلب الشتويّ منسوبا الى الشمال والهابط من المنقلب الصيفيّ منسوبا الى الجنوب فجعل نهار هذا اليوم في النصف الصاعد وليله في النصف الهابط وخلده في الكتب، ومثل صاحب «بشن دهرم» فإنّه قال:

انّ النصف الذي أوّله الجدي وهو نهار «آسر» وهم «دانب» وأوّل ليلهم برج السرطان بعد ان قال: انّ النصف الذي من اوّل الحمل نهار «ديو» ولم يفطن لأنّه لا يعرض عند القطبين سوى التبادل، لكنّ تحقيق العارف بالقصّة العالم بالهيئة يكون بمعزل عن هذه القضيّة، ويتلو يوم «دب براهم هوراتر» وهو يوم براهم،

وليس بمأخوذ من نور وظلام ولا من ظهور واكتتام وإنّما هو من موجب الطبيعة في المطبوعات بالحركة والسكون في النهار والليل، ومقدار يوم براهم من سنينا نصفه نهار يكون فيه الأثير بما فيه متحرّكا والأرض عامرة وتصاريف الكون والفساد على وجهها مستمرّة ونصفه ليل يكون الأمر فيه بخلاف ما في النهار والأرض غير متغيّرة لسكون المغيّرات وبطلان المحرّكات على مثال استراحة المطبوع بالليل وفي الشتاء وتجمّعه مستعدا للكون الجديد بالنهار وفي الصيف. وكلّ واحد من نهار براهم وليله «كلب» وهو الذي يسمّيه اصحابنا «سنى السند هند» وبعد هذا اليوم «بورش هوراتر» أي يوم النفس الكلّيّة ويسمّى «مها كلب» أي الكلب الأعظم فأمّا هم فلا يضعونه إلّا تقديرا للمدّة بما يقوم مقام الوقت من غير ان يفصّلوه بنهار أو ليل، ويتخيّل منه انّ نهاره هو مدّة تعلّق النفس بالهيولي وليله مدّة انفصالهما وجمام الأرواح وأنّ الحال الموجب لها التعلّق والاتّصال عائد عند تمام هذا اليوم، وفي كتاب «بشن دهرم»: أنّ عمر «براهم» هو نهار «بورش» ومثله ليله، وقد اتّفقوا في عمر «براهم» على مائة سنة من سنيه، وتركيب السنين عندهم من تضاعيف الثلاث مائة والستّين، وقد تقدّم مقدار يوم براهم، فسنته بسنينا ومائة سنة له بسنينا مثل ذلك بزيادة صفرين حتى يكون جملتها عشرة اصفار وذلك نهار «بورش» ويومه ضعف ذلك وهو، وفي «بلس سدّهاند»: انّ عمر براهم هو نهار بورش لكنّه ذكر ان نهار بورش هو «برارد كلبي»، وقد قالوا أيضا: انّ برارد كلبي هو نهار «كأ» اي النقطة عنوا بها العلّة الأولى العالية على جميع الموجودات، وذلك «كلب» موضوع في المرتبة الثامنة عشر من مراتب الحساب، فإنّ هذا

اسمها وتفسيره نصف السماء فضعف ما فيها يكون كلّ السماء فضعف ما فيها يكون كلّ السماء وهو اليوم كلّه، فيوم كأ اذن هو بعد اربعة وعشرين صفرا عن اليمين حتى يكون بسنينا، وهو اولى ان يكون للتوقيت دون تركيب العدد لأنّه لا محالة مأخوذ من التركيب والتحليل والايجاد والإعدام.

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «تحقيق ما للهند من مقولة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.