من «تحقيق ما للهند من مقولة» لأبي الريحان البيروني (ت ٤٤٠هـ)
لد- في ما يقصر عن اليوم من أجزائه المتصاغرة
هذه الأجزاء من أجل انّهم يتعسّفون في تدقيقها مختلف عندهم فيها اختلافا لا الى حدّ، فلا تكاد تطالعها من كتابين أو تسمعها من نفرين على حال واحدة، فمنها انّ اليوم ينقسم الى ستّين دقيقة يسمّى كلّ واحدة منها «كهري»، وقد ذكر في كتاب «سروذو» الذي لأوبل الكشميريّ: انّه اذا حفرت خشبة حفرا اسطوانيّا يكون قطر حفرها المستدير اثني عشر اصبعا وسمكه ستّة اصابع وسع ثلاثة امناء من الماء، فإن ثقب في اسفلها ثقة تسع ستّ شعرات مفتولة من شعر شابّة من النساء لا عجوز ولا صبيّة خرج الثلاثة الأمناء ماء منها في مدّة «كهري» واحد؛ ثمّ انّ كلّ دقيقة من اليوم تنقسم لستّين ثانية تسمّى كلّ واحدة منها «جشك» أو «جكك» وتسمّى ايضا «بكهتك»، وكلّ واحدة من هذه الثواني تنقسم لستّة اقسام يسمّى كلّ واحد منها «بران» أي نفس، وفي كتاب «سروذو» المذكور من تحديده: انّه نفس نائم قد رقد على حال اعتدل غير مريض ولا حاقن ولا جائع ولا ممتلئ ولا مشغول الفكرة بهمّ أو وجل، وذلك لأنّ الأعراض النفسانيّة التي من رغبة أو رهبة والجسدانيّة التي من خوى او امتلاء أو عارض مفسد للمزاج المحمود تغيّر نفس النائم، وسواء اخذ مقدار بران كما ذكرنا او أخذ في كلّ كهري ثلاث مائة
وستّين أو أخذ في كلّ درجة من درجات الفلك ستّين، وإلى هذا الموضع لا يختلفون في معنى وإن اختلفوا في الأسماء فإنّ «برهمكوبت» سمّى الثواني التي هي جشك «بناري»، وكذلك سمّاها «آرجبهد» الكسمبوريّ لكنّه سمّى دقائق اليوم ايضا «بناري» وكلاهما لم ينحطّا عن بران الموازية لدقائق الفلك، فإنّ «بلس» يقول: انّ دقائق الفلك التي هي مشابهة لأنفاس الانس المتوسّطة في وقتي الاعتدالين وعلى حال الصحّة فيدور من الفلك دقيقة ويمضي من الزمان مدّة نفس؛ ومنهم من وسّط فيما بين الدقائق وبين الثواني مقدارا سمّاه «كشن» وهو ربع دقيقة، وجعل كلّ واحد منه خمسة عشر قسما سمّى كلّ واحد «كل» وهو سدس عشر الدقيقة الذي هو «جشه» إلّا انه سمّى كل، وفي اسافل هذه القسمة ثلاثة أسام لم يختلف في ترتيبها، فأعلاها «نميش» وهو مدّة انفتاح العين طبعا فيما بين الطرفتين، وأوسطها «لب»، وأسفلها «توتي» وهو فرقعة السبّابة من باطن الإبهام عند إعجابهم بشيء واستحسانهم إياه فأما النسبة بينها فمتفاوتة جدّا لأنّ كثيرا منهم يزعمون أنّ كلّ اثنين من توتي هو لب وكلّ اثنين من لب نميش، ثمّ في عدد نميش الذي نجعله لما فوقه نوعا يختلفون فمنهم من يجعله خمسة عشر، ومنهم من يجعله ثلاثين، ومنهم من يجعل اعداد هذه الأسامي الثلاثة كلّ واحد ثمانية، وكذلك هي في «سروذو» واليه ذهب «شمّى» وهو من محصّلي منجّميهم، وزاد في الدّقة زاعما ان اسفل توتي اسم آخر وهو «انّ» وكلّ ثمانية منه توتي واحد، فأمّا فوق نميش فهو «كاشت »، و «كل»، امّا كل فقد قلنا: انّ بعضهم سمّى جشه به وجعله ثلاثين كاشت وكلّ كاشت خمسة عشر نميش وكل نميش اثنين من لب وكلّ لب اثنين من توتي، ومنهم من
جعل «كل» جزءا من ستّة عشر من دقيقة اليوم وكلّ واحد منه ثلاثين «كاشت» وكلّ كاشت ثلاثين من «نميش» وما تحته كما قلنا، وبعض جعل كلّ «جشه» ستّ نميش وكلّ نميش ثلاثة «لب»، وانقضى حديثه: وفي «باج بران»: انّ كلّ «مهورت» ثلاثون «كل» وكلّ كل ثلاثون كاشت وكلّ كاشت خمسة عشر نميش، ولم ينحطّ الى ما دونه، وليس الى تحقيق هذا المعنى سبيل، فالأجود ان نأخذ فيه بما ذهب اليه «اوبل» و «شمّى» من انقسام ما تحت «بران» بالأثمان فيكون في كلّ بران ثمانية نميش وفي كلّ نميش ثمانية لب وفي كلّ لب ثمانية «توتي» وفي كلّ توتي ثمانية «انّ» كما في هذا الجدول:
واليوم ايضا يقسم قسمة عاميّة لثمانية «برهر» اي نوب في الحراسة وفي بعض بلادهم بنكانات على الكهري مسوّاة يرصد بها مياه النوب الثمان، فإذا مصت نوبة وكهرياتها سبعة ونصف ضربوا بالطبل أو نفخوا في الحلزون الملتوي الذي
يسمّونه «شنك» وبالفارسيّة «سبيد مهره»؛ ورأيت ذلك ببلد «برشور»، وعليها وعلى القوام بها اوقات وجرايات؛ واليوم ايضا يقسم لثلاثين مهورتا وأمرها مشتبه فمرّة يظنّ بها انّها متساوية في التقدير اذا اضافوها الى الكهري وقالوا: كلّ كهريين فهو «مهورت» او إلى النوب فقالوا: كلّ «نوبة» فهي ثلاثة مهورت وثلاثة أرباع، وبذلك يجري امرها على مجاري الساعات المستوية، لكنّ عدد هذه الساعات يختلف في نهار كلّ مدار ذي ميل وليله فلذلك يظنّ بمهورت انّ مقداره في النهار غير مقداره في الليل، ثمّ اذا عدّوا اربابها انقلب الظنّ فإنهم في كلّ واحد من النهار والليل يجعلونها خمسة عشر، وبذلك يجري امرها على مجاري الساعات المعوجّة الزمانيّة، ويؤكّد ذلك عمل لهم في معرفة مهورت من اصابع ظلّ الشخص في الوقت اذا القى منه اصابع ظلّ نصف النهار وأدخل الباقي في الجدول الأوسط الذي نقلناه من شعرهم:
بل يصرّح مفسّر «سدّهاند بلس» بهذا الرأي الأخير وينكر على من يطلق القول في مقدار «مهورت»: انّه كهريان، زاعما انّ عدد «كهري» النهار يختلف في السنة وعدد مهورت لا يختلف، وإن كان يكذّب نفسه في تعليل مقدار مهورت، وإنّه انّما جعل سبع مائة وعشرين برانا لأنّ النفس مركّب من «آبان» وهو جذب الهواء ومن «بران» وهو إرساله، ويسمّيان ايضا «نشاس» و «اوشاس»، لكنّ احدهما اذا ذكر تضمّن الآخر كالليالي في ذكر الأيّام اذا ذكرت، فهو هو
ثلاث مائة وستّون جذبا ومثلها ارسالا، ولهذا اقتصر في مقدار كهري بأحد النوعين فجعل ثلاث مائة وستّين نفسا مطلقا، ومتى كان مهورت مقدّرا بالأنفاس كان على معايير كهري والساعات المستوية، لكنّه يأبى ذلك ويخاصم مخالفيه الذين يزعمون ان مهورت انّما يكون للنهار خمسة عشر اذا كان العادّ لها على خطّ الاستواء او كان في وقتي الاستوائين على غير خطّ الاستواء بأنّ «ابجتي» يقع على نصف النهار وابتداء النصف الآخر فلو كان عدد مهورت في النهار مختلفا لكان عددها للاسم المذكور لنصف النهار مختلفا، وقد قال «بياس» في مولد «جذشتر»: انّه كان في النصف الأبيض نصف النهار في مهورت الثامن، فإن ظنّ الخصم من ذلك انّه كان يوم الاعتدال فقد قال فيه «ماركنديو»: انّه كان على تمام البدر من شهر «جيرت»، وهذا عن وقت الاعتدال بعيد، وقال بياس ايضا في مولد «باسديو» أنّه كان في «آبجتي» عند مضيّ شباب الليل وانتصافه في ثامن النصف الأسود من شهر «بهادربت» وذلك أيضا بعيد عن وقت الاعتدال: وقال «بسشت»: ان في آبجتي قتل «باسديو» «ششبال» ابن اخت «كنس»، وزعموا في قصّته انّه كان ولد بأربع أيد ونوديت أمّه من العلو «ان قاتله من اذا مسّه سقطت يداه الزائدتان» فأخذوا يضعونه في حجر كلّ من حضر فلمّا مسّه باسديو سقطت يداه كما قيل، فقالت له الخالة: انت لا شكّ قاتل ولدي، قال باسديو وهو في عدد الصبيان: لست فاعلا ذلك الّا ان يستحقّه بجرم يتعمّده ولا اؤاخذه الّا بعد ان يتجاوز سيّئاته عشرا، وبعد زمان كان «جذشتر» في عمل قربان للنار وقد حضره كلّ مذكور فاستشار «بياس» في ترتيب الحاضرين وما يستحق المقدّم عندهم من تقريب الماء والورد في طست اليه، فأشار بتقديم باسديو وكان ابن خالته حاضرا فأخذ في العربدة وأنّه احقّ بالإكرام من باسديو، وتجاوز الفخر الى
التناول من والد باسديو، فأشهد الناس على سوء ادبه وتركه الى ان طال الأمر وجاوز العدد العشر، فأخذ الطست حينئذ ورماه به على هيئة رميهم الجكر من الأسلحة وحزّ رأسه، فهذا حديث المذكور؛ وليس المحتجّ بما وصفنا بنجيح في حجته إلّا بعد ان يصحّح انّ آبجتي يقع على نصف النهار ويقع ايضا على نصف الثامن «مهورت» سواء، فإنّه اذا لم يفعل فلمهورت عرض في المدّة مع قلة اختلاف الأيّام والليالي بأرض الهند يحتمل ان يكون نصف النهار في الأوقات البعيدة عن الاعتدالين على احد طرفي ثامن «مهورت» ويكون في ضمنه، ومن الدليل على سوء تحصيل المحتجّ انّه حكى في جملة حججه عن «كرك» قوله:
انّ الظلّ يعدم في «آبجتي» خطّ الاستواء فإنّ ذلك لا يكون فيه الّا في يومي الاعتدالين فقط بل لو كان كذلك ابدا فما له فيما هو فيه من ذلك، فأمّا ارباب مهورت فإنّها في هذا الجدول:
وليس يستعمل الساعات من الهند الّا منجّموهم في أرباب الساعات التي هي سبب ارباب الأيّام، ويكون ربّ اليوم ربّ الليل ايضا لا يفصلون النهار منه ولا يذكرون الليل اصلا، ثم يرتّبون الأرباب في الساعات المستوية، واسم الساعة «هور» فيفتح هذا الاسم استعمال الساعات المعوجّة وذلك انّ انصاف البروج التي نعرفها بالنيمبهر يسمّونها ايضا هور، وكان ذلك من جهة انّ طوالع كلّ واحد من النهار والليل يكون ستّة بروج ابدا، وإذا كانت الساعة موسومة باسم نصف البرج كانت الساعات في كلّ واحد من النهار والليل اثنتي عشرة فهي اذن في ارباب الساعات معوجّة كما تستعمل في بلادنا وتوسم في الاسطرلابات لأجلها؛ ويؤكّد ذلك قول «بحيانند» في «كرن تلك» اي غرّة الزيجات حين ذكر معرفة ربّ السنة والشهر: وأمّا «هوراتبت» اي ربّ الساعة فاجعل ما طلع منذ الغداة الى درجة الطالع دقائق كلّه وأقسمها على تسع مائة فما خرج فعدّة من ربّ اليوم على
ترتيب الأفلاك الى السفل فتنتهي الى ربّ الساعة، وكان يجب ان يقول: فما خرج فزد عليه واحدا ثمّ عدّة من ربّ اليوم، ولو قال: خذ ما طلع من الأزمان، لآل الأمر الى الساعات المستوية؛ وأيضا فللساعات المعوجّة عندهم اسام قد وضعناها في هذا الجدول، ونظنّ انّها من «سروذو»:
وقد ذكر في كتاب «بشن دهرم» في جملة الناكات وهي الحيّات حيّة تسمّى «ناك كلك»، ولها في ساعات الكواكب اقسام معلومة منحوسة يضرّ ما يؤكل فيها
ولا ينفع، والمتعالجون فيها بالسموم لا ينجحون بل يموتون ويهلكون، ولا ينفع فيها رقية الراقي من اللسع فإنّ الرقي تكون بذكر «كرر» وفي تلك الأوقات المشؤومة لا ينفع اللقلق نفسه فضلا عن ذكره؛ وهذه تلك الأوقات على أنّ الساعة منقسمة بمائة وخمسين قسما:
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع