من «تحقيق ما للهند من مقولة» لأبي الريحان البيروني (ت ٤٤٠هـ)
كط- في تحديد المعمور من الأرض عندهم
في كتاب «بهوبن كوش» الرش: انّ الأرض المعمورة من «هممنت» نحو الجنوب وتسمّى «بهارث برش»، سمّيت باسم رجل بهارث كان يسوسهم ويمونهم، وأهل هذه المعمورة هم الذين يقع عليهم الثواب والعقاب دون غيرهم، وتنقسم هذه المعمورة تسعة أقسام تسمّى «نوكند پرثم» أي التسع القطع الأول، وفيما بين كلّ اثنتين من تلك القطع بحار يعبر فيها من واحد إلى آخر، وعرض المعمورة من الشمال إلى الجنوب ألف «جوزن»، فإشارته هاهنا إلى هممنت هي إلى الجبال التي في الشمال عند منقطع العمران من البرد والعمارة ضرورة في جنوبها، وإشارته إلى أهلها أنّهم هم المكلّفون دليل على زوال التكليف عن غيرهم، وزواله لا يكون إلّا بالارتفاع عن الإنسيّة إلى رتبة الملائكة الذين هم ببساطة جواهرهم ونقاء طباعهم لا يعصون أمرا ولا يسأمون العبادة أو بالانحطاط عنها إلى رتبة البهائم التي لا تعقل، فليس ممّا عدا المعمورة إذن أحد من الناس، وليس بهارث برش أرض الهند فقط كاعتقاد الهند فيها أنّها الدنيا وأنّهم الناس فقط فليس تخترق أرضهم بحر تميّز به فيها قطعة عن قطعة، ولا يذهب في القطع إلى الديبات فقد صرّح بأنّ تلك البحار يعبر فيها من جانب إلى جانب، ولزم من قوله أنّ أهل الأرض كلّهم والهند في لزوم التكليف شرع واحد، وإنّما سمّيت هذه القسمة «پرثم» أي أوّل لأنّهم يقسمون أرض الهند بها أيضا وحدها فتكون
قسمة المعمورة أولى وهذه ثانية، ومنجّموهم يقسمون كلّ مملكة بها فتكون قسمة ثالثة، وذلك عند نظرهم في مواقع المناحس والسعادات منها؛ وفي «باج پران» مثل ما حكيناه وهو قوله: إنّ وسط «جنب ديب» يسمّى «بهارث برش» ومعناه الذين يقنتون ويتقوّتون، ويكون عندهم الجوكات الأربعة ويلزمهم الثواب والعقاب، و «هممنت» شماليّ عنه، وهو مقسوم بتسعة أقسام فيما بينها بحار مسلوكة وطوله تسعة آلاف «جوزن» وعرضه ألف جوزن، ولأنّه يسمّى أيضا «سمنار» فإنّ من يملكه كلّه يسمّى باسمه سمنار، وصورة أقسامه التسعة هكذا:
ثمّ يأخذ في صفة الجبال التي في القطعة المتوسّطة بين المشرق والشمال والأنهار التي تخرج منها صفة لا يتعدّاها فيوهم أنّ تلك القطعة هي المعمورة، وتناقض بقوله في موضع آخر: إنّ «جنب ديب» هو الواسطة في «نوكند پرثم» وسائرها في الجهات الثمان وفيها الملائكة والناس والحيوان والنبات، فكأنّه يشير إلى
الديبات هاهنا، وإذا كان عرض المعمورة ألف «جوزن» وجب أن يكون طولها بالتقريب ألفين وثمان مائة جوزن بالتقريب، ثمّ ذكر ما في كلّ جهة من البلاد والنواحي، وسنذكرها في الجداول معما ذكر غيره فإنّ ذلك أسهل فيها، وقد قلنا فيما تقدّم: إنّ القطعة التي فيها العمارة تشبّه بالسلحفاة من جهة استدارة حافّاتها ومن جهة بروزها عن الماء وإحاطة الماء بها ومن جهة الانحداب في سطحها الكريّ، ويجوز أن يكون من جهة أنّ منجّميهم يقسمون الجهات على المنازل فتنقسم البلاد عليها ويصير الشكل مشابها للسلحفاة ولذلك سمّي «كورم جكر» أي دائرة السلحفاة أو شكلها، وهكذا هو في كتاب «سنكهت براهمهر»:
وقد سمّى «براهمهر» كلّ قسم في «نوكند» «برك»، قال: وبها ينقسم «بهارث برش» أي نصف الدنيا بتسعة أقسام أوّلها الواسطة ثمّ المشرق ثمّ يمرّ نحو الجنوب ويدور كلّ الأفق، ويدلّ على أنّه قصد أرض الهند وحدها قوله: إنّ لكلّ برك ناحية يقتل ملكها إذا حلّتها النحوس، فللأوّل الذي هو الواسطة ناحية «پانجال» وللثاني «مكد» وللثالث «كلنك» وللرابع «أفنت» وهو «أوجين » وللخامس «أننت» وللسادس السند و «سوبير » وللسابع «هارهور» وللثامن «مدر» وللتاسع «كولند»، وهذه كلّها نواحي أرض الهند دون غيرها، فأمّا أسماء البلاد فأكثرها غير ما تعرف به الآن، وقد فسّر «أوپل» الكشميريّ كتاب «سنكهت» فقال في هذا الباب: إنّ أسماء البلاد تتغيّر وخاصّة في الجوكات فإنّ «مولتان» كانت تسمّى «كاشّب پور» ثمّ سمّيت «هنس پور» ثمّ «بك پور» ثمّ «سانب پور» ثمّ «مولستان» أي الموضع الأصليّ فإنّ «مول» هو الأصل و «تان» هو الموضع، وأمر الجوك مديد الزمان ولكنّ الأسماء سريعة التغيّر عند استيلاء قوم على الموضع غرباء مخالفي اللغة فإنّ ألسنهم ربّما تتلجلج فيها فيحيلونها إلى لغتهم كعادة اليونانيّين ويأخذون بالمعنى فتتغاير الأسامي ألا ترى أنّ الشاش هو مأخوذ من أسمه بالتركيّة وهو «تاش كند» أي قرية الحجارة وهكذا اسمه في كتاب جاوغرافيا «برج الحجارة» فهكذا تختلف إذا عبّروا عنها بمعانيها أو يقلبونها إلى ما يسهل عليهم من الحروف والألفاظ كفعل العرب في تعريب الأسامي فتصير ممسوخة مثل «پوشنك » في كتبهم إيّاها «فوسنج» ومثل «سكلكند» فإنّه في دواوينهم «فارفز»، وما أبعد الأمر وأطمّ بل قد نجد اللغة الواحدة بعينها في أمّة واحدة بعينها تتغيّر فيصير فيها أشياء غريبة لا يفهمها إلّا الشاذّ وذلك في سنين بسيرة ومن غير أن يعرض لهم شيء يوجب ذلك، على أنّ الهند يقصدون تكثير الأسامي واستعمال الاشتقاق فيها ويفتخرون بها، فأمّا ما ذكر في «باج پران» من أسامي
البلاد ففي الجهات الأربع فقط وما في «سنكهت» فهو للجهات الثمان، وحال جميعها الحال الذي تقدّم وهي في هذه الجداول:
وأمّا منجّموهم فقد حدّوا طول المعمورة بلنك في وسطها على
خطّ الاستواء و «زمكوت» في مشرقها و «رومك» في مغربها و «سدّبور» في مقاطرتها، ودلّ ما ذكروه من أمر الطلوع، والغروب فيها على أنّ بين زمكوت وبين الروم نصف دور، وكأنّهم عدوّا بلاد المغرب من جملة الروم لتقابلهما على الساحلين وإلّا فبلاد الروم ذوات عروض وفي الشمال ممعنة وليس منها شيء يسير العرض فضلا عن أن يكون على خطّ الاستواء كما ذكروا، وقد فرغنا من ذكر «لنك» فأمّا زمكوت فهو في الموضع الذي يذكر يعقوب والفزاريّ أنّ في البحر فيه مدينة تسمّى «تاره»، ولم أجد لهذا الاسم في كتب الهند أثرا بتّة. ولأنّ «كوت» اسم القلعة و «زم» هو ملك الموت فإنّه يراح منها روائح «كنكدز» الذي يذكر الفرس أنّ «كيكاوس» أو «جم» بناه في أقاصي المشرق وراء البحر وأنّ «كيخسرو» عبر إليه في أثر «فراسياب» التركي وإليه ذهب وقت التزهّد والخروج من الملك، وذلك لأنّ «دز» بالفارسيّة اسم القلعة وعلى هذا الموضع وضع أبو معشر البلخيّ زيجه؛ وأمّا سدّبور فلا أدري من أين استخرجوه، ولا يخالفوننا في أنّ وراء نصف الدور المعمور بحار غير مسلوكة؛ وأمّا في العرض فلم ينته إلى منهم قول في تحديده. والقول بأنّ طول المعمورة نصف دور من الآراء الشائعة فيما بين اهل الصناعة وإنّما تختلف فيه من جهة المبدأ، فرأي الهند إذا اعتبر من جهة ما هو معلوم عندنا وهو بلد «اوجين» الذي وضعوه على الربع من النهاية الشرقية، وحدّ تتمّة الربع الثاني قبل انقطاع العمارة في جهة المغرب، كما سنذكر ذلك فيما بين الطولين، ورأي المغربيّين على نوعين أحدهما مأخوذ من ساحل البحر المحيط وتتمّة الربع منه تكون حول «بلخ» ولذلك لمّا جمع فيه ما لا يجتمع صيّر الشبورقان، واوجين على نصف نهار واحد، وهيهات لما لا يتحقّق،
والرأي الآخر من جزائر السعداء وتمام الربع منه يكون حول «جرجان» و «نيسابور» وكلا النوعين بمعزل عن رأي الهند، وسيتّضح ذلك فيما بعد و إن نسأ الله في الأجل أفردت لطول «نيسابور» مقالة باحثة عن ذلك.
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع