من «تحقيق ما للهند من مقولة» لأبي الريحان البيروني (ت ٤٤٠هـ)
ل- في ذكر «لنك» وهو المعروف بقبّة الأرض
إنّ منتصف العمارة في الطول على خطّ الاستواء يعرف عند المنجّمين بقبّة الأرض، والدائرة العظيمة الخارجة إليها من مسامتة القطب تسمّى نصف نهار القبّة، ومهما كانت الأرض على شكلها الطبيعي لم يستحقّ منها موضع دون موضع اسم القبّة إلّا أن يكون تشبيها من جهة تساوي بعد نهايتي العمارة عنها في جهتي الشرق والغرب كتساوي أبعاد الذيول من رأس الخيمة أو القبّة ولكن الهند لا يستعملون فيها لفظا يقتضي في لغتنا معنى القبّة وإنّما يزعمون أنّ لنك فيما بين نهايتي المعمورة عديم العرض وهو الذي تحصّن فيه «راون» الشيطان حين اختطف امرأة «رام بن دشرت» وحصنه الملتوى يسمّى «ثنكت برد» وهو الذي يسمّى في ديارنا «جاون كث» وربّما نسب إلى «رومية» وأعني به هذا الذي صورته:
وإنّ «رام» عبر البحر إليه بأنّ سدّه مائة «جوزن» بجبل في موضع سمّي «سيت بند» أي قنطرة البحر وهو عن شرق «سرنديب» وقاتله وقتله وقتل أخوه أخاه على ما هو موصوف في قصّة «رام» وراماين» ثمّ قطع السدّ بالرشق في عشرة مواضع،
فيزعمون أنّ «لنك» قلعة الشياطين وارتفاعها عن الأرض ثلاثون جوزنا يكون ذلك ثمانين فرسخا وطولها من الشرق إلى الغرب مائة «جوزن» وعرضها من الشمال الى الجنوب مثل ارتفاعها، وبسببها وبسبب جزيرة «بروامخ» يتشاءمون بجهة الجنوب ولا يعملون فيها شيئا من أعمال البرّ ولا يخطون فيها خطوة نحوها وإنّما يجعلونها لأعمال الشرّ؛ وعلى الخطّ الذي عليه الحسابات النجوميّة فيما بين «لنك» وبين «ميرو» على السمت المستقيم مدينة «أوجين» في حدود «مالوا»،
وقلعة «روهيتك» بالقرب من حدود المولتان وهي الآن خربة، ويمرّ على «كركيتر» وهي برّيّة «تانيشر» في واسطة ممالكهم وعلى نهر «جمن» الذي عليه بلد «ماهوره» وعلى «هممنت» الجبال التي تدوم الثلوج عليها وخروج أنهارهم منها، ووراء ذلك جبل ميرو ومدينة اوجين» وهي التي تذكر في جداول البلدان «ازين» على البحر وإنّما بينها وبين الساحل قريب من مائة جوزن، وليس أيضا كما ظنّه من لا يميز من منجّمينا انّها على نصف الشبورقان التي هي من كور الجوزجان فإنّها شرقيّة عن هذه الكورة بأزمنة من معدّل النهار كثيرة، وإنما يختلط أمرها عند من يخلّط الآراء المختلفة في مبادئ طول المعمورة في جهتي المشرق والمغرب ولا يهتدي لتمييزها؛ ولم يخبرنا أحد ممّن جال البحر حول الموضع المشار إليه لهذه القلعة وسافر على سمته بخبر منها يطابق أخبارهم أو يشابهها حتى تصير بالسمع أقرب الى الإمكان، بل يخيّل إلىّ من اسم «لنك» شيء آخر وهو أنّ القرنفل يسمّى «لونك» بسبب أنّه يجلب من أرض تسمّى لنك» والمتّفق عليه عند البحريّين أن المراكب تجهّز إليها ثمّ يحمل في القوارب ما اعدّ لها من الدنانير المغربيّة العتق ومن السلع كالفوط والملح وما جرى به الرسم ويصبّ في الساحل على أنطاع مكتوب عليها اسماء أربابها ويتنحّى عنها نحو المراكب فإذا كان كالغد وجد القرنفل على الأنطاع بدل الأثمان بحسب سعته عندهم بالكثرة وضيقه بالقلة، فيقال: إنّ هذه المبايعة مع الجنّ ويقال مع اناس متوحّشين؛ ويعتقد الهند المقاربون لتلك البقاع في الجدريّ أنّها ريح تنزعج من جزيرة لنك نحو البلاد لاستلاب الأرواح، وحكى أنّ منهم من ينذر بانزعاجها قبل كونه ثمّ يوقّت بلوغها بقعة بعد بقعة، وإذا ظهر الجدريّ عرفوا بعلامات لها كيفيّتها أسليمة هي أم مهلكة واحتالوا للمهلكة حتى تفسد عضوا واحدا بدل الروح ويتداوون منها بالقرنفل سقيا
مع برادة الذهب وشدّ الذكران القرنفل الشبيه بنوى التمر على الأعناق حتى أنّه لا يخرج من عشرة منها إلّا واحدة، فيخطر بالبال أنّ لنك الذي يذكره الهند وإن لم يكن على صفاتهم هو هناك، ثمّ لا يسلك إليه فإنّه يقال: إنّه إن تخلف من التجار في هذه الجزيرة أحد لم يوجد له بعد ذلك أثر، وممّا يقوّى الظن أنه ذكر في كتاب «رام وراماين» أنّ وراء السند المذكور قوما يأكلون الناس، ثمّ من المعلوم عند أهل البحر أنّ سبب توحّش أهل جزيرة «لنكبالوس» هو أكلهم الناس.
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع