تجاوز إلى المحتوى

من «تحقيق ما للهند من مقولة» لأبي الريحان البيروني (ت ٤٤٠هـ)

مو- في «ناراين» ومجيئه في الأوقات وأسمائه

ناراين عندهم قوّة من القوى العالية غير قاصدة الإصلاح بالأصلح ولا الافساد بالفساد وإنّما هي دافعة للفساد والشرّ بما أمكن، والصلاح عندها مقدّم على الفساد فإن لم يطّرد ولم يمكن فبالفساد الذي لا بدّ منه، كفارس توسّط زرعا، فإنّه إذا راجع نفسه وتخرّج ورام الخروج من رداءة فعله لم يتمكّن من مرامه إلّا بصرف الدابّة الى الوراء والخروج من حيث دخل وفي خروجه من الفساد مثل ما كان في دخوله وأكثر ولا وجه للتلافي غير ذلك، ولا يميّزون بينها وبين العلّة الأولى، وقد يكون لها في العالم حلول بشبه أهله من التجسّم والتبدّن والتلوّن اذ لا يمكن غير ذلك؛ فمن مرّات مجيئه عند انقضاء «منّنتر» الأوّل لانتزاع رئاسة العوالم من «بالكل» الذي سمّا لها وأراد تناولها، فإنّه جاء وسلّمها الى «شتكرت» الذي يتمّ القرابين مائة وجعله اندرا، ومنها مجيئه عند انقضاء المنّنتر السادس التي فيها دمّر على الملك «بل بن بيروجن» الذي استوزر الزهرة وملك الدنيا، فإنّه لمّا سمع من أمّه فضل أيّام أبيه على أيّامه اذ كان الى أوّل «كريتاجوك» أقرب والناس في الراحة أغرق ومن التعب أبعد هزّته الهمّة على التنافس في ذلك، فأخذ في أعمال البرّ وبثّ الأعطية وتفريق الأموال وتقريب

القرابين التي يستحقّ عند استتمام مائة منها رئاسة الجنّة والعالم، فلمّا قارب التمام أو كاد بالفراغ من تسعة وتسعين منها أشفق الروحانيّون على مكانتهم وعلموا أنّ ما لهم من الناس منقطع اذا استغنوا عنهم، فاجتمعوا الى «ناراين» مستصرخين به، فأجابهم الى ملتمسهم ونزل الى الأرض في صورة «بامن» وهو الإنسان الذي يقصر يداه ورجلاه عن مقدار بدنه حتى يستسمج لذلك هيئته، وجاء الى «بل» الملك وهو في عمل القربان والبراهمة عنده حول النيران والزهرة وزيره بين يديه وقد فتحت الخزائن وصيبت الجواهر صبرا للصلات والهبات والصدقات، فأخذ بامن كالبراهمة في قراءة «بيذ» من الموضع الذي يسمّى الآن «سام بيذ» بلحن شج مطرب هزّ الملك على السخاوة له مما اراد واقترح،؟؟؟ سارّته الزهرة بأن هذا ناراين قد جاء لاستلاب ملكك فلم يحفل بقولها لشدّة طربه وسأله عمّا يريد فقال: مقدار أربع خطوات من ملكك اتعيّش فيها، فقال: اختر ما تريد وكيف تريد، وطلب الماء ليصبّه على يده فينفذ بذلك ما أمر به، وهو رسم لهم، ودخلت الزهرة الإبريق لشدّة محبّتها للملك وسدّت بلبلته لئلّا تخرج الماء فتحبس ثقبة البلبلة بحشيشة خاتم البنصر، وعور عين الزهرة ونحاها فسال الماء، وخطا بامن واحدة الى المشرق وأخرى الى المغرب وثالثة الى فوق بلغت «سفر لوك»، ولم يبق للرابعة من الدنيا موضع فاسترقّه بها ووضع رجله بين كتفيه لسمة الاستعباد وغوّصه في الأرض حتى ساخ الى «پاتال» أسفل السافلين، وأخذ العوالم منه وسلّم الرئاسة الى «پرندر»: وفي «بشن پران»: أنّ «ميتري» الملك سأل «براشر» عن الجوكات، فأجابه: أنّها ليشغل «بشن» فيها نفسه، فيجيء في «كريتاجوك» في صورة «كبل» مجرّدا للعلم وفي «تريتاجوك» في صورة «رام» مجرّدا للشجاعة وقهر الأشرار وحفظ اللوكات الثلاثة بقوّة وغلبة

والإحسان اليها وفي «دوابر» في صورة «بياس» ليجعل «بيذ» ارباعا ويفرّعه تفريعا، وفي آخر دوابر على صورة «باسديو» لإفناء الجبابرة وفي «كلجوك» على صورة «كل بن جشو» البرهمن لقتل الكلّ وإعادة الدور في «جوك»، فهذا شغله، وفي موضع آخر من هذا الكتاب: أنّ بشن وهذه عبارة عن «ناراين» أيضا يجيء في آخر كلّ دوابر لتربيع بيذ من جهة ضعف الناس وعجزهم عن مراعاة كلّه، ويكون في مجيئاته على صورة بياس، وإن اختلفت اسماؤه وأوردها في الجترجوكات الماضية من هذا المنّنتر السابع فوضعناها في جدول:

و «كرش دبيباين» هو «بياس بن براشر»، والتاسع والعشرون مستقبل لم يكن بعد، وفي كتاب «بشن دهرم»: أنّ أسماء «هر» وهو «ناراين» تختلف في الجوكات، فتكون: «باسديو، سنكرشن، بردّمن، آنردّ»، وأظنّ أنّه لم يراع فيها الترتيب فإنّه في آخر الجوكات الأربع كان «باسديو»؛ وفيه أيضا: أنّ ألوانه تختلف فيها، فيكون في «كريتاجوك» أبيض وفي «تريتاجوك» أحمر وفي «دوابر» أصفر وهو أوّل تجسّمه في صورة انسان وفي «كلجوك» أسود، وهذه الألوان كألوان القوى الثلاث الأول فإنّهم يزعمون أنّ «ست» بيضاء مشفّة و «رج» حمراء و «تم» سوداء؛ ونحن نذكر بعد هذا حال مجيئه الأخير.

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «تحقيق ما للهند من مقولة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.