تجاوز إلى المحتوى

من «تحقيق ما للهند من مقولة» لأبي الريحان البيروني (ت ٤٤٠هـ)

مز- في ذكر «باسديو» وحروب «بهارث»

انّ العالم معمور بالحرث والنسل، وكلاهما متزايدان على الأيّام والتزايد غير محدود والعالم محدود، ومهما ترك التزايد ووتيرته في نوع واحد من النبات والحيوان وكلّ منهما لا يكون ولا يفسد مرّة ولكنّه يولد مثله بل امثاله مرّات استولت نوع شجرة واحدة او نوع حيوان واحد على الأرض ما وجد للانتشار والنشر موضعا، والزرّاع يتنقّى زرعه فيترك فيه ما يحتاج اليه ويقلع ما عداه، والناطور يترك من الأغصان ما يعرف فيه النجابة ويقلم ما سواه، بل النحل يقتل من جنسه من يأكل ولا يعمل في كوّارته، والطبيعة تفعل كذلك ولكنّها لا تميّز لأنّ فعلها واحد، فنفسد من الشجر ورقها وثمرها وتمنعها عن الفعل المعدّ لها فتزيحها، كذلك الدنيا اذا فسدت بكثرة او كادت ولها مدبر وعنايته بالكلّيّة في كلّ جزء منها موجودة فإنّه يرسل اليها من يقلّل الكثرة ويحسم موادّ الشرّة؛ ومن ذلك على ما يزعم الهند «باسديو» فإنّه ورد في المرّة الأخيرة على صورة الانس مسمّى بباسديو حين كثرت الجبابرة في الأرض وامتلأت من الظلم حتى كانت تميد من الكثرة وترتجّ من شدّة الوطأة، فولد ببلد «ماهوره» لبسديو من اخت «كنس» واليه حينئذ، وهم من جنس «جتّ» اصحاب المواشي وطيئه «شودر»، وكان عرف كنس انّ هلاكه من جهته بنداء سمعه وقت عرس اخته فوكلّ بها من يحمل اليه

احمالها إذا وضعت، وكان يقتل ذكرها وأنثاها الى أن ولد لها «بلبهدر» فأخذها «جسو» زوجة «نند» البقّار وربّته واحتالت لاخفاء امره على الموكّلين، ثم ولد لها بعده في البطن الثامن «باسديو» في ليلة مطيرة كانت ثامن النصف الأسود من «بهادربت» والقمر في منزل «روهنى» في الطالع، فغفل الحرّاس بنوم أثقلهم وسرقه ابوه وحمله الى «نندكول» اي موضع مربط البقر الذي لنند زوج «جسؤ» وهو قريب من «ماهوره» وبينهما نهر «جون» وأبدله بابنة لنند كان اتّفق ولادتها وقت بلوغ باسديو اليهم، وحمل الابنة الى الحرّاس بدل الابن، فأراد «كنس» الوالي قتلها فطارت في الهواء وذهبت، وتربّى باسديو في يد جسو المرضعة في غير ان تعلم انّه بدل ابنته واطّلع كنس على امره، فكاده بكلّ كيد ومكر رجعت كلّها عليه حتى طلبه من ابويه للصراع بين يديه، فأناف في فعله على الجميع بعد ان فعل في الطريق ما اغاظ به الخالة من قهر حيّة كانت موكلّة بحفظ «نيلوفر» حوضه وزمّها في منخريها، ومن قتل قصّاره لمّا امتنع من اعارته ثيابا للمصارعة، ومن سلب الصندل صاحبته الموكّلة بتضميخ المصارعين به، ثمّ قتل الفيل المغتلم المهيّأ لقتله على بابه، وبلغ من عمل الغيظ في كنس ان انشقّت مرارته وهلك لوقته، وملك باسديو ابن اخته مكانه، وله في كلّ شهر اسم، وتبعه يفتتحونها بشهر «منكهر» وباليوم الحادي عشر من كلّها فإنّ خروجه كان فيه:

ثمّ امتعض لذلك صهر الميّت ودلف الى «ماهوره» واستولى على ملك «باسديو» وأجلاه الى البحر، وظهرت له قلعة «باروى» ذهبيّة بقرب الساحل فسكنها؛ وكان اولاد «كورو» على بني العمومة، وأضافهم وقامرهم فقمرهم جميع ما ملكوا حتى بلغ الأمر ان شرط عليهم الانجلاء عن الوطن بضع عشرة سنة والاختفاء في آخرها بحيث لا يعرفهم احد، وإنّهم ان لم يفوا لزمهم المعاودة مثل تلك السنين، ففعلوا

الى ان حان وقت بروزهم، وأخذ كلّ واحد من الفريقين في الاحتشاد والاجتهاد في الاستنجاد حتى اجتمع في برّيّة «تانيشر» من الجموع ما لا يكاد يحصى، وكانوا ثمانية عشر «اكشوهني»، واستنجد كلّ واحد من الفريقين باسديو فعرض نفسه وحده او أخاه «بلبهدر» مع الجيش، فآثره اولاد «باندو»، وهم خمسة:

«جذشتر» رئيسهم و «ارجن» اشجعهم و «سهاديو» و «بهيمسين» و «نكل»، ومعهم سبعة اكشوهني وخصومهم اقوى، لولا حيل باسديو وتعليمه ايّاهم ما يحصل لهم به الظفر حتى تفانت تلك الجماهير ولم يبق غير الإخوة الخمسة، فانصرف حينئذ باسديو الى مركزه ومات هو وقبيلته المعروفة، بجادو والإخوة الخمسة قبل تمام السنة وحؤول الحول على الفراغ من تلك الحروب؛ امّا باسديو

فإنّه جعل بينه وبين ارجن اختلاج العضد والعين اليسريين علامة لحدوث حادثة به، وكان في ذلك الزمان رش زاهد يسمّى «درباسه» وإخوة باسديو وقبيلته شطّار مجّان، فاستبطن احدهم تحت ثيابه مقلاة حديد وسأل الزاهد عن حبله ساخرا به، فقال في بطنك ما هو سبب هلاكك وهلاك جميع اهلك، وسمع «باسديو» ذلك فاغتمّ له لمعرفته بصدق قوله، وأمر بأن يسحل ذلك المقلي بالمبرد ويلقى في الماء، ففعل ذلك، وبقيت بقيّة استنزرها من تولّي ذلك وألقاها كما هي؛ فابتلعتها سمكة صيدت ووجدها الصيّاد في بطنها، فاستصلحها لسهمه نصلا، ولمّا حان الوقت المقدّر كان باسديو في الساحل نائما تحت ظلّ شجرة وإحدى رجليه فوق الأخرى فظنّه الصائد ظبيا ورماه فأصاب قدمه اليمنى، وكانت الجراحة سبب موته، واختلج يسار «ارجن» فعضده، وأوصاه اخوه «سهاديو» ان لا يمكّنه من العناق لئّلا يستلب قوّته، فأتاه وهو لما به لم يمكّن من عناقه، فطلب قوسه وناولها اياه فجرّب بها قوّته، وأوصاه في جسده وأجساد قبيلته بالإحراق وفي نسائه بأن يحملهم من القلعة ومات؛ وأمّا البرادة فإنّها انبتت برديّا وجاء «جادو» إليها وشدّوا منها حزما للجلوس وشربوا، فوقعت بينهم عربدة تقاتلوا فيها بحزم البرديّ وقتل بعضهم بعضا، وذلك كلّه بالقرب من مصبّ نهر «سرستي» في البحر عند منصب «سومنات»، وفعل ارجن جميع ما امر به، وحمل نساءه فقطع عليهم اللصوص، ولم يتمكّن ارجن من ايتار قوسه ففطن لذهاب قوّته، وأخذ يدير القوس فوق رأسه فما كان تحتها نجا وما خرج منها ظفر به السرّاق، وعلم وإخوته ان لا فائدة لهم في الحياة فذهبوا الى ناحية الشمال ودخلوا الجبال التي لا يذوب ثلوجها، فقتلهم البرد واحدا بعد آخر إلى ان بقي «جذشتر»، فاستقبل بتكرمة الجنّة بعد ان يعبر على جهنّم لكذبة واحدة كذبها بطلب اخوته و «باسديو» ذلك

منه، وهو قوله بمسمع من «درون» البرهمن: مات «اشتّام» الفيل، ووقوفه بين اللفظتين حتى اوهم درون انّه يعني ابنه، فقال جذشتر للملائكة: ان كان ولا بدّ من ذلك فلتقبل شفاعتي في اهل جهنّم وليعتقوا منه، فأجيب الى ذلك وذهب به الى الجنّة.

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «تحقيق ما للهند من مقولة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.