تجاوز إلى المحتوى

من «تحقيق ما للهند من مقولة» لأبي الريحان البيروني (ت ٤٤٠هـ)

مط- في التواريخ بالاجمال

بالتواريخ تصير الأوقات المشار اليها في الزمان معلومة، والهند وإن لم يستثقلوا كثرة العدد بل تبجّحوا بها فإنّهم يضطرّون في الاستعمال الى تقليلها، فمن تواريخهم مبدأ كون «براهم»، ومنها اوّل نهار يومه الآن وهو مبدأ «كلب» ومنها اوّل «منّنتر» السابع الذي نحن فيه، ومنها اوّل «جترجوك» الثامن والعشرين وهو الذي نحن فيه، ومنها اوّل الجوك الرابع منه ويسمّى «كلكال» اي وقت «كل»، فإن الجوك معروف به وإن كان وقته في آخره ولكنّهم يعنون به مبدأ «كلجوك»، ومنها «باندوكال» وهو وقت حروب «بهارث» وأيّامه، وكلّ هذه التواريخ متقادمة قد جاوزت سنوها المئين الى الألوف وما بعدها، فاستثقلها المنجّمون فضلا عن غيرهم؛ ونحن لتعريفها نجعل المثال الأوّل سنة الهند الواقع اكثرها في سنة اربع مائة ليزدجرد، فإنّ مئيها تجرّدت عن الآحاد والعشرات فاختصّت بذلك وتميّزت عن سائر السنين، ثمّ اشتهرت بانهداد امنع الأركان وانقراض مثل السلطان محمود أسد العالم ونادرة الزمان رحمة الله عليه قبلها بأقلّ من سنة، فأما سنة الهند فإنّه يتقدّم نوروزها باثنى عشر يوما ويتأخّر عن النعي المذكور عشرة أشهر فارسيّة تامّة، وإذا كان ما فرضناه معلوما فإنّا نسوق السنين الى هذا الاجتماع الذي هو مفتتح سنة الهند فإنّها تتمّ عنده والنوروز المذكور قريب منه وهو يتبعه؛ وفي كتاب «بشن دهرم»: إنّ «بجر» سأل «ماركنديو» عمّا مضى من عمر

«براهم»، فأجابه بأنّ الماضي منه ثماني سنين وخمسة اشهر وأربعة ايّام وستّة «منّنتر» وسبعة «سند» وسبعة وعشرين جترجوكا وثلاثة «جوك» من الثامن والعشرين وعشر سنين من سني «دبّ» الى وقت «اشميت» الذي عملته انت قال ومن احاط بتفصيل ذلك وتصوّره حقّ التصوّر كان عارفا والعارف هو الذي يخدم الربّ الواحد ويطلب جوار مكانه المسمّى «برم بذ»، وإذا كان ما ذكره معلوما وقد اشرنا الى مقادير هذه الأشياء اشارة كافية يستبين منها انّ الماضي من عمر «براهم» الى الوقت الذي فرضناه للمثال بسنينا، ومن يومه الذي هو «كلب» النهار ومن منّنتر السابع، وهو ايضا تأريخ حبس «بل» الملك لأنّه كان في اوّل «جترجوك» من منّنتر السابع؛ وكلّ ما ذكرناه ونذكره في التواريخ فهو سنوها التامّة اذ لم يجر لهم رسم باستعمال السنة المنكسرة فيها، وفي كتاب «بشن دهرم»: قال «ماركنديو» في جواب «بجر»: قد مضى عليّ ستّة كلب ومن السابع ستّة منّنتر ومن السابع ثلاثة وعشرون «تريتا جوك» وفي الرابع والعشرين قتل «رام» «راون» وقيل «لكشمن» اخو «رام كهنبكرن» اخا راون وقهرا جميع «راكشس»، وحينئذ عمل «بالميك» الرش حديث «رام وراماين» وخلّده في الكتب، وحدّثت انابه «جذشتر بن باندو» في مشجرة «كامكبن»؛ فأمّا تعديده «تريتاجوك» فلانّ الأحوال المذكورة كانت فيه وأيضا فإنّ التعديد بالواحد اولى من واحد يفصح بأربعة، وآخر تريتاجوك اولى بتلك الأحوال من اوّله لاقترابه من الشرّ، ولا شكّ انّ تأريخ «رام وراماين» عندهم معلوم ولكنّه لم يقع الينا، وسنو ثلاثة وعشرين جترجوكا تكون وإلى آخر تريتاجوك تكون، فإذا

نقصناها من تأريخ «منّنتر» لسنتنا بقي وهو تأريخ رام بحسب التفرّس الى ان يعاضده سماع موثوق به، ومن «جترجوك، الثامن والعشرين، وهذا كلّها على تقديرات «برهمكوبت»، وهو و «بلس» متّفقان في انّ «كلب» عمر «براهم» قبل كلبنا، وإنّما الشتات في جترجوكاتها، فإنّها عند بلس وعند برهمكوبت بنقصان، فإذا عملنا لمذهب بلس على أنّ منّنتر جترجوك بلا «سند» وكلب جترجوك وكلّ «جوك» ربعه كان الماضي من عمر براهم لوقت مثالنا ومن كلب ومن منّنتر ومن جترجوك، وأمّا ما بعد «كلجوك» فلا خلاف في سنيه التامّة، فيكون عند كليهما من كلجوك وهو «كلكال» ومن حروب «بهارث» وهو «باندوكال»؛ ولهم تأريخ يسمّى «كال جمن» لم اتحقّقه الّا انهم زعموا انه كان في آخر «دوابر» الأدنى، وكان جمن المذكور متغلّبا على ارضهم مفسدا لدينهم، وكلّ هذه التواريخ كثيرة العدد بعيدة المبدأ، ولذلك اعرضوا عنها وجاءوا الى تواريخ «شري هرش» وبكرمادت» و «شق» و «بلب» و «كوبت»، فأمّا شري هرش فيعتقدون فيه انّه كان يتأمّل الأرض فيبصر ما في بطنها الى السابعة من الكنوز المكنوزة والدفائن المذخورة يستخرجها ويستغنى بها عن اعنات رعاياه، ويستعمل تأريخه بما هوره ونواحي «كنوج»، ومنه الى بكرمادت اربع مائة سنة على ما ذكر بعض اهل تلك الناحية، ورأيته في التقويم الكشميريّ متأخّرا عن بكرمادت، فحصلت على الشكّ ولم يجله بعد يقين، ومستعملو تأريخ بكرمادت في البلاد الجنوبيّة والغربيّة في ارض الهند يضعون ويضربونه في ثلاثة ابدا فيجتمع، ثم يزيدون عليه الماضي من «شدبد» وهو السنبجرّ الستّيني فيكون ذلك تأريخ بكرمادت، ووجدت اسمه في كتاب «سروذو»

لمهاديو «جندربير»، وفيما يعملونه تكلّف اوّلا ولو انهم وضعوا في اوّل الأمر كما وضعوا بغير علّة موجبة لكان مجزيا، وهب انّه اطّرد في «سنبجر» واحد فما الطريق فيه اذا تضاعف؟ وأمّا تأريخ شق وهو «شككال، فهو متأخّر عن بكرمادت، وكان شق المذكور متغلّبا على ما بين نهر السند وبين البحر من ارضهم قد جعل مستقرّة «آرجابرت» في الواسطة، وحظر عليهم الانتساب الى غير الشقيّة، فمنهم من زعم انّه كان شودرا من مدينة المنصورة ومنهم من زعم انّه لم يكن هنديّا وإنّما جاءهم من ناحية المغرب، وكانوا منه في بلاء شديد الى ان اتاهم الغياث من نواحي المشرق بقصد «بكرمادت» ايّاه حتى هزمه وقتله بناحية «كرور» التي بين «مولتان» وقلعة «لوني»، فاشتهر الوقت بحسب الاستبشار بقتله وأرّخ به وخاصّة المنجّمون منهم، وألحقوا «شري» باسم بكرمادت اجلالا له، ولامتداد المدّة بين التأريخ الذي اضفناه اليه وبين مقتل «شق» اظنّ انّه ليس بالقاتل وإنّما هو سمّي له؛ وأمّا تأريخ «بلب» وهو صاحب مدينة «بلبه» وهي جنوبيّة عن مدينة «انّهلواره» بقريب من ثلاثين «جوزن»، فإنّ اوّله متأخّر عن تأريخ شق بمائتين وإحدى وأربعين سنة، ومستعملوه يضعون «شككال» وينقصون منه مجموع مكعّب الستّة ومربّع الخمسة، فيبقى تأريخ بلب، وخبره آت في موضعه، وأمّا «كوبت كال» فكانوا كما قيل قوما اشرارا اقوياء فلمّا انقرضوا ارّخ بهم، وكأنّ بلب كان اخيرهم فإنّ اوّل تأريخهم ايضا متأخّر من شككال، وتأريخ المنجّمين يتأخّر عن شككال، وعليه بنى زيج «كندكاتك» لبرهمكوبت وهو المعروف عندنا بالأركند؛ فإذن سنو تأريخ «شري هرش» لسنتنا الممثّل بها وتأريخ بكرمادت وشككال وتأريخ بلب الذي هو ايضا كوبت كال وتأريخ زيج كندكاتك وتأريخ «بنج سدهاندك»

لبراهمهر وتأريخ «كرن سار» وتأريخ «كرن تلك»، وهذه التواريخ المنسوبة الى الزيجات هي التي استصلحها اصحابها لسياقة الحساب من عندها، ويمكن ان تكون في ازمنتهم كما انّه ممكن ان تتقدّمهم؛ وعوامّ الهند يعدّون السنين مائة مائة ويسمّونه «سنبجر» المائة، فكلّما انقضت مائة تركوها واخذوا في تعديد مائة بعدها، وسمّوه «لوككال» اي تأريخ الجمهور، واختلفوا في الأخبار عن ذلك اختلافا زال معه التحقيق عنّي له، وبقدر اختلافهم فيه اختلفوا في مبدأ السنة ومفتتحها، وانا اورد منه ما سمعته بعينه الى ان يسفر فيه الأمر عن قانون؛ وأقول انّ من يستعمل تأريخ «شق» وهم المنجّمون فإنّه يفتتح السنة بشهر «جيتز» وقيل انّ اهل «كنير» المصاقبة لكشمير يفتتحونها من شهر «بهادربت» وتأريخهم لسنتنا، وأنّ من يسكن فيما بين «بردري» وبين «ماري كله» يفتتحونها من شهر «كارتك» وتأريخهم لسنتنا، وزعم في الكشميري انه ستّ من المائة الجديدة وهو مذهب اهل «كشمير» وأنّ من يسكن «نيرهر» وراء مارى كله الى آخر حدود «تاكيشر» و «لوهاور» يفتتحونها من «منكهر» وتأريخهم لسنتنا، وأهل «لنبك» اعني «لمغان» يتبعونهم في ذلك، وسمعت اهل «مولتان» يقولون انّ هذا كان رأي السند واهل «كنوج» وإنّهم كانوا يفتتحون السنة من عند اجتماع منكهر وإنّ اهل مولتان تركوا ذلك منذ سنين قليلة وانتقلوا الى رأي اهل كشمير ووافقوهم على افتتاحها باجتماع جيتر؛ وقد قدّمت العذر في هذا الفصل، وأنّ تواريخه غير محقّقة من اجل ما فيها من الزيادة على المائة، على أني شاهدتهم في سنة قلع «سومنات» وهي اربع مائة وستّ عشرة للهجرة و «شككال» فيها، إذا قصدوه وضعوا وتحته، ثمّ يجمعونها فيكون شككال، فكان يتخيّل الى انّ هي سنو تأخّر ابتدائهم بالمائة وأنّهم ابتدأوا في ذلك من «كوبت كال» وأنّ هي سنبجرات المائة التامّات ويوجب ان يكون كلّ واحد وأمّا فهي السنون الماضية من الناقص، وهو كذلك وتحقّقه ورقة وجدتها من زيج عمله «درلب» المولتاني يقول فيها: ضع وزد عليه «لوكك كال» اي تأريخ

الجماعة فيجتمع شككال، وإذا وضعنا شككال لسنتنا وهو ونقصنا منه بقي «لوكك كال» ويكون لسنة قلع «سومنات»، قال والمبدأ من «منكهر» وعند منجّمي المولتان من «جيتر». وقد كان لهم ملوك بكابل اتراك قيل في اصلهم انّهم كانوا من التّبت، جاء اوّلهم وهو «برهتكين» ودخل غارا بكابل لا يمكن دخوله الّا مضطجعا زاحفا، وفيه ماء ووضع هناك طعاما لأيّام، وهذا الغار الآن معروف هناك يسمّى «بفر»، ويدخله من يتيمّن به ويخرج معه من ذلك الماء بجهد، وكان على بابه جماعات من الفلّاحين يعملون، ومثل هذه الأشياء لا يمكن ولا يروج إلّا بمواطأة مع واحد، وكان من واطأه حمل القوم في العمل على المواظبة بالليل والنهار بالنوب لئلّا يخلوا الموضع من الناس، وعند مضيّ ايّام على دخوله احد يخرج من الغار والناس مجتمعون وهم يرونه كما يولد من الأمّ، وعليه زيّ الأتراك من القباء والقلنسوة والخفّ والسلاح، فعظّم تعظيم انسان مخترع وللملك مخلوق واستولى على تلك المواضع متّسما بشاهية «كابل» وبقي الملك في اولاده قرونا عددها حول الستّين، ولولا انّ الهند في امر الترتيب متساهلون وعن نظام تواريخ الملوك في التوالي متغافلون وإلى التجازف عند الحيرة والضرورة ملتجئون لأوردنا ما ذكره قوم منهم، على اني سمعت انّ ذلك النسب على ديباج وجد في قلعة «نغركوت» وحرصت على الوقوف عليه فامتنع الأمر لأسباب؛ وكان من جملتهم «كنك» وهو الذي ينسب اليه البهار الذي ببرشاور، فيقال «كنك جيت»، زعموا انّ «رأى كنوج» اهدى اليه في جملة ما اهدى ثوبا فاخرا بديعا، وأنّه اراد قطعة ثيابا لنفسه فأحجم الخيّاط عن عمله وقال: هاهنا صورة قدم انسان وكيف ما اجتهد لا يجيء إلّا على ما بين الكتفين، وفي ذلك ما ذكرناه في قصة «بل» فعلم كنك انّ صاحب كنوج قصد اذلاله والاستخفاف به وركب من فوره مع

جنوده يركض نحوه، وسمع راي ذلك فتخيّر ولم يكن له به طاقة، فاستشار وزيره فقال الوزير: قد هيّجت ساكنا وفعلت ما لا يجب، فاقطع الآن انفي وشفتي ومثّل بي لأجد الى المكر سبيلا فلا وجه للمجاهرة، وفعل به راي ما قال وتركه ومضى الى اقاصي المملكة، فلمّا عثر الجند على الوزير وعرفوه جاءوا به الى كنك فسأله عن حاله، فقال الوزير: كنت انهاه عن المخالفة وادعوه الى الطاعة وانصحه، فاتّهمني ومثّل بي، ومرّ على وجهه الى موضع يطول اليه سلوك الجادة ويسهل من جهة تعسّف فلاة بيننا وبينه ان امكن حمل الماء لكذا يوم، قال «كنك»: هذا سهل وحمل الماء كما قال واستدلّه على السمت، فتقدمه وأدخله مفازة لاحدّ لأطرافها، فلمّا انقضت الأيام ولم يفن الطريق سأل الوزير عن الحال، فقال: لا لوم عليّ في حماية صاحبي وإتلاف عدوّه، وأقرب المخارج من هذه الفلاة ما دخلت منه، فافعل بي ما شئت فلا مخلص لأحد منها، فركب كنك وأجرى فرسه حول موضع منخفض، ثم غرز رمحه في وسطه ففار الماء فورانا كفى الجند شربا وزادا! فقال الوزير: أنا ما قصدت بالحيلة الملائكة القادرين وإنّما قصدت بها الناس العاجزين، وإذ الأمر كذلك فاقبل شفاعتي في وليّ نعمتي واصفح عنه، قال كنك: انا من هذا المكان منصرف الى الوراء، قد اجبتك الى الملتمس، فقد امضى في صاحبك ما وجب، وانصرف وذهب الوزير الى صاحبه «راى» فوجده قد سقطت يداه ورجلاه في اليوم الذي غرز فيه كنك الرمح في الأرض؛ وكان آخرهم «لكتورمان» ووزيره من البراهمة «كلّر»، قد ساعده الزمان فوجد بالاتفاق دفائن استظهر بها وقوى، وبحسب ذلك اعرضت الدولة عن صاحبه لتقادم عهدها مع اهل بيته، فساء ادب لكتورمان وقبحت افعاله حتى كثرت الشكايات الى وزيره، فقيّده وحبسه للتأديب ثمّ استحلى الخلوّ بالملك ومعه آلة ذلك من الأموال فاستولى عليه، وملك بعده البراهمة «سامند» ثمّ «كملو» ثمّ «بهيم» ثمّ «جيبال» ثمّ،

انندبال» ثمّ «تروجنبال»، قيل في سنة اثنتي عشرة وأربع مائة للهجرة وابنه «بهيمبال» بعده بخمس سنين، وانقضت الشاهيّة الهنديّة ولم يبق من اهل ذلك البيت نافخ نار، وكانوا مع البسطة لهجين بالمكارم وحسن العهد والاصطناع، ولقد استحسنت من انندبال مراسلته الأمير محمود والحال بينهما في غاية الخشونة بأنّي سمعت خروج الترك عليك وانتشارهم بخراسان، فإن شئت جئتك في خمسة آلاف فارس وضعفها رجّالة ومائة فيلة، وإن شئت وجّهت اليك بابني في ضعف ذلك، وليس في ذلك اعتداد بموقع ذلك عندك، وإنّما انا كسيرك فلا اريد ان يغلبك غيري، وكان هذا شديد البغض للمسلمين من لدن اسر ابنه وكان ابنه تروجنبال بخلافه.

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «تحقيق ما للهند من مقولة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.