تجاوز إلى المحتوى

من «تحقيق ما للهند من مقولة» لأبي الريحان البيروني (ت ٤٤٠هـ)

نو- في منازل القمر

مأخذ المنازل عندهم بالحقيقة كمأخذ البروج في انقسام منطقة البروج بها بسبعة وعشرين قسما متساوية كانقسامها في البروج باثني عشر قسما متساوية، وتكون حصّة كلّ منزل من الدرج ثلاث عشرة وثلثا ومن الدقائق ثمان مائة، فالكواكب السيّارة تلج فيها وتخرج منها وتتردّد بالعرض في شمالها وجنوبها، ويختّص كلّ منزل من جهة صناعة احكام النجوم ما يختّص به البروج من صفة وطبيعة ودلالة وخاصّيّة، ومأخذ هذا العدد هو ان القمر يقطع المنطقة كلّها في سبعة وعشرين يوما وثلث يوم يستحقّ الإلغاء، كما ان مأخذ العدد الذي عند العرب من اوّل الرؤية الغربية الى آخر الرؤية الشرقيّة، وطريقة ان يزاد على الدور مسير الشمس في الشهر القمري، وينقص من الجملة مسير القمر لليومين المخصوصين بالمحاق، ويقسم الباقي على مسير القمر ليوم، فيخرج سبعة وعشرون وأرجح من ثلاثين وهو مستحقّ للجبر، ولكنّ العرب قوم امّيّون لا يكتبون ولا يحسبون، وإنّما يعوّلون على العدد والعيان، اذ لا يعرفون غير الرؤية ولا يحدّون المنازل بغير الكواكب التي فيها من الثوابت، وإذا رامت الهند مثل ذلك من التحديد وافقوا العرب في بعض الكواكب وخالفوهم في بعض، على ان العرب لا يبعدون عن

طرائق القمر ولا يستعملون من الثوابت الّا ما يقارنه القمر او يقاربه، والهند لا يلتزمون هذه الشريطة ولكنّهم يعتبرون فيها المحاذاة والمسامتة، ثمّ يدخلون النسر الواقع في الجملة فيصير العدد به ثمانية وعشرين، ولهذا أوهم منجّمونا ومؤلّفو كتب الأنواء في هذا المعنى وذكروا انّ المنازل عند الهند ثمانية وعشرون وأنّهم اسقطوا واحدا هو المستتر دائما بشعاع الشمس، كأنّهم سمعوا الهند يسمّون المنزل الذي فيه الشمس «محترقا» والذي فارقته «مفترقا بعد العناق» والذي امامها «متدخّنة»، ومن اصحابنا من نصّ على سقوط الزباني ثمّ علّله بأمر الطريقة المحترقة في آخر الميزان، وأوّل العقرب، كلّ ذلك منهم ظنّ بأنّ المنازل عند الهند ثمانية وعشرون ثمّ يلحقها الإسقاط، وليس كذلك فإنها سبعة وعشرون ثمّ يلحقها الازدياد، وقد حكى «برهمكوبت» انّ في كتاب «البيذ» ممّن يسكن جبل «ميرو» انّه يرى شمسين وقمرين والمنازل اربعة وخمسين ويتضاعف عليه الأيّام ايضا، ثمّ اخذ في مناقضته بأنّا لا نرى سمكة القطب دائرة في اليوم مرّتين بل مرّة واحدة، وأمّا انا فاعيتني الحيل في توجيه وجه لهذه القضية الكاذبة؛ فأمّا معرفة موضع كوكب او درجة مفروضة من المنازل فهو: ان يجعل بعده من اوّل الحمل كلّه دقائق وتقسم على ثمان مائة، فيخرج منازل تامّة سابقة للذي هو فيه، ويبقى ما قطع من المنزل المنكسر، فإمّا ان تنسب الى الثمان مائة كما هما وإمّا مطويّين بالوفق وإمّا ان ترفع الدقائق الى الدرج وإمّا ان تضرب في ستّين ويقسم المجتمع على ثمان مائة فيخرج ما قطع منه على انّ المنزل واحد مقسوم بستّين، وهذه كلّها تعمّ القمر والكواكب وغيرها، ثمّ تخصّ القمر بأن يقسم مضروب البقيّة في ستّين على بهته فيخرج ما مضى من اليوم المنازليّ؛ والهند في امر الكواكب الثابتة قليلو المحصول ولم اظفر منهم بمن يعرف كواكب المنازل عيانا ويشير اليها بنانا، وإنّما اجتهدت غاية الاجتهاد في تحصيل اكثر ذلك بالقياسات

وأودعته مقالة لي في تحقيق منازل القمر، وسأذكر ما يليق بهذا الموضع من اقاويلهم، بعد ان نثبت مواضع كواكبها في الطول والعرض وأعدادها بحسب ما في زيج «كندكاتك» ونسهلها بجداول هي هذه:

ثمّ يقع للقوم تخاليط من جهة الاعتبار بالكواكب، مع قلّة الدربة بالرصد والقياس وعدم الاهتداء لحركات الثوابت، فمنها قول «براهمهر» في كتاب «سنكهت»: المنازل الستّة التي اوّلها ريوتي» وآخرها «مركشير» يسبق فيها العيان الحساب فيكون حلول القمر المنزل منها عيانا قبل حلوله ايّاه حسابا، وفي الاثني عشر التي مبدأها «آردر» ومنتهاها «انّراد» يصير السبق نصف منزل فيكون بالعيان في النصف من المنزل وبالحساب في اوّله، وفي المنازل التسعة التي

ابتداؤها من «جيرت» وانتهاؤها الى «اوترابتربت» يتأخّر العيان عن الحساب فلا يحلّ القمر احدها بالعيان الّا مع خروجه منه الى الذي يليه بالحساب؛ فمصداق ما وصفتهم به غير ظاهر عليهم قوله مثلا في الشرطين وهو من جملة الستّة المنازل انّ العيان يسبق فيه الحساب وكوكباه في زماننا في ثلثي الحمل وزمان براهمهر يتقدّمنا بقريب من خمس مائة وستّ وعشرين سنة، وبأيّ رأي عمل في حركة الثوابت فإنّهما لا يتقدّمان ثلث الحمل، فهب انّهما فيه في زمانه او بالقرب منه على ما في «كندكاتك» وحساب النيّرين فيه صحيح لم يستبن فيه بعد ما استبان في زماننا من تخلّفه ثماني درج، فكيف يسبق العيان فيه الحساب والقمر اذا قارنهما كان قد قطع من المنزل الأول قريبا من ثلثيه؟ وعلى هذا القياس سائرها؛ وإنّما تتسع المنازل وتتضايق من جهة سماتها اعني الكواكب دون ذواتها فإنّها متساوية، وليس يعرف ذلك من شأن الهند معما حكينا عنهم في بنات نعش، وقال «برهمكوبت» في «اوتر كندكاتك» اي تصحيحه: انّ من المنازل ما يفضل مقداره على مقدار وسط القمر ليوم بنصفه، فيكون المنزل يط مه نب يح، وهي ستّة منازل اسماؤها روهني، بونربس، اوترابلكني، بشاك، اوتراشار، اوترابتربت» وجملتها قيح له يج مح، ومنها ستّة قصار كلّ واحد منها يقصر عن وسط القمر ليوم بنصفه، فيكون المنزل وله يزكو، وأسماؤها «بهرني» آردر، اشليش، سوات، جيرت، شدبش »، وجملتها لط لا مد لو، والخمسة عشر الباقية يساوي كلّ واحد منها وسط القمر ليوم، فيكون المنزل يج ى لد نب، وجملتها قصر لح مج، وجملة الجمل الثلاث شنه مه ما كد ويبقى الى تمام الدور د يد يح لو وهو حصّة

«ابهج» المتروك اعني النسر الواقع، وقد انعمت الفحص عن ذلك في المقالة المذكورة؛ وأمّا قلّة هداية الهند لحركة الثوابت فيكفي شاهدا عليه قول «براهمهر» في «سنكهت»: انّه ذكر في كتب الأوائل انّ المنقلب الصيفي في نصف اشليش والشتوي في اوّل «دهنشت»، وكان ذلك حينئذ صحيحا، فأمّا الآن فالصيفي من المنقلبين في اوّل السرطان والشتويّ في اول الجدي، فإن تشكّك في ذلك احد وزعم انّه كما ذكر الأوائل دون ما ذكرناه فليصحر الى مكان مستوحين يتفرّس اقتراب المنقلب الصيفيّ، وليدر فيه دائرة وينصب على مركزها شخصا يقوم عمودا على الأفق، ويعلم على رأس ظلّه حتى يوافي محيط الدائرة في احد جانبي المشرق والمغرب، ويعود كالغد حول مثل ذلك الوقت الأمسيّ ويرصد مثل ما رصد اوّلا فإن وجد رأس الظلّ في الخيط زائلا عن العلامة الأولى نحو الجنوب فليعلم انّ الشمس قد تحرّكت نحو الشمال ولم ينقلب بعد، وإن وجده زائلا نحو الشمال علم انّ الشمس قد تحرّكت نحو الجنوب وانقلبت، وإذا رصد ذلك دائما ووقف على يوم الانقلاب تحقّق ما ذكرناه؛ وهذا دليل من «براهمهر» على انه لم يعرف انّ للكواكب الثابتة حركة نحو المشرق، فجعلها كاسمها وحرّك المنقلب نحو المغرب، وبسبب هذا التخيّل خلّط الأمرين في المنازل فلنميّز بينهما لتزول الشبهة ويتهذّب الكلام، وذلك انّ البروج اذا ابتدئ فيها من نصف سدس المنطقة الذي من التقاطع نحو الشمال على توالي الحركة الثانية، فإنّ المنقلب الصيفي يكون ابدا على رأس البرج الرابع، والشتويّ على رأس البرج العاشر، وفي المنازل اذا ابتدئ بثلث تسع المنطقة الذي من اوّل البرج الأوّل، كان المنقلب الصيفيّ على ثلاثة ارباع المنزل السابع ابدا والشتوي على ربع المنزل الحادي والعشرين، لا يتغيّر ذلك طول مدّة العالم، فأمّا اذا وسمت المنازل بكواكب وسمّيت بأسماء تابعة للكواكب فلا بدّ من انتقالها معها، وكواكب البروج والمنازل كانت في الأقسام التي قبلها في سوالف الأزمنة، ثم انتقلت الى هذه

وستنقل فيما يستأنف الى اثلاث الاتساع التي بعدها حتى تستقرّ بها كلّها، وكواكب «اشليش» بزعمهم في ثمان عشرة درجة من السرطان، فبالمسير الذي رآه القدماء لها كانت منذ الفين وثمان مائة سنة على اوّل البرج الرابع وصورة السرطان ايضا كانت في البرج الثالث مع المنقلب، فثبت المنقلب، وانتقلت الكواكب بعكس ما تخيّله «براهمهر».

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «تحقيق ما للهند من مقولة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.