من «تحقيق ما للهند من مقولة» لأبي الريحان البيروني (ت ٤٤٠هـ)
نز- في ظهور الكواكب من تحت الشعاع وذكر قوانينهم ورسومهم عنده
أمّا عملهم في رؤية الكواكب والهلال فهو الذي تضمّنه ازياج السندهند عندنا، ويسمّون الدرجات المفروضة لوجوب الرؤية «كالانشك» وهي على ما ذكر صاحب «غرّة الزيجات»: أمّا لسهيل واليمانية والواقع والعيّوق والسماكين وقلب العقرب فثلاث عشرة درجة وإنّما للبطين والهقعة والنثرة و «اشليش» و «شدبش» و «ريوتي» فعشرون درجة وللباقية اربع عشرة، فقد انقسم الأمر فيها الى ثلاثة حدود يسبق الى الوهم منها أنّ الحدّ الأوّل مقصور على الكواكب المعدودة عند اليونانيّين في العظم الأوّل والثاني والحدّ الأوسط على المعدودة في العظم الثالث والرابع والحدّ الأخير على المعدودة في العظم الخامس والسادس، وهذا التفصيل كان اولى ببرهمكوپت في تصحيحه «كندكاتك» ولم يفعل، لكنّه تجازف فجعل درج الرؤية للمنازل كلّها اربع عشرة درجة قال «بجيانند»: ومن الكواكب ما لا يخفيها الشعاع ولا يضربها الشمس وهي العيّوق والسماك الرامح والنسران و «دهنشت» و «اوترابترپت» وذلك من اجل كثرة عرضها في الشمال مع كثرة عرض البلاد فإنّها فيما كان اشدّ ايغالا ترى في طرفي الليل الواحد بعينه ولا
تخفى؛ ولهم في طلوع «آكست» اعني سهيل طرق، وهم يرونه عند حلول الشمس منزل «هست» ومغيبه عند حلولها منزل «روهني»، قال «بلس»:
اضعف اوج الشمس، فمتى ساواه مقوّم الشمس كان وقت اختفائه، وأوج الشمس عنده برجان وثلثا برج، ويقع ضعفه في ثلث السنبلة وهو أوّل منزل هست، ونصف الأوج يكون في ثلث الثور وهو اوّل منزل روهني، وأمّا «برهمكوبت» فإنّه زعم في تصحيح كندكاتك انّ موضع سهيل في سبع وعشرين درجة من الجوزاء وعرضه في الجنوب احد وسبعون جزءا، ودرجات رؤيته اثنتا عشرة، وموضع «مركبياذ» وهو الشعري اليمانية في ستّ وعشرين درجة من الجوزاء وعرضه في الجنوب اربعون جزءا، ودرجات رؤيته ثلاث عشرة، فإن اردت وقت طلوعهما فهب انّ الشمس في موضع الكوكب، والماضي من النهار هو درجات رؤيته، وأقم الطالع على ذلك، فمتى حصلت الشمس في درجة هذا الطالع رثى الكوكب أوّل رؤيته، ولمعرفة وقت مغيبه فزد على درجة الكوكب ستّة بروج، وانقص من المبلغ درجات رؤيته وأقم الطالع على ما بقى، فإذا حلّت الشمس درجته كان وقت مغيبه؛ وفي «سنكهت» ذكر قرابين ورسوم تقام عند طلوع بعض الكواكب، ونحن نحكيها بحسب ترجمتنا النفي بالشريطة في استيفاء الحكايات على وجهها، قال «براهمهر»: لمّا طلعت الشمس في المدا وسامتت جبل «بند» الشامخ في مرورها انكر علوّها وبعثه الكبرياء على الانبعاث اليها ليمنعها عن قصدها ويحبس عجلتها عن المرور فوقه، فارتفع حتى قرب من الجنّة ومواطن «بدّاذر» الروحانيّين، فأسرعوا اليه لطيبته ونزهة بساتينه ورياضه واستوطنوه فرحين يتردّد فيه نساؤهم ويتلاعب اولادهم، حتى اذا هبّت الريح على ثياب بناتهم البيض تحرّكت كالرايات الخافقة ويرى السباع والأسود في شعابه حالكة الألوان من كثرة الحيوان المسمّى «برمر» واجتماعه عليها مشتاقا الى ما تلوّثت به ابدانها عند التحاكّ بالبراثن المتلطّخة، يسكر الفيلة المغتلمة التي ناوشتها، وترى القرود والدببة تعلو قرونه وثناياه السامية كأنّها تقصد السماء في
مطاعمها، وترى الزهّاد في غياضه مقتصرين على التغذّي بثماره، مع مفاخر له تفوت الاحصاء، ولمّا رأى «اكست بن برن» وهو سهيل بن الماء ذلك من فعل الجبل عرض عليه الصحبة فيما أمّه وسأله المقام والتثبّت ريث ما يعود اليه حتى قناه بذلك عمّا كان فيه من السمر، وأقبل على البحر يبلع ماءه حتى غاض وبدت سفوح جبل بند، فتشبّث «مكر» ودوّاب الماء به تخدشه حتى ثلمته بالحفر وثقبته اخاديد بقيت الجواهر واللآلئ فيها، حتى تزيّن بها وبالأشجار البارزة على ذيوله والحيّات المتردّدة بالتواء على وجهه، واعتاض بظلم سهيل ايّاه ما اكتسب من الزينة التي استفاد الملائكة منها امثلة تيجانهم وأكاليلهم، كما اعتاض البحر بنضوب مائه حسن لمعان السمك عند اضطرابها فيه وظهور الجواهر في قراره وتردّد الحيّات والفيلة في باقي مائه، فإذا علاه السمك والحلزون والصدف طننته حياضا قد غطى النيلوفر الأبيض وجه مائها في سدس «شرد» وفصل الخريف، ولم تكد تميّز بينه وبين السماء لتزيّن البحر بالجواهر زينة السماء بالكواكب ومشابهة الحيّات الكثيرة الرءوس خيوط الشعاع المنبعث من الشمس ومماثلة البلّور فيه جرم القمر والبخار الأبيض الذي تعلوه سحائب السماء، فكيف لا اثنى على من فعل هذا الفعل العظيم ونبّه الملائكة على حسن التيجان وجعل البحر وجبل «بند» خزانة لهم! ذاك سهيل الذي يطهر به الماء من الأوساخ الأرضيّة التي تخالطه طهارة قلب الرجل الصالح ممّا ران عليه في صحبة الأشرار، فمهما طلع ونقص الماء في الأنهار والأدوية في اوانه رأيت الأنهار تقدم الى القمر ما على وجه الماء من انواع النيلوفر الأبيض والأحمر والفيلجون ويسبح فيه من الوان البطوط والنحام قربانا له مثل ما تقدّم الفتاة من الورد والتحف عند دخولها، ولم يشبّه وقوف ازواج النحام الحمر على الحافّتين وتردّد البطوط البيض في الوسط مصوّتة الّا بشفتي الحسناء قد برزت ثناياها بضحك الفرح، بل لم يشبّه النيلوفر النيليّ بين ابيضه وتهافت
«برمر» عليه حرصا على ارج ريحه الّا بسواد حدقتها بين بياض المقلة متحرّكة بالغنج والدلال قد احتفّ بها شعر الحاجب، فإذا رأيت الحياض حينئذ قد أشرق عليها ضياء القمر فأضاء ماؤها الراكد وانفتح ما انضمّ على برمر من نيلوفرها الأبيض ظننتها وجه حسناء تنظر بعين دعجاء من مقلة بيضاء، فإن كان الأتيّ من سيول «برشكال» قد سال اليها بالحيّات والسموم والقاذورات فإنّ طلوع سهيل عليها يطهّرها من النجاسة ويخلّصها من الآفة، ولئن كان خطرة ذكر سهيل على باب الإنسان ماحية لآثامه الموجبة العقاب فانطلاق اللسان بمدحه ابلغ في حطّ الأوزار واكتساب الثواب! وقد ذكر اوائل الرشين ما يجب من القربان عند طلوع سهيل، وأنا أتحف الملوك بحكايته وأجعلها قربانا له، وأقول: انّ طلوعه يكون في الوقت الذي يظهر فيه بعض ضياء الشمس من المشرق ويجتمع ظلمة الليل في المغرب، وأوّل ظهوره يكون عسر الإدراك لا يهتدي له كلّ ناظر اليه، فسل المنجّم وقتئذ عن سمت مطلعه، وقدّم القربان المسمّى «ارك» الى تلك الجهة وافرش الأرض بما يتّفق من الورد والرياحين الأرجة بحسب تلك البقعة، وألق عليها ما بدا لك من الذهب والثياب والجواهر البحريّة وقدّم البخور والزعفران والصندل والمسك والكافور مع ثور وبقرة وطعام كثير وحلاوى، واعلم انّ من فعل ذلك سبع سنين متوالية بنيّة صالحة واعتقاد قويّ وثقة ملك بعدها كلّ الأرض والبحر المحيط بها من الجهات الأربع ان كان «كشتري» فإن كان «برهمنا» نال مراده وتعلّم «بيذ» وملك امرأة حسناء ورزق منها اولادا نجباء وإن كان «بيش» حصّل اراضي كثيرة وحوى دهقنة جليلة، وإن كان «شودرا» اصاب مالا، ثمّ يعمّ جميعهم الصحّة والأمن وزوال الآفات وحصول الثواب، فهذا ما ذكر من قربان سهيل؛ وأمّا احكام «روهني» فقد قال «براهمهر» فيها انّ «كرك» و «بسشت» و «كشب» و «براشر» حدّثوا تلامذتهم انّ جبل «ميرو» مبنيّ من صفائح الذهب، وقد نجم
من خلالها أشجار كثيرة الزهر والأنوار طيّبة الروائح، يطوف عليها «برمر» دائما بزمر لذيذ المسمع ويتردّد فيه قحاب «ديو» بأغانيّ مطربة وملاه ملهية وفرح دائم، وهذا الجبل في برّيّة «نندن بن» وهو بستان الجنّة، قالوا، وإنّ المشترى كان فيه وقتا فسأله «نارد» الرش عن احكام «روهني» حتى بيّنها له، وأنا احكيها بواجبها، فلينظر في الأيّام السود من شهر «آشار» الى بلوغ القمر روهني وليطلب في جهة الشمال من البلد أو في مشرقه موضع عال، ويقصده البرهمن الموكّل بدور الملوك، ويوقد فيه نارا ويصوّر الكواكب والمنازل حولها بألوانها، ويقيم الواجب من قراءة ما لكلّ واحد منها وإعطائه نصيبه من الورد والشعير والدهن وإرضائه بإلقائها في النار، وليكن حولها في الجهات الأربع ما امكن من الجواهر والجرار المملوءة اعذب المياه وما يكون في ذلك الوقت من الثمار والأدوية وأغصان الأشجار وأصول النبات، ويفرش هناك حشيشا مجزورا بالمنجل للمبيت، ثمّ يجمع الوان البزور والحبوب ويغسلها بالماء ويجعل في وسطها ذهبا ويودعها جرّة، ويضعها ناحية ويعمل «هوم» وهو القاء الشعير والدهن في النار مع قراءة مواضع من «بيذ» منسوبة الى جهات وهي «بارن منتر» و «بايب منتر» و «سوم منتر»، وينصب «دند» وهو رمح طويل عال يعلّق من رأسه عذبتان احداهما مساوية للرمح والثانية مثل ثلاثة أضعافه، وليعمل جميع ذلك قبل بلوغ القمر «روهني» حتى اذا بلغه كان متفرّغا لتقدير ازمنة هبوب الريح وجهات مهابّها، وتعرّف ذلك من عذبات الرمح، فإنّ الريح اذا هبّت في ذلك اليوم من قلوب الجهات الأربع حمد امرها وإن هبّت ممّا بينها ذمّ، وثباتها على جهة واحدة بقوّة من غير اختلاف محمود ايضا، وزمان هبوبها يقدّر بأثمان اليوم ويجعل لكلّ
ثمن نصف شهر، ثمّ اذا خرج القمر من منزل روهني نظر الى البزور الموضوعة ناحية، فما نبت منها فهو الذي يزكو في تلك السنة، وينظر في يوم مقاربته روهني، فإن اصحت السماء ولم يعترها فساد وصفت الريح فلم تهج قياما يؤذي وحسنت اصول الوحوش والطيور كان محمودا، ويتأمّل السحاب، فإن تموّج كغصون البطن وظهر منه وميض البرق للعين وانفتح انفتاح النيلوفر الأبيض وأحاط به كشعاع الشمس وتلوّن تلوّن الكحل أو «برمر» او الزعفران او أطبقت السماء بالسحب وومض البرق من خلالها كالذهب واستدارت قوس قزح ملوّنة كحمرة الشفق وألوان كثياب العروس وقصف الرعد كالطاوس الصائح او الطائر الذي لا يقدر على شرب الماء الّا من المطر النازل فيصيح فرحا به كما يفرح الضفادع بملآنة الأحواض فتزيد في النقيق ورأيت اضطراب السماء كاضطراب الفيلة والجواميس في الغيضة اذا التهبت النار في اطرافها وتحرّكت السحب تحرّك اعضاء الفيل وتلألأت تلالؤ اللآلئ والحلزون والثلج بل شعاع القمر كأنّه اعارها البريق والرونق دلّ ذلك على كثرة الغيث والغياث بالخصب، قال ويكره في الوقت الذي يكون البرهمن جالسا وسط جرار الماء انقضاض الكواكب ولمعان البروق والصواعق والحمرة في الجوّ والهدّة والزلزلة، ونزول البرد وتصويت الوحوش، فإن نقص الماء من جرّة في ناحية الشمال امّا بذاته وإمّا بثقب او رشح عدم المطر في شهر «شرابن» وإن نقص من جرّة في ناحية المشرق عدم في «بهادربت»، ومن جرّة جنوبيّة في «اسوجج» ومن غربيّة في «كارتك»، وإن لم ينقص منها شيء كمل المطر الصيفيّ، وكذلك يستدلّ من الجرار على الطبقات، فجرّة الشمال للبراهمة وجرّة المشرق لكشتر وجرّة الجنوب لبيش وجرّة المغرب لشودر، وإذا كتب على الجرار اسماء قوم وأحوال استدلّ عليها بما يحدث فيها من الانكسار والنقصان؛ وأمّا احكام «سوات» و «اشاربن» فعلى مثال احكام «روهني»، وفي الأيّام البيض
من شهر «آشار» اذا كان القمر في أحد آشارين اعني «بورب» و «اوتر» فاختر موضعا كما اخترته لروهني واتّخذ ميزانا من ذهب، وهو الأجود، وإن كان من فضّة كان متوسّطا، وإن لم يكن فاعمله من خشب يسمّونه «خير» وكأنّه الكذر او من نصل سهم حديديّ قد قتل به انسان، والقدر الأصغر في طول عموده هو الشبر، وكلّما زاد عليه كان أجود وما نقص منه لم يحمد، وخيوطه اربعة كلّ واحد عشرة اصابع، وكفّتاه من كتّان بمقدار ستّ اصابع، وسنجانه من ذهب، وزن بها مقادير متساوية من كلّ واحد من ماء الآبار وماء الحياض وماء الأنهار وأنياب الفيلة وشعور الدوّاب وقطاع ذهب عليها اسماء الملوك وقطاع سمع عليها اسماء غيرهم من الناس ومن الحيوانات او السنين او الأيّام او الجهات أو الممالك، واستقبل المشرق في الوزن وضع السنجة في الكفّة اليمنى والموزونات في اليسرى، وأنت تقرأ عليها وتقول للميزان: انت المستوى وأنت «ديو» وزوجة ديو، وأنت «سرسفت بنت براهم» تظهر الحقّ والصدق، انت اصحّ من نفس الاستواء، وأنت كالشمس والكواكب في مرورها من الشرق الى الغرب على وتيرة واحدة، بك استقام نظام العالم وفيك اجتمع ما لجميع الملائكة والبراهمة من الصدق والصحّة، انت بنت براهم وأهل بيتك «كشّب» وليكن هذا الوزن بالعشيّ، ثمّ ضعها ناحية وأعد وزنها بالغداة، فما رجح وزنه كان زاكيا مقبلا في تلك السنة وما نقص كان رديّا مدبرا، ولا تقتصر بهذا الوزن دون ان تفعله في «روهني» وفي «سوات» وإن كانت السنة «ادماسه» واتّفق الوزن في الشهر المكرّر كرّرت العمل فيها، فإن اتّفقت احكامها فذلك، وإلّا فخذ بما يقتضيه روهني فإنّه اغلب.
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع