من «تحقيق ما للهند من مقولة» لأبي الريحان البيروني (ت ٤٤٠هـ)
نح- في المدّ والجزر المتعاقبين على مياه البحر
أمّا في سبب بقاء ماء البحر على حاله فقد قيل في «مج بران»: انّ ستّة عشر جبلا كانت في القديم ذوات اجنحة تطير بها وترتفع فأحرقها شعاع «اندر» الرئيس حتى سقطت حول البحر مقصوصة الأجنحة في كلّ جهة اربعة- فالشرقيّة «رشبه» بلاهك، جكر، ميناك» والشماليّة «جندر، كنك، درون، سمّه» والغربيّة «بكر، بدهر، نارذ، برنت» والجنوبيّة «جيمود، دراون، ميناك، بهاشير»، وفيما بين الثالث والرابع من الجبال الشرقيّة نار «سمرتك» التي تشرب ماء البحر، ولولا ذلك لامتلأ بدوام انصباب الأنهار اليه، قالوا وهي نار ملك كان لهم يسمّى «أورب» وهو أنّه ورث الملك من ابيه وقد قتل وهو جنين، فلمّا ولد وترعرع وسمع خبر ابيه غضب على الملائكة وجرّد سيفه لقتلهم بسبب إهمالهم حفظ العالم مع عبادة الناس إيّاهم وتقرّبهم اليه، فتضرّعوا اليه واستعطفوه حتى امسك، وقال لهم: فماذا اصنع بنار غضبي؟ فأشاروا عليه بإلقائها في البحر، وهي التي تتشرّب مياهه، وقالوا ايضا: انّ ماء الأنهار لا يزيد في البحار من اجل انّ اندر الرئيس يأخذها بالسحابة ويرسلها امطارا؛ وقيل ايضا في مج بران: انّ المحو الذي يسمّى «ششلكش» اي صورة الأرنب هو انعكاس صور الجبال الستّة عشر المذكورة بضوء القمر الى جرمه، وفي كتاب «بشن دهرم»: انّ القمر يسمّى «ششلكش» لأنّ كرة جرمه مائيّة تقبل صورة الأرض كما يقبلها المرآة، وفي الأرض جبال وأشجار
متفاوتة الأشكال يتصوّر منها فيه صورة ارنب، ويسمّى ايضا «مرك لانجن» اي علامة الظبي لأنّ قوما شبّهوا المحو في وجهه بصورة ظبي؛ وقالوا في منازل القمر انّها بنات «برجابت» وإنّ القمر تزوّج بهنّ، ثمّ اولع من بينهنّ بروهني فآثرها عليهنّ، وحملت الغيرة اخواتها على شكايته الى ابيهنّ، فاجتهد عليه في التسوية بينهنّ ووعظه فلم ينجع فيه، وحينئذ لعنه حتى برص وجهه، وندم القمر على فعله فجاءه تائبا عن ذنبه فقال له برجابت: قولي واحد لا رجوع فيه ولكنّي استر فضيحتك من كلّ شهر نصفه، قال القمر: فالذنب السالف كيف ينمحي عنّي اثره؟ قال: بنصب صورة «لنك مهاديو» مخدوما لك، ففعل، وهو حجر «سومنات» و «سوم» هو القمر و «نات» الصاحب فهو «صاحب القمر»، وقد قلعه الأمير محمود ﵁ في سنة ستّ عشرة وأربع مائة للهجرة، وكسر اعلاه وحمله مع علاقه الذهبيّ المرصّع المكلّل الى مستقرّه بغزنين، فبعضه مطروح في ميدانها مع «جكر سوام» الصنم الشبهيّ المحمول من «تانيشر»، وبعضه على باب جامعها يمسح به الأقدام من التراب ومن البلل؛ فأمّا لنك فهو صورة ذكر مهاديو، وسمعت في سببه: انّ رشا رآه عند امرأته فساء ظنّه به ودعا عليه بإعدام الذكر، فباينه وصار ممسوحا من ساعته، ثمّ اقام عند ذلك الرش علامات براءته وصحّحها بالحجج، حتى زال عن قلبه ما خامره وقال: فسأكافيك بأن أجعل صورة العضو الذي فارقك معظّما في الناس يتوسّل به ويتقرّب اليه؛ وذكر «براهمهر» في صنعته: بعد اختيار الحجر له سليما من المعايب ان يؤخذ الطول الذي يراد ان يعمل له، ويقسم اثلاثا، ويربّع الثلث الأسفل منه كأنّه مكعّب او اسطوانة مربّعة، ويثمّن الثلث الأوسط بإسقاط اركانه الأربعة، ويدوّر الثلث الأعلى ويلملم رأسه حتى يصير شبيها بالكمرة، وفي النصبة يجعل الثلث المربّع منه في بطن الأرض ويجعل للثلث المثمّن غلاف يسمّى «بند» مربّع من خارجه مطابق التربيع للذي دخل الأرض منه، ومثمّن الداخل مهندم في الثلث الأوسط البارز من الأرض، ويبقى المدوّر خارج الغلاف، ثمّ
قال وتصغير هذا المدوّر او تدقيقه مفسد للأرض مظهر للشرّ في أهل النواحي الذين عملوه، والقليل من الغور فيه او النتوّ منه يمرّضهم، فإن ضرب وقت الصنعة بوتد تلف الرئيس وأهل بيته، وإن صدم في طريق حمله وأثّرت فيه الصدمة هلك صانعه وانتشر الفساد والأمراض في تلك الأرض؛ وفي البلاد الجنوبيّة الغربيّة عن بلاد السند يكثر هذه الصورة في البيوت المفروضة لعبادتهم إلّا ان «سومنات» كان المعظم منها، والمحمول اليه كلّ يوم من ماء «كنك» جرّة ومن رياحين «كشمير» سلّة، واعتقادهم فيه انّه يشفي من العلل المزمنة ويبرئ من كلّ داء عياء ليس له دواء، واشتهر لأنّه فرضة للسابلة في البحر ومنزل للمتردّدين فيما بين سفالة الزنج وبين الصين. وأمّا أمر المدّ والجزر في هذا البحر والمدّ بلغتهم «بهرن» والجزر «وهر» ويعتقدون امّا عامّتهم انّ في البحر نارا اسمها «بروانل» دائمة التنفّس، ويكون المدّ منها بجذب النفس والانتفاخ بالريح ويكون الجزر بإرسالها النفس، وزوال الانتفاخ عنها كمثل ما أعتقده «ماني» لمّا سمع منهم انّ في البحر عفريتا يكون المدّ والجزر من تنفّسه جاذبا ومرسلا، وأمّا خاصّتهم فيعرفونهما في اليوم بطلوع القمر وغروبه وفي الشهر بزيادة نوره ونقصانه وإن لم يهتدوا للعلّة الطبيعيّة فيهما؛ وهما ألزما «سومنات» اسم القمر وذلك انّ هذا الحجر كان منصوبا على الساحل غربيّا عن مصبّ نهر «سرستي» في البحر بأقلّ من ثلث ميل وشرقيّا عن موضع قلعة «باروي» الذهبيّة التي كانت ظهرت لباسديو حتى سكنها وقريبا من مقتله ومقاتل قبيلته وموضع احتراقهم، وكلّما طلع القمر وغرب ربا ماء البحر بالمدّ فغرّقه، وإذا وافى فلك نصف النهار والليل نضب بالجزر فأظهره، فكأنّ القمر مواظب على خدمته وغسله، ولذلك نسب اليه، وأمّا الحصن المبنيّ حوله وحول خزائنه فليس بقديم وإنّما عمل منذ قريب من مائة سنة؛ ومذكور في «بشن بران»: انّ غاية
ارتفاع ماء المدّ الف وخمس مائة اصبع، وذلك كثير فإنّ اللّجة ووسط الماء اذا ارتفع بنيّف وستّين ذراعا غشى الشطّ والأرجل منه اكثر ممّا هو مشاهد، وليس ايضا من البعد عن الكون بحيث يدخل في الامتناع، وأمّا ظهور القلعة من الماء فليس ببديع في ذلك البحر وذلك انّ جزائر الديبجات على هذا المثال تنشؤ وتبرز من الماء ككثيب رمل مجتمع، وتزداد ارتفاعا وانبساطا وتبقى حينا من الدهر، ثمّ يصيبها الهرم فتنحلّ عن التماسك وتنتشر في الماء كالشيء الذائب وتغيب، وأهل تلك الجزائر ينتقلون من الجزيرة الهرمة التي ظهر فسادها الى الفتيّة الطريّة التي قرب وقت ظهورها، وينقلون النارجيل اليها ويعمرونها ويسكنونها، ونسبة القلعة ايضا الى الذهب ممكن ان يكون اسما وضعيّا، وممكن ان يكون وصفا حقّيّا فإنّ جزائر الزنج تسمّى «ارض الذهب» لأنّ الذهب الكثير يرسب في غسالة التراب القليل منه.
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع