تجاوز إلى المحتوى

من «تحقيق ما للهند من مقولة» لأبي الريحان البيروني (ت ٤٤٠هـ)

نط- في ذكر كسوف الشمس والقمر

أمّا أنّ كاسف القمر هو ظلّ الأرض وكاسف الشمس هو القمر، فقد تحقّقه منجّموهم وعليه بنوا في الزيجات وغيرها حساباتهم، وقال «براهمهر» في كتاب «سنكهت»: أنّ بعض العلماء زعم أنّ الرأس كان من جملة «ديت» وأمّه «سنكهك»، وأنّ الملائكة لمّا استخرجوا الهناءة من البحر سألوا «بشن» توزيعها بينهم، ففعل وجاء الرأس متشبّها بالملائكة في الصورة وداخلهم، ولمّا ناوله بشن بالقسم من الهناءة تناوله وشربه، وعرف بشن أمره فضربه بالجكر المستدير وحزّ رأسه، فبقي الرأس حيّا بسبب الهناءة التي في الفم ومات البدن اذ لم يكن بلغته ولا انتشرت فيه قوّتها، فتضرّع الرأس قائلا بأيّ ذنب فعل بي هذا؟ فعوّض بالرفع الى السماء وتصييره من جملة أهلها، وقال بعضهم أنّ للرأس جرما كما للنيّرين إلّا أنّه أسود مظلم فلذلك لا يرى في السماء، وقد أمره «براهم» الأب الأوّل ان لا يظهر في السماء أصلا إلّا في وقت الكسوف، وقال بعض أنّ له رأسا كرأس الحيّة وذنبا كذنبها، وقال آخرون أنّه لا جرم له سوى هذا السواد الذي يرى؛ ولمّا فرغ «براهمهر» عن حكايات الخرافات قال: لو كان للرأس جرم لكان فعله بالمماسّة وقد نجده يكسف بالبعد اذا كان بينه وبين القمر ستّة بروج، وليس

يزداد سيره أو ينقص حتى يتوهّم ذلك من بلوغ ذاته الى موضع كسوف القمر، وإن ذهب الى ذلك ذاهب بارتكاب فليخبر لماذا عملت الأدوار لمسيره ولم صحّت باستوائه، وإن تصوّر فيه الحيّة ذات الرأس والذنب فلم لا يكسف فيما هو أقلّ من ستّة بروج أو أكثر؟ وجسده هناك حاضر فيما بين رأسه وذنبه وهما به متّصلان، فلا يكسف شيئا من النيّرين ولا من كواكب المنازل الّا ان يكون رأسين متقابلين كاسفين، ولو كان كذلك ثمّ طلع القمر منكسفا بأحدهما وجب أن يغرب الشمس منكسفة بالآخر، وكذلك اذا غرب القمر منكسفا طلعت الشمس منكسفة، وليس من ذلك شيء موجود كذلك، فكسوف القمر على ما ذكره العلماء المؤيّدون من عند الله هو دخوله في الظلّ وكسوف الشمس هو ستر القمر ايّاها عنّا، ولهذا لا يكون بدور الكسوف في القمر من جانب المغرب ولا في الشمس من جانب المشرق، وقد يمتدّ من الأرض ظلّ مستطيل كامتداد ظلّ الشجرة مثلا، فإذا قلّ عرض القمر وهو في البرج السابع من الشمس ولم يكثر مقداره في شمال أو جنوب دخل ظلّ الأرض وانكسف به، ويكون أوّل المماسّة من جهة المشرق، وأمّا الشمس فإنّ القمر يأتيها من جهة المغرب فيسترها ستر قطعة من السحاب ايّاها، ويختلف مقدار الستر في البقاع، ولأنّ ساتر القمر عظيم فإنّ ضوءه يضمحلّ عند انكساف نصفه وساتر الشمس ليس بعظيم ولذلك يكون قويّ الشعاع مع الكسوف، وليس لذات الرأس في نفس الكسوفين مدخل، وعلى هذا اتّفاق العلماء في كتبهم؛ ولمّا فرغ «براهمهر» من صفة مائيّة الكسوفين بحسب علمه تألّم من الجاهلين بها فقال: ولكنّ العامّة يكثرون الشغب في نسبة الكسوف الى الرأس ويقولون لولا ظهور الرأس وتولّيه الكسوف لما اغتسلت البراهمة حينئذ غسل وجوب، قال براهمهر: وسبب ذلك أنّ الرأس لمّا تضرّع عند الحزّ قسم له «براهم» حصّة من قربان البراهمة للنار وقت الكسوف، فهو يقرب من موضع

الكسوف طالبا حصّته، فكثر لذلك ذكر الناس ايّاه وقتئذ ونسبوا الكسف اليه وليس إليه من جهته فيه شيء وإنّما هو من استواء طريقة القمر أو انحرافه؛ وهذا من براهمهر معما تقدّم من دلائل تحقّقه هيئة العالم مستنكر، لولا أنّه يمالئ البراهمة احيانا فإنّه منهم ولا بدّ له من جملتهم، ثمّ لا يعاب مع ثبوت قدمه على الحقّ وتصريحه به، مثل ما حكينا عنه أيضا في كيفيّة «سند»، وليت جميع الفضلاء يقتدون به! ولكن انظر الى «برهمكوپت» وهو أفضل هذه الطبقة منهم، فإنّه لمّا كان من البراهمة الذين يقرءون من پراناتهم سفول الشمس عن القمر فيحتاجون الى رأس يعضّ على الشمس حتى يكسفها رفض الحقّ وعاضد الباطل وإن كان من الممكن أن يكون من شدّة الامتعاض بهم هازئا أو مضطرّا كالمغشيّ عليه من الموت، وهذا كلامه في المقالة الأولى من «براهم سدّهاند»: أنّ من الناس من يرى أنّ الكسوف ليس من الرأس، وذلك رأي محال فإنّه الكاسف وجمهور أهل العالم يقولون أنّ الرأس هو الذي يكسف، وفي «بيذ» الذي هو كلام الله من فم «براهم» أنّ الرأس يكسف وكذلك هو في كتاب «سمرت» الذي عمله «من» وفي «سنكهت» الذي عمله «كرك بن براهم»، فأمّا «براهمهر» و «اشريخين» و «آرجبهد» و «بشنجندر» فإنّهم يزعمون أنّ الكسوف ليس من الرأس وإنّما هو من القمر ومن ظلّ الأرض، وهذا منهم مخالفة للجمهور ومعاداة للكلام المذكور، فإنّ الرأس اذا لم يكن الكاسف كان ما يعمله البراهمة من الاطّلاء بالدهن المسخّن وسائر رسوم العبادات المرسومة لوقت الكسوف هدرا لا ثواب عليه، وفي ابطال ذلك خروج عن الإجماع وهو غير جائز، وقد قال من في سمرت: إذا أخذ الرأس أحد النيّرين بالكسف طهر جميع ما على الأرض من المياه وصارت كماء «كنك» في الطهارة، وفي بيذ: أنّ الرأس هو ابن امرأة من بنات «ديت» اسمها «سينك»، ولأجل هذا يعمل ما يعمل من أعمال البرّ فواجب على هؤلاء ترك عناد الجمهور لأنّ جميع ما في «بيذ» و «سمرت» و «سنكهت» صحيح؛ وإذا كان «برهمكوپت» في هذا الموضع ممّن قال الله تعالى فيهم «وجحدوا بها واستيقنتها

أنفسهم ظلما وعلوّا » لم نحاجّه بشيء سوى أنّا نسارّه في صماخه بأنّ ترك معاداة الكتب الملّيّة ان كان واجبا على القوم فلم أمرت الناس بالبرّ ونسيت نفسك؟

وأخذت بعد هذا الكلام في استخراج مقدار قطر القمر ليكسف به الشمس ومقدار قطر الظلّ ليكسف به القمر؟ وعملت كسوفهما بموجب رأي هؤلاء المعاندين دون رأي من رأيت موافقتهم؟ وإن كانت البراهمة مأمورين بإقامة عبادة أو شيء آخر عند كون الكسوف فالكسوف لها وقت لا أنّ الفعل لأجله، كما أمرنا نحن بالصلوات ونهينا عنها عند احوال للشمس وضيائها جعلت علامات لأوقاتها من غير أن يكون للشمس في عبادتنا مدخل؛ ثمّ قوله أنّ الجمهور على ذلك، أن كان يعني به جملة أهل المعمورة فما أبعده عن تتبّعها بعلم أو خبر، وبلاد الهند بالقياس الى جملتها يسيرة قليلة ومن يخالف الهند رأيا وديانة أكثر ممّن يوافقهم، وإن كان يعني به جمهور الهند فعوامّهم أكثر من خواصّهم والكثرة في كتبنا المنزلة مذمومة وبالجهل والشكّ وقلّة الشكر موصوفة، وما أظنّ برهمكوپت قاده الى ما قال الّا شعبة من بليّة سقراطيّة منى بها على وفور علمه وذكاء قريحته مع صغر سنّه وحداثته، فقد عمل «براهم سدّهاند» وهو ابن ثلاثين سنة، فإن كان هذا عذره فقد قبلناه والسلام؛ وأمّا القوم المذكورون الذين لا يجب مخالفتهم فمتى ينقادون لموضوع المنجّمين في كسف القمر الشمس وقد وضعوه في پراناتهم فوق الشمس والأعلى لا يستر الأسفل عمّن هو أسفل منهما، فاحتاجوا الى قابض على النيّرين قبض الحوت على الرغيف وتشكيله ايّاه بشكل المنكسف منهما، ولا يخلو أمّة عن جهّال ورؤساء لهم أجهل «يحملون أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم » ويزيدون أذهانهم صدى الى صداهم؛ ثمّ من الأعجوبة ما حكاه «براهمهر» عن أوائل

يجب صفحهم ان لم يجب خلافهم أنّهم كانوا يستدلّون على كون الكسوف بصبّ مقدار يسير من الماء مع مثله من الدهن في آنية واسعة مسطوحة الأسفل فى اليوم الثامن من الأيّام القمريّة، وتأمّل مواضع اجتماع الدهن وتفرّقه، فكانوا ينسبون أوّل الكسوف الى المجتمع وآخره الى موضع التفرّق، وحكى عن بعض أنّه كان يظنّ بسبب الكسوف أنّه اجتماع الكواكب المتحيّرة وأنّ بعضهم كان يستدلّ على كونه من كوائن المناحس التي هي الانقضاض والشهب والهالة والظلمة والعصوف والهدّة والزلزلة، قال وهذه الأشياء لا تكون دائما مع الكسوف ولا هي سبب كونه وإنّما تشاركه في طباع المنحسة، وطريقة العقل بمعزل عن هذه الخرافات؛ والرجل مع تحصيله على طباع قومه في خلط الماش بالدرماش والدرّ بالبعر فإنّه قال غير حاك عن أحد: ان هبت ريح شديدة وقت الكسوف كان الكسوف الذي يتلوه بعده بستّة أشهر، وإن انقضّ كوكب كان الكسوف التالي له بعد اثنى عشر شهرا، وإن اغبرّ الجوّ فبعده بثمانية عشر شهرا، وإن زلزلت الأرض فبعد أربعة وعشرين شهرا، وإن أظلم الهواء فبعده بثلاثين شهرا، وإن سقط برد فبعد ستّة وثلاثين شهرا، وأرى السكوت عن هذا جوابا، ولكنّي أقول أنّ ما في زيج الخوارزميّ من ألوان الكسوف وإن انتظم في الكلام فهو مخالف للعيان والذي عليه الهند منه أصحّ وأصوب وهو أنّ الكسوف القاصر عن نصف جرم القمر يكون دخانيّ اللون فإذا استتمّ نصفا حلك لونه وإذا زاد على النصف خالط حلوكته حمرة حتى إذا تمّ كان بعد ذلك أصفر فيه شقرة.

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «تحقيق ما للهند من مقولة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.