من «تحقيق ما للهند من مقولة» لأبي الريحان البيروني (ت ٤٤٠هـ)
سو- في الحجّ وزيارة المواضع المعظّمة
ليس الحجّ عندهم من المفروضات وإنّما هو تطوّع وفضيلة، وهو ان يقصد الحاجّ أحد البلاد الطاهرة أو أحد الأصنام المعظّمة أو أحد الأنهار المطهّرة، فيغتسل بها ويخدم الصنم ويهدي اليه ويكثر التسبيح والدعاء ويصوم ويتصدّق على البراهمة والسدنة وغيرهم ويحلق رأسه ولحيته وينصرف؛ فأمّا الحياض الطاهرة المعظّمة فإنّها في الجبال الباردة حول «ميرو»، والذي في «باج بران» وفي «مج پران» معا من ذكرها: ان في سفح ميرو «آرهت» وهو حوض عظيم جدّا يوصف بضياء القمر، ويخرج منه نهر «زنب» طاهرا جدّا يجري على الذهب الإبريز، وعند جبل «شويت» حوض «أوترمانس» حوله اثنا عشر حوضا كلّ واحد كالبحيرة يخرج منها نهرا «شاندي» و «مدّوي» الى كنبرش»، وعند جبل «نيل» حوض «بيوذ» ذو النيلوفر، وعند جبل «نشد» حوض «بشن پذ» يخرج منه وادي «سارسفت» وهو «سرست»، ويخرج منه أيضا نهر «كندهربّ»، وفي جبل «كيلاس» حوض «مند» عظيم كبحر يخرج منه نهر «منداكن»، وبين الشمال والمشرق من «كيلاس» جبل «جندربربت» في سفحه حوض «آجود» يخرج منه نهر آجود، وبين المشرق والجنوب من كيلاس
جبل «لوهت» وفي سفحه حوض يسمّى به ويخرج منه نهر «لوهت ند»، وفي جنوب كيلاس جبل «سرپوشذ» في سفحه حوض «مانس» ويخرج منه نهر «سرج»، وعن غرب كيلاس جبل «أرن» دائم الثلج لا يستطاع ارتقاؤه وفي سفحه حوض «شيلود»، يخرج منه نهر شيلود، وفي شمال كيلاس جبل «كور» وفي سفحه حوض «بندسر» أي الذي رمله ذهب، وعنده تزهّد «بهكيرث» الملك؛ وذلك: أنّه كان لملك لهم يسمّى «سكر» من الأولاد ستّون ألف ابن كلّهم دعّار وأشرار، واتّفق ان ضلّت لهم دابّة، فنشدوها وأداموا الركض في طلبها حتى انهارت الأرض من شدّة ركضهم على ظهرها، ووجدوا دابّتهم في جوفها واقفة بين يدي رجل مطرق غاضّ الطرف، فلمّا قربوا منه ازلقهم ببصره فاحترفوا مكانهم وحصلوا في جهنّم بسوء أعمالهم، وصار الموضع المنهار من الأرض بحرا وهو البحر الأعظم، ثمّ كان من نسل هذا الملك ملك يسمّى بهكيرث سمع بخبر أسلافه فرقّ لهم، وذهب الى الحوض المذكور الذي قراره ذهب مسحول وأقام هناك صائما أيّامه قائما في العبادة لياليه، حتى سأله «مهاديو» عن حاجته، فقال: أريد نهر «كنك» الجاري في الجنّة علما منه بأنّ من جرى ماؤه عليه مغفور له ذنوبه، فأجابه الى ملتمسه، وكانت المجرّة السماويّة مجرى كنك وقد اعجب بنفسه ولم ير أحدا يقدر عليه، فأخذه «مهاديو» ووضعه على رأسه، فلم يقدر على البراح وغضب من ذلك وتموّج وتغطمط، فتماسك به مهاديو حتى لم يمكنه الغوص فيه، ثمّ أخذ منه قطعة وأعطاه «بهكيرث» حتى أجرى الشعبة الوسطانيّة من شعبه السبع على عظام أجداده ونجوا بذلك من العذاب، ولهذا يلقي فيه عظام موتاهم المحترقة، ولقّب نهر كنك باسم هذا الملك الذي جاء به؛
وقد حكينا عنهم أنّ في الديبات انهارا طاهرة كطهارة كنك، وفي كلّ موضع يوصف بفضيلة يعمل الهند حياضا تقصد للاغتسال، وصار ذلك لهم صناعة يبالغون فيها حتى أنّ قومنا اذا رأوها تعجّبوا منها وعجزوا عن صفتها فضلا عن عملها، فإنّهم يعملونها من صخور عظام جدّا شديدة الهندام مشدودة بأوتاد حديدة غلاظ درجا كالرفوف تدور الدرجة في جوانب الحوض على سمك أطول من قامة الرجل، ثمّ يعملون على الوجه الذي فيما بين الدرجتين مراقي كالشرف، فتصير الدرجات الأولى كطرق والشرف درجات، لو نزل نفر كثير وصعد آخرون لما التقوا ولما انسدّ عليهم طريق لكثرة الدرجات ويمكن الصاعد فيها من الانحراف الى غير التي ينزل عليها النازل، فيزول بذلك مشقّة الازدحام؛ وبالمولتان حوض يعبدون فيه بالاغتسال اذا لم يتعرّض لهم، وفي «سنكهت براهمهر» أنّ بتانيشر حوضا يقصده الهند من بعيد ويغتسلون بمائه، ويزعمون أنّ سببه زيارة مياه سائر الحياض المكرّمة ايّاه وقت الكسوف، وأنّ الاغتسال فيه لأجل ذلك ينوب عن الاغتسال في واحد واحد منها، ثمّ يقول حاكيا: ويقولون لولا أنّ الرأس هو كاسف النيّرين لما زارت الحياض ذلك الحوض؛ واشتهار الحياض بالفضيلة يكون إمّا باتّفاق أمر جليل فيها أو نصّ وارد في الكتب والأخبار، وقد ذكرت كلاما حكاه «شونك»، ناقله الزهرة عن «براهم» أنّه خوطب به، وفي ذلك الكلام ذكر «بل» الملك وما سيفعله الى أن يغوّصه «ناراين» في الأرض السفلى، وفي ذلك الكلام: إنّي إنّما أفعل به ذلك ليزول ما يرومه من التساوي من الناس وليتفاضلوا في الحال فينتظم العالم بذلك ولينصرفوا عن عبادته الى عبادتي والإيمان بي، وكما أنّ تعاون المتمدّنين لا يكون إلّا مع التفاضل ليحتاج أحدهم الى الآخر كذلك خلق الله العالم مختلف الطباع متفاوت البقاع واحدة صرودا وأخرى جروما وواحدة طيّبة التربة والماء والهواء وأخرى سبخيّة أو عفنة آسنة الماء وبيّة الهواء، وكذلك
سائر الاختلافات في كثرة النعم وقلّتها وتواتر الآفات وعدمها ممّا يدعو المتمدّنين الى اختيار الأمكنة لبناء المدن من أجلها، وهذا بسبب الرسوم الجارية، لكنّ الأوامر الشرعيّة أقوى منها وأغلب على الطباع من الرسوم والعادات، ألا ترى أنّ علل هذه مطلوبة وهي بحسبها مأخوذة أو مرفوضة وعلل تلك متروكة غير مطلوبة يتمسّك بها الأكثرون تقليدا، ولا يحتجّون فيه بأكثر ممّا يحتجّ به ساكن البقعة النكدة اذا ولد بها ولم يشاهد غيرها من حبّ الوطن وصعوبة النقلة عن المسكن، ثمّ اذا كان تفاضل البقاع من جهة أمر ملّيّ فقد حصل عند العاملين به ما لا ينقلع عن افئدتهم الى الأبد؛ وللهند مواضع تعظّم من جهة الديانة مثل بلد «بارانسي»، فإنّ زهّادهم يقصدونه ويلزمونه لزوم مجاوري الكعبة مكّة، ويحرصون على أن تأتيهم فيه آجالهم لتكون عقباهم بعد الموت خيرا، ويقولون أنّ سافك الدم مأخوذ بذنبه مكافي على حوبه الّا أن يدخل بلد بارانسي فينال فيه العفو والغفران، ويزعمون في سببه: أنّ «براهم» كان ذا أربعة أرؤس في الصورة، وأنّه وقع بينه وبين «شنكر» وهو «مهاديو» شرّ تأدّت المنازعة بينهما فيه الى اقتلاع أحد تلك الأرؤس منه، وكانت العادة وقتئذ أن يتّخذ رأس المقتول بيد القاتل ويبقى معلّقا منها للخزي والعلامة، وكذلك التحم فخفّ رأس براهم بيد مهاديو وكان يطوف به في مقاصده ومتصرّفاته، لا يزايله فيما دخل من البلاد الى أن بلغ بارانسي، وسقط الرأس من يده لمّا دخله وبان عنها؛ ومن أمثال تلك البلاد «بوكر»، وسببه: أنّ براهم كان يقيم فيه للنار قربانا فخرج منها خنزير، ولذلك جعلوا صنمه على صورة خنزير، وعمل خارج البلد في ثلاثة مواضع منه حياض مبجّلة هي متعبّدات، ومنها «تانيشر» ويسمّى «كركيتر» أي أرض «كر» وكان رجلا فلّاحا زاهدا صالحا، يعمل العجائب بالقوّة الإلهيّة، فنسبت الأرض
اليه وعظّمت لأجله، ثمّ اتّفق فيها أعمال «باسديو» في حروب «بهارث» وهلاك المفسدين فيها، فازدار محلّه، ومنها بلد «ماهوره» المشحون بالبراهمة، وتعظيمه بسبب ولادة باسديو فيه وتربيته في «نندكول» بالقرب منه، و «كشمير» الآن مقصود، وكان «المولتان» كذلك قبل تخريب بيت صنمه.
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع